الأربعاء، 5 أبريل 2023

الرد على القدرية / رد أبي حنيفة على القدرية

 قال

روي أن جماعةً من القدريَّة دخلوا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى شاهِرِين سُيوفَهم، فقالوا: أنت الذي يقول: إن اللهَ تعالى شاءَ الكُفرَ من عباده، ثم يُعاقبُهم على ذلك؟ فقال رحمه الله تعالى: أتُحارِبونَ بسيوفكم أم تُناظِرون بعقولكم؟ فقالوا: نُناظِرُ بعقولنا، وغَمَدُوا سيوفَهم، فقال: أخْبِرُوني، هل عَلِمَ اللهُ في الأزل ما يوجَدُ من هؤلاء أم لا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا عَلِمَ اللهُ منهم الكفرَ، فهل شاءَ أن يُحقِّقَ عِلمُه كما عَلِمَ أم شاءَ أن يصيرَ علمُه جَهلاً. فعرفوا صحَّةَ كلامِه وبُطلانَ مذهبِهم، فرجعوا عن ذلك وتابوا.

فإن قيل: لو كان الكُفرُ مُراداً لَوَجَبَ الرِّضا به، والرِّضا بالكُفرِ كُفرٌ، وأيضاً لو كان الكُفرُ مُراداً لكان الكافرُ مُطيعاً بكُفرِه، لأن الطاعةَ تحصيلُ مُرادِ المُطاع. 

فالجواب عن الأول: أن الرِّضا بالكفر من حيثُ هو قضاءُ الله طاعةٌ، والرِّضا بالكفر من هذه الحيثيَّة ليس بكفرٍ. 


وعن الثاني: أن الطاعةَ موافَقَةُ الأمر، والأمرُ غيرُ الإرادة، فالطاعةُ تحصيلُ المأمور به لا تحصيلُ المراد. 


قيل في بيان كيفيَّة وقوع الشرِّ في قضائه تعالى أن الأمورَ الممكنةَ في الوجود، منها أمورٌ يجوز أن يتعرَّى وجودُها عن الشرِّ أصلاً كالملائكة، ومنها أمورٌ لا يُمكِنُ أن تكون فاضلةً فضيلتَها اللائقةَ بها إلا وتكون بحيث يَعرِضُ منها شرٌّ عند ملاقاتها لِمَا يُخالِفُها، وذلك مثل النار، فإنها لا تفضلُ فضيلتها ولا تكمُلُ معاونتُها في تكميل الوجود، إلا أن تكونَ تؤذي وتُؤلِم ما يتَّفِقُ لها مُصادَمَتُه من أجسامٍ حيوانيَّةٍ، وتكون بحيث يَعرِضُ منها تفريقُ أجزاءِ بعضِ المركَّبات بالإحراق. 

والأشياء باعتبار الشرِّ وعَدَمِه تنقسم إلى: ما لا شرَّ فيه، وإلى ما يغلبُ الخيرُ فيه على شرِّه ــ وهما قد ذكرناهما ــ، وإلى ما يكون شرَّاً على الإطلاق، وإلى ما يكون الشرُّ فيه غالباً، وإلى ما يتساوى فيه الخيرُ والشرُّ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم