قال المؤلف
لم يقل الشافعي رضي الله عنه بأن العملَ جزءٌ من ماهية الإيمان حتى يُلزَم بهذا، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في «فتح الباري» ١: ٤٦: السلفُ قالوا: الإيمانُ اعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللسان وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك أنّ الأعمالَ شرطٌ في كماله. وقال العلامة علي القاري رحمه الله في «شرح بدء الأمالي» ص٣٢ بعد أن نقل عن مالك والشافعي والأوزاعي أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، قال: والظاهر ــ كما قال بعضُ المحقِّقين ــ أن مُرادهم أنها داخلةٌ في الإيمان الكامل، لا أنه ينتفي الإيمان بانتفائها كما هو مذهب المعتزلة والخوارج.
ولنا أن الأعمال عُطِفَت على الإيمان في غير موضعٍ، قال الله تعالى: ?الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ? [البقرة: ٣] ، وقال تعالى: ?إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ? [البقرة: ٢٧٧] ، وأمثالهما كثيرة، والمعطوفُ يُغايرُ المعطوفَ عليه.
والإيمان شرطٌ لصحَّةِ الأعمال، قال الله تعالى: ?وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ? [طه: ١١٢] ، والشرطُ يُغايرُ المشروطَ، وقد خاطبَ اللهُ تعالى باسم الإيمان ثمَّ أوجَبَ الأعمالَ فقال: ?يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم? [البقرة: ١٧٨ و١٨٣] ، وذا دليلُ التغايُرِ وقَصْرِ اسمِ الإيمان على التصديق، ولهذا فَزِعَ أعداءُ الله لَمَّا عايَنُوا العذابَ إلى التصديق دون غيره من الأعمال، نحو قول الله تعالى حكايةً عن فرعون حين أدرَكَهُ الغَرَقُ: ?آمَنْتُ أنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الذي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ? [يونس:٩٠] ، وعن قوم يونُسَ: ?آمَنَّا باللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ? [غافر: ٨٤].
وقد استدلَّ الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الوصية بجواز ارتفاعِ الأعمال عن المؤمن كارتفاع الصلاةِ عن الحائض والصومِ عنها، وسقوطِ الزكاة والحجِّ عن الفقير، والصلاةِ عن المريضِ العاجِزِ عن الإيماءِ، مع عدم ارتفاعِ الإيمان عنهم، فلو كان العملُ إيماناً لم يكن الفقراءُ كلُّهم مؤمنين، وهذا خَلْفٌ من القول.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم