الثلاثاء، 21 يونيو 2022

الدليل على صحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم / معجزة القرآن الكريم

قال هيثم طلعت في كتابه في نقد الهندوسية 

تعدُّد دلائل الإعجاز يفيد التواتر المعنوي واليقين التام.

فأرسطو فيلسوف بمجموع أعماله وليس بجملةٍ قالها أو تحليلٍ فلسفيٍ أجراه.

وأبوقراط طبيب بمجموع مشاريعه الطبية وليس بجراحةٍ قام بها.

وكذلك تعدد دلائل الإعجاز المنقولة عن النبي محمد  ﷺ تفيد التواتر المعنوي واليقين التام أنَّه نبي.

فإذا نظرت في سيرته  ﷺ ووجدته صادقًا وقد اشتهر بالصدق باعتراف أشد الناس له عداوةً، ولم يُرم بكذبٍ ولا فجورٍ، ثم هو يُخبِر بالمغيبات فتقع كما هي، وقبل ذلك تتفق عقيدته التي دعا لها من أول يوم مع عقيدة الأنبياء جميعًا، ثم هو الذي يُبشِر الأنبياء به وتبشر كتب الهندوس المقدسة بقدومه  ﷺ قبل أن يأتي بمئات السنين، فكل هذا يفيد التواتر المعنوي واليقين التام على صحة الرسالة.

ثم ماذا عن أعظم آية أتى بها وهي القرآن الكريم؟

القرآن الذي تحدى الله به أهل البيان، أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ منه، فما فعلوا.

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٣٨] سورة يونس.

وقال الله عز وجل في القرآن الكريم ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [٢٣] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [٢٤]﴾ سورة البقرة.

لاحظ قوله تعالى﴿لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [٢٤] سورة البقرة.

فما فعلوا، ولا قَدروا.

ولم يزل القرآن الكريم يتحدى بلغاء المشركين وأهل الفصاحة، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته.

يقول د.عبد الله دراز رحمه الله: "ألم يكن يخشَ الرسول  ﷺ بهذا التحدي أن يثير حميتهم الأدبية؟

فيهبوا لمنافسته وهم جميعٌ حذرون؛ وماذا عساه يصنع لو أن جماعة من بلغائهم تعاقدوا على أن يُخرجوا كلامًا يساميَه ولو في بعض نواحيه!

ثم لو طوعت له نفسه أن يصدر هذا الحكم على أهل عصره فكيف يصدره على الأجيال القادمة؟

إن هذه مغامرة لا يتقدم إليها رجلٌ يعرف قدر نفسه إلا وهو مالئٌ يديه من تصاريف القضاء، وخبر السماء، وهكذا رماها بين أظهر العالم، فكانت هي القضاء المبرم، فكل من عارضه باء بالعجز الواضح، والفشل الفاضح، على مر العصور والدهور".([78])

لقد رأى هؤلاء المشركون أن تجميع الجيوش وتحزيب الأحزاب لمحاربة رسول الله  ﷺ أهون وأيسر من معارضة القرآن وقبول التحدي، فهذا بالغ جهدهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [٢٦] سورة فصلت.

فلم يأت العرب جميعًا ولا الأمم التي نُقل لها التحدي بشيءٍ يستريح له الملاحدة ويريحون به غيرهم.

يقول الألوسي رحمه الله: "فلم ينطق أحد منهم إلى يومنا هذا ببنت شفة ولا أعرب عن موصوفٍ أو صفة".

قال جبير بن مطعم ولم يكن قد أسلم بعد: سَمِعْتُ النَّبيَّ  ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذِه الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [٣٥] أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [٣٦] أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [٣٧]﴾ سورة الطور.

قالَ: كَادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ".([79])

فالقرآن فيه أسرار عجيبة تصل للنفس الإنسانية.

تأمل كيف أنَّ نساء المشركين كن يزدحمن حول بيت أبي بكر حين يقرأ القرآن من فرط انجذابهن وتأثرهن به، حتى أفزع ذلك رجال قريش.([80])

ولذلك اجتمعت كلمة وفود العرب على ألا يسمعوا للقرآن ولا يُسمِعوه أهليهم، فهذا هو السبيل الوحيد للبقاء على الكفر.

ومن عجائب القرآن الكريم وعجائبه لا تنفد ما ذكره د.عبد الله دراز رحمه الله في قضية نزول آيات القرآن في أوقات متفاوتة، ثم يشير النبي  ﷺ إلى وضع بعض الآيات في أماكن محددة بين السور وآيات آخرى بين سور أخرى، ثم تظهر في الأخير كل سورة كبناء مستقل، يقول رحمه الله: "في وقت نزول القرآن كانت بعض المواضيع في القرآن تتزايد بمعزل عن مواضيع أُخرى، وتُكوِّن تدريجيًا وحدات مُستقلة بعد أن تنضم إليها آيات أُخرى نزلت بعدها، وأن بعضها كانت تُضاف هنا، والأُخرى تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول  ﷺ الذي كان يتلقاه بدوره من الروح القدس.

فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها - تواريخ نزول آيات القرآن الكريم-، ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجهٍ عام مرتبطًا بظروفٍ ومناسباتٍ خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة.

وكأن القرآن كان قطعًا متفرقة ومرقمة من بناء قديم، كان يُراد إعادة بناؤه (بنائه) في مكانٍ آخر على نفس هيئته السابقة، وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آنٍ واحد، فيما يتعلق بكثير من السور؟

ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلاً عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تُقدم به هذه الحلول، وتوافقها الأُسلوبي مع هذه السورة بدلاً من تلك؟".([81])

فالقرآن معجزة مستقلة على صدق نبوته  ﷺ.

ومعجزات النبي محمد  ﷺ التي جرت على يديه كثيرة تزيد على الألف بكثير، والعهد بها قريب وناقلوها هم أصدق الخلق وأبرهم -بعد الأنبياء-.

وهؤلاء الرواة الذين نقلوا إلينا هذه المعجزات كانوا لا يجيزون الكذب فيما دقَّ فكيف يكذبون عليه، وهم يعلمون أنَّ من كذب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، كما حذّر هو  ﷺ.

وبعض معجزاته  ﷺ شهدها آلاف الصحابة ممن كانوا حوله  ﷺ، وبعضها رواه العشرات منهم فكيف يُجمعون على الكذب في كل هذا؟

ومثال على معجزاته التي حضرها جمع كبير من الناس: حديث حنين الجذع وهو حديث مشهور متواتر حيث كان النبي  ﷺ يخطب على جذع، فلما عُمل له المنبر ورقي عليه وخطب حنّ الجذع، وأنّ أنين الصبي، ولم يزل يئن ويحن حتى ضمه النبي  ﷺ فسكت.

هذا الحديث رواه من الصحابة: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأُبي بن كعب، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وعائشة بنت أبي بكر، وأم سلمة.

فهل مثل هذا العدد من الصحابة يُجمِع على الكذب في رواية خبرٍ كهذا؟

بل إنَّ بعض معجزاته شهدها آلاف الصحابة مثل نبع الماء من بين أصابعه الشريفة حتى توضأ منه وشرب ألف وخمسمائة صحابي، والحديث متواتر ورواه البخاري ومسلم.

وتكثير الطعام اليسير ليَطعم منه الجيش العظيم وهذا أيضًا جاءت به الأخبار المتواترة عن الصحابة، وقد ذكر البخاري وحده معجزات تكثير الطعام على يد النبي  ﷺ في خمسة مواضع من صحيحه.([82])

فإذا كانت أدلة الصدق ثابتة والمعجزات حافلة على نبوته  ﷺ، فأنى لعاقل أن يُكذب بكل هذا؟

وهذه أمثلة أخرى يسيرة من معجزاته  ﷺ:

أخبر  ﷺ في ليلةٍ من الليالي بأن ريحًا شديدة ستهُب، ونهى الناس عن القيام، فقام رجل فحملته الريح وألقته في مكان بعيد عن مكانه.([83])

وأخبر  ﷺ بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وكبَّر عليه أربعًا.([84])

وأخبر النبي  ﷺ بشهادة عمرَ وعثمانَ وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين، وأنهم لن يموتوا على فُرُشِهم كما يموت الناس.

فقد صعد رسول الله  ﷺ الجبل ذات يومٍ هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليُ وطلحةُ والزبيرُ، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله  ﷺ للجبل: "اهدأ، فما عليك إلا نبيٌ أو صديقٌ أو شهيد".([85])

فحكم لنفسه بالنبوة ولأبي بكر بالصدِّيقية وللباقين بأنهم سيكونون شهداء، وحصل ما أخبر به  ﷺ.

وهناك 150 حديثًا دعا فيهم النبي  ﷺ ربَّه وأُجيب في الحال والناس يشهدون!([86])

وحيث سأل أهلَ مكَّةَ رسولَ اللهِ  ﷺ أنْ يُريَهُم آيَةً، فأراهُمُ القمَرَ شِقَّينِ، حتى رأوْا حِراءً بَينهُما، وهذا الحديث متواتر، أي أنه في أعلى درجات الصحة.

وقد كان النبي  ﷺ يقرأ سورة القمر التي فيها معجزة شق القمر في المجامع الكبار كالجُمع والأعياد ليُسمع الناس ما فيها من معجزاته  ﷺ وكان يستدل بها على صدق نبوته.

ثم إخبار النبي ﷺ بأن آدم هو آخر الخلق من الكائنات الحية: "وخَلَقَ آدمَ بعدَ العصْرِ من يومِ الجمعةِ ؛ في آخِرِ الخلقِ".([87])

وهذه الحقيقة صارت الآن ثابتة علميًا، فالعلم أثبتَّ أن البشر هو آخر الكائنات الحية ظهورًا على الأرض، فكيف عَلِم  ﷺ بأنَّ آدم عليه السلام آخر الكائنات ظهورًا على الأرض بعد ظهور النبات والحيوان؟

وانظر لقول الله عز وجل ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [١٢] سورة الإسراء.

فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ: أي أنَّ القمر وهو آية الليل كان مضيئًا ثم مُحي ضوؤه.

وهذا بالفعل ما فسّر به الصحابة الآية الكريمة فقد روى الإمام ابن كثير في تفسيره أنَّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، وهو آية الليل، فمُحي".

والعجيب أنَّ هذا ما انتهى إليه العلم اليوم، فقد نشرت ناسا على موقعها الرسمي وقناتها الرسمية: الحقبة الأولى من عمر القمر وكان فيها مضيئًا متوهجًا.([88])

فقد ثبت بالتواتر وقوع الآيات والإخبار بالمغيبات ودقائق أسرار الأرض والسماوات التي لا حصر لها على يد رجلٍ واحدٍ  ﷺ، ونزول القرآن عليه، وجاء بما عليه النبيين من قبله، وكان مؤيدًا من عند الله ولم يَمُت حتى تمت الشريعة وكَملت.

فالقطع بأنه نبيٌ هو رشاد العقل!

فآياته  ﷺ الغيبية تزيد على الألف.

ونقَلَة المعجزات هم صحابته أصدق الخلق وأبّرهم بعده.

والعجيب أن كبار الصحابة أسلموا قبل أن يروا المعجزات، فهم أسلموا لأنهم يعلمون أنَّ النبي محمد  ﷺ صادق، وأنَّه لم يكذب قط.

وهذا الموقف من كبار الصحابة هو موقف عقلي حكيم، فصِدق النبي صلى الله وعليه وسلم دليل كافٍ مستقل لإثبات صحة النبوة... وهذا لأن: الشخص الذي يدَّعي النبوة إما أن يكون: أصدق الناس، لأنه نبيٌّ... فالنبي هو أصدق الناس.

وإما أن يكون: أكذَبَ الناس، لأنه يفتري كذبًا في أعظم الأمور شأنًا.

ولا يختلط أصدق الناس بأكذب الناس إلا على أجهل الناس.([89])

فما أيسر أن يستطيع العاقل أن يُميز بين أصدق الناس وأكذب الناس.

وقد اعترف المشركون في أول يومٍ من بعثته  ﷺ أنه لم يكذب قط، فقالوا له: "ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا".([90])

وحين سأل هرقل أبو سفيان قبل أن يُسلم: "هل كنتُم تتهِمونه بالكذبِ قبلَ أن يقولَ ما قال؟".

فقال أبو سفيان: "لا".

فقال هرقل: "لم يكُن لِيَذَرَ الكذبَ على الناسِ ويكذِبَ على اللهِ".

ثم أكمل هرقل فقال قولته الشهيرة: "لو كنت عنده لكنت غسلت عن قدميه".([91])

فقد عجَز الكُفار عن إظهار كَذِبةٍ واحدة في كل حياته  ﷺ، ولذلك أنكر القرآن عليهم كفرهم مع علمهم بحاله هذا قبل بعثته فقال ربنا سبحانه ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [٦٩] سورة المؤمنون.

فحال النبي وسيرته دليل مستقل على أنه نبي ﷺ.


 ([78]النبأ العظيم، د. عبد الله دراز رحمه الله، ص44-45.

 ([79]صحيح البخاري، ح: 4854.

 ([80]صحيح البخاري، ح: 3905.

 ([81]كتاب مدخل إلى القرآن الكريم، د. عبد الله دراز.

 ([82]البخاري (1217)، البخاري (2618)، البخاري (3578)، البخاري (4101)، البخاري (6452). وكلها أحداث ووقائع مختلفة متباينة وهذا في البخاري وحده!

([83])  صحيح مسلم، ح: 3319.

([84])  صحيح البخاري، ح:1333.

([85])  صحيح مسلم، ح:2417.

([86])  جمع هذه الأحاديث سعبد ين عبد القادر باشنفر، في كتابه دلائل النبوة، والكتاب من إصدارات دار ابن حزم.

([87])  صحيح الجامع، 8188.

([88]) http://www.nasa.gov/mission_pages/LRO/news/vid-tour.html

https://www.youtube.com/watch?v=UIKmSQqp8wY

([89]) ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا، ابن تيمية، دار ابن الجوزي، ص573، وبمعناه في نفس المصدر ص318.

([90]) صحيح البخاري، ح:4971.

([91])  صحيح البخاري، ح:7.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم