قال الإمام الشِّلِّي في (المَشْرَعِ الرَّوِيِّ) حَكَى إِمَام الشَّافِعِيَّة فِي زَمَنه أَبُو سعيد عبد الله بن أبي عصرون قَالَ: دخلتُ بَغْدَاد فِي طلب الْعلم فَوَافَقت ابْن السقا ورافقته فِي طلب الْعلم بالنظامية وَكُنَّا نزور الصَّالِحين وَكَانَ بِبَغْدَاد رجل يُقَال لَهُ الْغَوْثُ (وهو الشيخ يوسف الهمذاني) يظْهر إِذا شَاءَ ويختفي إِذا شَاءَ فقصدنا زيارته ومعنا الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وَهُوَ يَوْمئِذٍ شَاب، قال ابن السقا لأسألنه مسألة لَا يدْرِي جَوَابها، وَقلت لأسألنه مسألة وَأنْظر مَا يَقُول، وقال الشَّيْخ عبد القادر الجيلاني: معاذ الله أن أسأله شيئًا وأَنا بَين يَدَيْهِ أنْتَظر بركَته فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَلم نره إِلَّا بعد سَاعَة، فَنظر إِلَى ابْن السقا مغضبًا وَقَالَ: وَيحك يَا ابْن السقا تَسْأَلنِي مسألة لَا أَدْرِي جَوَابها، وهي كذا وجوابها كذا، إني لأرى نار الكفر تتلهب فيك، ثم نظر إليّ وقال: يا عبد الله تسألني مسألة لتنظر ما أقول فيها وهي كذا وجوابها كذا، لتخرأنّ عليك الدنيا إلى شحمة أذنيك بإساءة أدبك، ثمَّ نظر إِلَى الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَأَدْنَاهُ مِنْهُ وأكرمه، وقال له: يَا عبد الْقَادِر لقد أرضيت الله وَرَسُوله بِأدبك كَأَنِّي أَرَاك بِبَغْدَاد وَقد صعدتَ الْكُرْسِيَّ متكلمًا على المَلأ وَقلتَ قدمي هَذِه على رَقَبَة كل وليّ، (أي في حالة غيبة عقله والله أعلم، والمراد تفوقه في الرتبة على صلحاء أهل زمانه، وفي رواية لَيَصِيحَنَّ لك دِيكٌ في المشرقِ يتبعُه دِيكٌ في المغرب، أي لتبلَغَنَّ في الشهرة بالصلاح مبلغًا كبيرًا) وَكَأَنِّي أرى الْأَوْلِيَاء فِي وقتك وَقد حنوا رقابهم إجلالًا لَك، ثمَّ غَابَ عَنَّا فَلم نره بعد.
ثم إن عاقبة كل من ابن السقا وابن عصرون كانت كما قال الشيخ، صدق قوله فيهم جميعًا، رزق ابن عصرون من المال ما جعله أغنى الناس في عصره وقبره في دمشق في المنطقة التي تسمى اليوم بالعصرونية.
قال فأما الشيخ عبد القادر فقد ظهرت أمارات قربه من الله تعالى، وأجمع عليه الخاص والعام. وقال: قدمي هذه على رقبة كل وليّ
(في زمنه)، فأجابه في تلك الساعة أولياء
الدنيا، قال جماعة: وأولياء الجن، وطأطؤوا رؤوسهم وخضعوا، إلا رجلًا بأصبهان فسلب
حاله. وممن طأطأ رأسه أبو النجيب السهروردي، وأحمد الرفاعي، وأبو مدين، والشيخ عبد
الرحيم القناوي، قال ابن عصرون: وأما ابن السقا فإنه اشتغل بالعلوم حتى فاق أهل
زمانه واشتهر بقطع من يناظره في جميع العلوم، وكان ذا لسان فصيح وسمت مليح، فأدناه الخليفة، وبعثه رسولًا إلى ملك الروم بالقسطنطينية، فأعجب به، وجمع له القسيسين وناظروهم فأفحمهم وعظم عند الملك فأراد فتنته، فتراءت له بنت
الملك فافتتن بها، فسأله أن يزوجها له، فقال لا إلا أن تتنصر، فتنصّر والعياذ
بالله وتزوجها، ثم مرض فألقوه بالسوق ليسأل القوت، فمرّ عليه من يعرفه فَقَالَ لَهُ:
مَا هَذَا؟ قَالَ: فتْنَة حلت بِي سَببهَا مَا ترى، قَالَ: هَل تحفظ الْقُرْآن؟
قَالَ: لَا إِلَّا قَوْله {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين} [الحجر/2] ثم جاز عليه وهو في النزع فقلبه إلى القبلة
فاستدار عنها، فعدت فقلبته فعاد فاستدار عنها، فخرجت روحه لغير القبلة، وكان يذكر
كلام الغوث ويعلم أنه أصيب بسببه. قال ابن أبي عصرون: وأما أنا فجئت إلى دمشق
فأحضرني السلطان نور الدين الشهيد، وأكرهني على ولاية الأوقاف فوليتها، وأقبلت
عليّ الدنيا إقبالًا كثيرًا، فقد صدق الغوث فينا كلنا انتهى.
نسأل الله أن يحفظنا من سوء الخاتمة، قال الإمام الشلي
صاحب (الشرع الروي): فهذه الحكاية التي كادت تتواتر في المعنى بكثرة ناقليها
وعدالتهم فيها أبلغ زجر عن الإنكار على أولياء الله تعالى خوفًا أن يقع المنكر
فيما وقع فيه ابن السقا، نعوذ بالله من ذلك. قال التاذفي في (قلائد الجواهر) توفي
الشيخ يوسف الهمداني سنة 535 هـ.
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي في
تاريخ بغداد في ترجمة يوسف الهمذاني: سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرئ
يقول: حدثني من رآه في القسطنطينية ملقى على دكة مريضًا، وبيده مروحة خَلَقة يدفع
بها الذباب عن وجهه، قال: فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟ قال: ما أذكر منه إلا
آية واحدة: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}
[الحجر: 2] والباقي نسيته. وقضى نحبه متنصرًا مهملًا في أسواق القسطنطينية. نعوذ بالله من سوء القضاء.
وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الإمام يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد صاحب
الكرامات والأحوال: أنه جلس يومًا للوعظ، واجتمع إليه الناس، فقام مِنْ بينهم فقيه
يعرف بابن السقا، وآذاه، وسأله عن مسألة، فقال له: اجلس؛ فإني أجد من كلامك رائحة
الكفر، ولعلك أن تموت على غير دين الإِسلام، ثم مضى ذلك، وقدم رسولُ ملكِ الروم
على الخليفة، فخرج ابن السقا مع الرسول إلى القسطنطينية، فتنصَّر، ومات نصرانيًا.
وفي كتاب صب الخمول: قال الشيخ الصالح أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي: حضرت مجلس شيخنا يوسف
الهمذاني في النظامية، وكان قد اجتمع عليه العالم من الناس، فقام فقيه يعرف بابن
السقا، وسأله عن مسألة وأذاه بالكلام، فقال له الشيخ يوسف: اجلس، فإني أجد من
كلامك رائحة الكفر، ولعلك تموت على غير دين الإسلام.
قال أبو الفضل: فاتفق بعد هذا القول بمدة أن قدم رسول نصراني من ملك الروم إلى
الخليفة، فمضى إليه ابن السقا، وسأله أن يستصحبه، وقال له: يقع لي أن أترك دين
الإسلام، وأدخل في دينكم؛ فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية، والتحق بملك
الروم، وتنصر، ومات على النصرانية.
قال الهيثمي في الفتاوى الحديثية: وَفِي هَذِه الْحِكَايَة الَّتِي كَادَت أَن
تتواتر فِي المَعْنى لِكَثْرَة نَاقِلِيهَا وعدالتهم فِيهَا، أبلغ زجر وآكد ردع
عَن الْإِنْكَار على أَوْلِيَاء الله تَعَالَى خوفًا من أَن يَقع المُنكر فِيمَا
وَقع فِيهِ ابْن السقا من تِلْكَ الْفِتْنَة المهْلكَة الأبدية الَّتِي لَا أقبح
مِنْهَا وَلَا أعظم مِنْهَا نَعُوذ بِالله من ذَلِك ونسأله بِوَجْهِهِ الْكَرِيم
وحبيبه الرؤوف الرَّحِيم أَن يؤمننا من ذَلِك وَمن كل فتْنَة ومحنة بمنه وَكَرمه.
قال الدَّميريُّ في كتاب (حياة الحيوان) بعد هذه الحكاية: فانظر يا أخي كيف
هلك هذا الرجل، وخذل بالانتقاد، وترك الاعتقاد، نسأل الله السلامة، قال: فعليك يا
أخي بالاعتقاد، وترك الانتقاد على المشايخ العارفين، والعلماء العاملين، والمؤمنين
الصالحين، فإن حرابهم مسمومة، فقلَّ مَنْ تعرض لهم وسلم، فسلِّمْ تسلَمْ، ولا
تنتقدْ تندمْ، واقتدِ بإمام العارفين، وعلامة العلماء العاملين، ورأس الصديقين في
وقته الشيخِ عبد القادرِ الكيلانيِّ، لما عزم على زيارةِ الغوثِ بمكة، وقال رفيقاه
ما قالا، فقال: أما أنا، فأذهب على قدم الزيارة والتبرك، لا على قدم الإنكار
والامتحان، فآل أمرُه إلى أن قال: قدمي هذا على رقبة كلِّ وليٍّ لله، وآل أمرُ
أحدِ رفيقيه إلى الكفر، وترك الإيمان؛ كما اتفق في هذه الحكاية، وآل أمرُ الآخر
إلى اشتغاله بالدنيا، وتركِه خدمة المولى. نسأل الله التوفيقَ والهدايةَ والإماتة
على الإيمان بالله وبرسوله، والاعتقاد الحسن في أوليائه وأصفيائه بمحمد وآله،
انتهى كلامه.
كان أبو يعقوب (الشيخ يوسف الهمذاني) صاحب الأحوال والمواهب الجزيلة والكرامات
والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين، وكان قد برع في الفقه،
ففاق أقرانه، خصوصًا في علم النظر، قدم بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، واشتغل عليه حتى
برع في أصول الفقه والمذهب والخلاف، وسمع الحديث من جماعة ببغداد وأصبهان وسمرقند،
ثم زهد في الدنيا، ولزم العبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار من العلماء الذين
يهتدي بهم الخلق إلى الله عز وجل، وعقد له مجلس الوعظ في المدرسة النظامية في
بغداد، وصادف قبولًا عظيمًا من الناس وكان الشيخ أبو إسحاق يقدمه على جماعة كثيرة
من أصحابه، مع صغر سنه، لزهده وحسن سريرته واشتغاله بما يعنيه، ثم ترك كل ما كان
فيه من المناظرة، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق وإرشاد
الأصحاب إلى الطريق المستقيم، ونزل مرو وسكنها، وخرج إلى هراة وأقام بها مدة، ثم
سئل الرجوع إلى مرو في آخر عمره فأجاب، ورجع إليه، وخرج إلى هراة ثانيًا، ثم عزم
على الرجوع إلى مرو، وخرج فأدركته منيته في الطريق، فدفن ثم نقل بعد ذلك إلى مرو،
ونقل ذلك ابن النجار في تاريخه عن السمعاني.
وفي سنة خمس وثلاثين وخمس مائة توفي أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف
الهمذاني، الفقيه الفاضل العالم الباني.
روى هذه القصة الشيخ المناوي في طبقاته. والشيخ
يوسف النبهاني في (جامع كرامات الأولياء) ج2 ص435-436، طبع الكتب العلمية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم