الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله
لبس سروال للمحرم للضرورة
لبس السروال للمحرم عند الضرورة (كمرض، برد شديد، أو جرح) جائز ولا إثم فيه، لكن تجب عليه الفدية، وهي فدية أذى. وتتمثل في التخيير بين ثلاثة أمور: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين (لكل مسكين نصف صاع)، أو ذبح شاة، ولا تتكرر الفدية بتعدد الأيام إذا كان لبسه متواصلاً لنفس العذر.
تفاصيل فدية لبس السروال للضرورة:
حكم اللبس: جائز عند الضرورة ولا إثم فيه.
نوع الفدية: فدية أذى، وهي خيار بين:
صيام ثلاثة أيام: يجوز صيامها متفرقة أو متتابعة.
إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع من تمر أو أرز أو حنطة (تقريبًا كيلو ونصف).
ذبح شاة: وتذبح في مكة وتوزع على فقراء الحرم.
تعدد الفدية: إذا لبس السروال لعذر واحد (مثل المرض) ولم يخلعه، فليس عليه إلا فدية واحدة وإن طالت المدة.
في حال النسيان: إذا لبس السروال ناسيًا ولم يتعمد، فلا فدية عليه، لكن يجب عليه خلعه فور تذكره.
ملاحظة: إذا استمرت الحاجة للبس السروال، فلا بأس من استمراره في لبسه وعليه الفدية مرة واحدة، وإذا زالت الضرورة، وجب خلع السروال فورًا.
نص الفقهاء على أن محظورات الإحرام ليست على درجة واحدة من حيث ترتب الفدية أو الإثم عليها، فمنها ما يترتب عليه الإثم والفدية، ومنها ما يترتب عليه الإثم دون الفدية، ومنها ما يجب فيه الفدية فقط، فمثلا لبس المخيط يباح عند فقد ملابس الإحرام دون فدية، ويباح مع الفدية عند وجود حاجة مثل الحر والبرد والمداواة؛ قال الإمام زكريا الأنصاري: "من لَبس في الإحرام ما يحرم لبسه به أو ستر ما يحرم ستره فيه لحاجة حر أو برد أو مداواة أو نحوها، جاز وفدى، كما في الحلق لذلك بجامع الترفه الحاصل بكل منهما" [أسنى المطالب 1/ 507].
والأصل أن يلتزم من يقوم بوظيفة معينة بمهمته، ولم يؤذن له بالحج، ولا يلزم الحج على الفور، بل للمسلم أن يؤخره حتى يستطيع، لكن لو أذن له بالحج، وسُمح له بلبس ملابس الإحرام فلا يجوز له لبس المخيط، فإن لبس المخيط في هذه الحالة أثم ووجبت عليه الفدية، وهي: إما ذبح شاة يفرّق لحمها على الفقراء في الحرم، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم، وإما صيام ثلاثة أيام، مع التوبة إلى الله تعالى. والله تعالى أعلم.
قيل
اختلف العلماء في حكم لبس اللباس الداخلي للرجل الذي يغطي العورة المغلظة وهو ما يسميه العلماء بـ " التُّبَّان " فذهب بعضهم إلى جوازه من غير ضرورة ولا حاجة ، وقالوا : بأنه لم يرد النص في المنع منه فيما لا يلبسه المحرم .
وذهب الجمهور إلى أن لبسه ممنوع ، وأنه يقاس على السراويل ، بل ذهب بعض العلماء إلى أنه أولى بالمنع منه.
وبه يتبين خطأ من استدل بجواز لبس التبان بكونه لم يُنص عليه في الحديث الذي بيَّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يلبسه المحرم .
قال ابن عبد البر – رحمه الله - :
وفي معنى ما ذكر في هذا الحديث من القمص والسراويلات والبرانس يدخل المخيط كله بأسره ، فلا يجوز لباس شيء منه للمحرم ، عند جميع أهل العلم .
" التمهيد " ( 15 / 104 ) .
وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
" قال عياض : أجمع المسلمون على أن ما ذُكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم ، وأنه نبَّه بالقميص والسراويل على كل مخيط ، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس به مخيطاً أو غيره ، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل . انتهى .
وخصَّ ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس ، وهو واضح .
والمراد بتحريم المخيط : ما يلبس على الموضع الذي جعل له ، ولو في بعض البدن " انتهى.
" فتح الباري " ( 3 / 402 ) .
أ. أثر عائشة :
قال البخاري – رحمه الله – في " صحيحه " ( 2 / 558 ) - :
باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم... ولم تر عائشة رضي الله عنها بالتُبَّانِ بأساً للذين يرحلون هودجها .
انتهى
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
" وقد وصل أثر عائشة : سعيد بن منصور ، من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة : " أنها حجت ومعها غلمان لها ، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء ، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين ، فيلبسونها وهم محرمون " .
وفي هذا رد على ابن التين في قوله " أرادت النساء " ؛ لأنهن يلبسن المخيط ، بخلاف الرجال ، وكأن هذا رأي رأته عائشة ، وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم ". انتهى من " فتح الباري " ( 3 / 397 )
وقد يُجاب عن هذا بأن عائشة رضي الله عنها أمرتهم بلبسه للضرورة ، لأن عورتهم كانت تنكشف ، فلا يدل على جواز لبسه بدون ضرورة .
ب. أثر عمار :
روى ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت قال : رأيت على عمار بن ياسر تُبَّاناً ، وهو بعرفات .
" مصنف ابن أبي شيبة " ( 6 / 34 ) .
وهذا محمول على الضرورة ، حيث ورد عند ابن شبة في " أخبار المدينة " ( 3 / 1100 ) ما يدل على إصابة عمار بن ياسر رضي الله عنه زمن عثمان بن عفان رضي الله ، وفيه قوله " فلا يستمسك بولي " .
وفي " النهاية في غريب الأثر " ( 2 / 126 ) :
وفي حديث عبد خير قال : رأيت على عمار دقرارة ، وقال : " إني ممثون "
الدقرارة : التبَّان ، وهو السراويل الصغير الذي يستر العورة وحدها ، والممثون : الذي يشتكي مثانته .
وفي " لسان العرب " ( 13 / 71 ) :
وفي حديث عمار أنه صلَّى في تبَّان ، فقال : إني ممثون ، أي : يشتكي مثانته . انتهى
وهذه الآثار لو فرض عدم ثبوت آحادها : فهو يدل على أن لها أصلاً .
والصحيح : أنه يمنع الرجل المحرم من لبس التبَّان ، ويُحمل ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنه للضرورة ، وليس فيه نفي الفدية عمن لبسه .
ويُحمل ما ورد عن عمار بن ياسر أنه كان للضرورة بسبب إصابته في المثانة
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - :
" وما ذُكر عن عائشة رضي الله عنها ظاهره أنها إنما رخّصت في التبان لمن يُرَحِّل هودجها لضرورة انكشاف العورة ، وهو يدل على أنه لا يجوز لغير ضرورة ، والعلم عند الله تعالى ". انتهى
" أضواء البيان " ( 5 / 464 ) .
ثانياً :
يجوز لبس التبان لمن كان يعمل في التحميل – مثلاً - ويَخشى انكشاف عورته ، كما يجوز لبسه لمن يتمزق جلده بسبب الاحتكاك ، ويخشى على نفسه الضرر ، ويجوز كذلك لمن به جرح في عورته ويحتاج لتغطيته ، ومثله من كان مبتلى بسلس البول – وهي حالة مشابهة لحالة عمار بن ياسر - ، وفي كل تلك الأحوال – وما يشبهها – على لابسه الفدية ، وهي : إطعام ستة مساكين ، أو صيام ثلاثة أيام ، أو ذبح شاة
قال تعالى : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) البقرة/ 196 .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْفِدْيَةِ فَقَالَ نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً ، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ : ( مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَوْ : مَا كُنْتُ أُرَى - الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ، تَجِدُ شَاةً ؟ فَقُلْتُ : لَا . فَقَالَ : فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ )
رواه البخاري ( 1721 ) ومسلم ( 1201 ).
قال ابن عبد البر - رحمه الله -: لا يجوز لبس شيء من المخيط -أي للمحرم- عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون الإناث.
ولكنه إن احتاج إلى ذلك لعذر جاز له لبسه، ويفدي, فقد اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَل مِنَ الْمَحْظُورَاتِ شَيْئًا لِعُذْرِ مَرَضٍ، أَوْ دَفْعِ أَذًى، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، يَتَخَيَّرُ فِيهَا: إِمَّا أَنْ يَذْبَحَ هَدْيًا، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِإِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ يَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَلِمَا وَرَدَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ حِينَ رَأَى هَوَامَّ رَأْسِهِ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَال: قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اهــ
وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: إذَا احْتَاجَ إلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ مِثْلُ: أَنْ احْتَاجَ إلَى حَلْقِ شَعْرِهِ لِمَرَضٍ، أَوْ قَمْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ إلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ، أَوْ لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفَعَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ بَعْدَ وُجُودِ الْعُذْرِ، وَقَبْلَ فِعْلِ الْمَحْظُورِ. اهــ.
بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن لبس مخيط لستر العورة، أو للوقاية من النجاسة، مستثنى من وجوب الفدية, فقد سئل ابن حجر الهيتمي - رحمه الله تعالى - عن شد الذكر من أجل السلس، هل فيه فدية أم لا؟ فأجاب بقوله: لا فدية عليه بالشد المذكور؛ لأمور: منها قولهم: كل محظور في الإحرام أبيح للحاجة فيه الفدية، إلا نحو السراويل، والخفين؛ لأن ستر العورة، ووقاية الرجل من النجاسة مأمور بهما لمصلحة الصلاة، وغيرها، فخفف فيها. اهــ.
جاء في حاشية إعانة الطالبين: المحرمات أربعة أقسام: الأول: ما يباح للحاجة ولا حرمة ولا فدية وهو لبس السراويل لفقد الإزار، والخف المقطوع لفقد النعل، وعقد خرقة على ذكر سلس لم يستمسك بغير ذلك. انتهى.
ولا تلبس المخيط ما دام الاستغناء عنه ممكنا، واذا لاحظت ان الحفاظة تسقط مع ربطك لها فلا بأس بلبس سروال وتلزمك الفدية وهي على التخيير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة.
واما القميص فلا حاجة لك إليه ولا يجوز لك لبسه أصلا؛ لحديث البخاري: لا تلبسوا القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين... اهـ.
------------------
السؤال :
هل يجوز لبس الملابس الداخلية للمرأة في العمرة؟
الجواب :
نعم يجوز للمرأة أن تلبس ملابسها الداخلية في العمرة؛ لأن المرأة أثناء الإحرام بالحج أو العمرة تبقى بلباسها المعتاد الذي يستر كل بدنها، لكن يجب عليها كشف وجهها وكفيها، فإن خافت الفتنة سترت وجهها بما لا يلامسه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم