الاثنين، 24 أبريل 2023

سند الوصية إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله / صحة نسبة الرسائل الخمس لأبي حنيفة

نسبة «الوصية» إلى أبي حنيفة

قال العلامة السيِّد محمد مرتضى الزَّبيدي في «إتحاف السادة المتقين» بعد أن ذكر أن الإمام الماتريدي رحمه الله تعالى بنى كتبه في العقائد على نصوص الإمام أبي حنيفة، وهي في خمسة كتب نُسِبَت إليه، وهي: «الفقه الأكبر» و «الفقه الأبسط» و «العالم والمتعلم» و «رسالة أبي حنيفة إلى البتي» و «الوصية»، قال رحمه الله اختُلِفَ في ذلك كثيراً، فمنهم مَن يُنكِرُ عَزوَها إلى الإمام مطلقاً وأنها ليست مِن عَمَلِه. ومنهم مَن يَنسِبُها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قولُ المعتزلة لِمَا فيها من إبطال نصوصهم الزائغة، وادِّعائهم كونَ الإمام منهم، كما في «المناقب الكردرية»، وهذا كذبٌ منهم على الإمام، فإنه رضي الله عنهم وصاحباه أوَّلُ مَن تكلَّم في أصول الدِّين وأتقنَها بقواطع البراهين على رأس المئة الأولى، ففي «التبصرة البغدادية»: أول متكلِّمي أهل السنَّة من الفقهاء أبو حنيفة، ألَّف فيه «الفقه الأكبر» و «الرسالة» في نصرة أهل السنة، وقد ناظَرَ فرقةَ الخوارج والشيعة والقدرية والدهرية، وكانت دُعَاتُهم بالبصرة، فسافر إليها نيِّفاً وعشرين مرة، وفضَّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام إلى أنه كان المُشارَ إليه بين الأنام، واقتفى به تلامذته الأعلام. اهـ. 

وفي «مناقب الكردري» عن خالد بن زيد العمري: أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناسَ، أي: ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم.

وقد عُلِمَ مما تقدَّم أن هذه الكتب من تأليف الإمام نفسه، والصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه، كحماد، وأبي يوسف، وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص ابن مسلم السمرقندي (حماد بن أبي حنيفة هو راوي «الفقه الأكبر»، وأبو يوسف راوي «الرسالة» و «الوصية»، وأبو مطيع البلخي هو راوي «الفقه الأبسط»، وأبو مقاتل هو راوي «العالم والمتعلم»، والكتب الخمسة مطبوعة بتحقيق العلامة الكبير الشيخ الكوثري، وأسانيدها مثبتة هناك سوى «الوصية»، وسنذكر إسنادها قريباً) ، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقَّاها عنهم جماعةٌ من الأئمة، كإسماعيل بن حماد، ومحمد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سماعة، ونُصير ابن يحيى البلخي، وشداد بن الحكم، وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمَن عزاهنَّ إلى الإمام صحَّ لكون تلك المسائل من إملائه، ومَن عزاهنَّ إلى أبي مطيع البلخي أو غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صحَّ لكونها مِن جَمعِه، ونظيرُ ذلك «المسندُ» المنسوبُ للإمام الشافعي، فإنه من تخريج أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد ابن مطر النيسابوري لأبي العباس الأصم من أصول الشافعي.

ونحن نذكر لك مَن نقل مِن هذه الكتب واعتمد عليها، فمِن ذلك فخرُ الإسلام علي بن محمد البزدوي قد ذكر في أول «أصوله» جملة من «الفقه الأكبر» وكتاب «العالم» و «الرسالة»، وذكرَ بعضَ مسائلِ الكتب المذكورة في كُلّ من شروح «الكافي» لحسام الدين السِّغناقي، و «الشامل» للقوام الإتقاني، و «الشافي» لجلال الدين الكولاني، و «بيان الأصول» للقوام الكاكي، و «البرهان» للبخاري، و «الكشف» لعلاء الدين البخاري، و «التقرير» لأكمل الدين البابرتي.

وذُكِرَت «الرسالة» بتمامها في أواخر «خزانة الأكمل» للهمداني، وذكرها الإمام الناطفي في «الأجناس». 

وذُكر كثيرٌ من مسائل كتاب «العالم» في «المناقب» للإمام نجم الدين النسفي وللخوارزمي، و «الكشف» لأبي محمد الحارثي الحافظ، وبعضها في نكاح أهل الكتاب في «المحيط البرهاني». 

وذكر بعضَ مسائل «الفقه الأكبر» شيخُ الإسلام محمدُ بن إلياس في «فتاويه»، وابنُ الهمام في «المسايرة».

وذكر بعضَ مسائل «الفقه الأبسط» الإمامُ أبو المعين النسفي في «التبصرة» في فصل التقليد وغيره (نقل النسفي عن «الفقه الأكبر» و «العالم والمتعلم» في مواضع من «التبصرة»، منها ١: ٢٥) ، ونور الدين البخاري في «الكفاية» في فصل التنزيه، وحافظ الدين النسفي في «الاعتماد شرح العمدة» و «كشف المنار»، والناطفي في «الأجناس»، والقاضي أبو العلاء الصاعدي في كتاب «الاعتقاد»، وأبو شجاع الناصري في «البرهان الساطع» شرح عقائد الطحاوي، وأبو المحاسن محمود القونوي في شرحها أيضاً، وشرحه الفقيه عطاء بن علي الجوزجاني شرحاً نفيساً. 

وذكر «الوصية» بتمامها الإمام صارم المصري في «نظم الجمان» (وتمام اسمه «نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان» للشيخ صارم الدين إبراهيم بن محمد بن دقماق الحنفي المتوفى سنة ٨٠٩. كذا في «كشف الظنون») ، ومن المتأخرين القاضي تقي الدين التميمي في «الطبقات السنية»، والقاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل «شرح الهداية»، وذكر بعضَ مسائلها ابن الهمام في «المسايرة» (بل نقل ابن الهمام عن «الوصية» صراحة في «المسايرة» ص٣٧٨) ، وشرحها الشيخ أكمل الدين البابرتي.

فقد ذكر جملاً من مسائل الكتب الخمسة منقولاً عنها في نحو ثلاثين كتاباً من كتب الأئمة، وهذا القدرُ كافٍ في تلقِّي الأمة لها بالقبول. والله أعلم. انتهى كلام السيد الزبيدي رحمه الله تعالى، وقد نقلناه بطوله لنفاسته، ويُضافُ إليه شروح الكتب المذكورة من قِبَل أئمة الحنفية وعلمائهم، وهو دليلٌ ظاهرٌ على قَبولِهم لِما فيها، وتصحيحِ نِسبَتِها إلى الإمام تأليفاً أو إملاءً.


فقد شرح «الفقه الأكبر» جماعةٌ من الفضلاء، منهم العلامة أبو الليث السمرقندي المتوفى سنة ٣٧٣، والعلامة البزدوي صاحب الكتاب المشهور في الأصول المتوفى سنة ٤٨٢، والبابرتي مؤلف هذا الكتاب وسمَّاه «الإرشاد»، وإلياس بن إبراهيم السِّينوبي المتوفى سنة ٨٩١، وهو شرح مفيد، وأبو المنتهى أحمد بن محمد المغنيساوي المتوفى سنة ٩٣٩، وسمَّاه «الحكمة النبوية»، ومحيي الدين محمد بن بهاء الدين بن لطف الله البَيرامي المتوفى سنة ٩٥٦ شرحاً جمع فيه بين الكلام والتصوُّف، وأتقَنَ المسائلَ وأوضَحَها غايةَ الإيضاح، سمَّاه «القول الفصل»، والعلامة علي القاري المتوفى سنة ١٠١٤ في مجلد وسمَّاه «منح الروض الأزهر». 

واختصر «الحكمة النبوية» الحكيم إسحاق الرومي المتوفى سنة ٩٥٠.

ونظمه أبو البقاء الأحمدي سنة ٩١٨، وسمَّاه «عقد الجوهر نظم نثر الفقه الأكبر»، ونظمه إبراهيم بن حسام الجِرمِياني المعروف بشريفي المتوفى سنة ١٠١٦. 

وشرح «الفقه الأبسط» إبراهيم بن إسماعيل الملطي من القرن الخامس، وعطاء بن علي بن محمد الجُوزجاني من القرن السابع.

وشرح «الوصية» البابرتي، وشرحها أيضاً علي القاري، وملا حسين بن إسكندر الرومي المتوفى حوالي سنة ١٠٨٤، وشرحه مطبوع في الهند ثم في قطر، وعمدته فيه شرح البابرتي كما صرح في مقدمته، وشرحها الإمام الحُصُوني واسمه «ظهور العطية»، وشرحها نور الدين إبراهيم بن حسن أفندي الإشكُدْراي المتوفى سنة ١٢٦٠، وهو مطبوع بإستنبول، ولها شرح مسمى بـ «خلاصة الأصول»، وآخر بـ «تلخيص خلاصة الأصول». 

وشرح «العالم والمتعلم» أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورَك (ت٤٠٦)

وقال الكردري في «المناقب» : رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين الكردري البراتقيني العمادي هذين الكتابين ــ يعني «الفقه الأكبر» و «العالم والمتعلم» ــ وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة، وقد تواطَأَ على ذلك جماعةٌ كثيرةٌ من المشايخ.

وقال مولانا العلامة المحقِّق الناقد الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله في مقدمة «العالم والمتعلم»: تلك الرسائل هي العمدة عند أصحابنا في معرفة العقيدة الصحيحة التي كان عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الغُرُّ الميامينُ ومَن بعدهم من أهل السنة على توالي السنين، وإمام الهدى أبو منصور الماتريدي رضي الله عنه وعن سائر الأئمة بنى توضيح الدلائل، على مسائل تلك الرسائل، كما جرى على ذلك الإمام المجتهد أبو جعفر الطحاوي في كتابه «بيان عقائد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن» رضي الله عنهم المعروف بـ «عقيدة الطحاوي»، فيتبيَّن من ذلك مبلغ أهمية تلك الرسائل عند الباحثين. اهـ.

وتلقِّي الحنفيَّة لهذه الرسائل بالقبول يغني عن البحث في الأسانيد، فقد صرَّح غيرُ واحدٍ من أهل العلم من المحدِّثين والأصوليين بأن الحديث النبوي إذا تلقَّته الأمةُ بالقبول وعملت به كان ذلك تصحيحاً له، وإن كان لا يصح من جهة الإسناد، منهم ابن عبد البر وأبو إسحاق الإسفراييني وابن القيم وابن حجر وابن الهمام والسخاوي والسيوطي، فإذا كان هذا في الحديث النبوي، والأمر فيه شديد، فكيف بالكتب والرسائل التي لا يُعتنى بنقلها كما يُعتنى بنقل الأحاديث، بل إن بعض الكتب المشهورة التي تتوفر الدواعي على نقلها من طرق لم تصل إلينا إلا من طرق غريبة وروايات آحاد، كـ «مسند أحمد» و «مصنف عبد الرزاق». والله تعالى أعلم.


سند الوصية 

جاء إسناد «الوصية» في أول نسخة خطية محفوظة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنوَّرة بساكنها صلى الله عليه وسلم تحت رقم ٢٣٤، وهو من رواية شيخ الإسلام مصطفى عاشر بإسناده إلى قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر الإتقاني المكنى بأبي حنيفة صاحب «غاية البيان» (١) ، عن مفتي الأنام حسام الدين حسين بن علي بن الحجاج السِّغْناقي، عن الإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن شمس الأئمة محمد بن عبد الستار بن محمد الكردري، عن الإمام الهمام برهان الدين أبي لحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني صاحب «الهداية»، عن الإمام ضياء الدين محمد بن الحسين النوسوخي، عن الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، عن الإمام سيف الحق أبي المعين ميمون بن محمد بن محمد المكحولي النسفي، عن الإمام أبي طاهر محمد بن المهدي الحسيني، عن الإمام أبي يعقوب إسحاق ابن منصور السياري، عن الإمام أبي الفضل أحمد بن علي السليماني، عن الإمام أبي سعيد حاتم بن عقيل الجوهري، عن الإمام محمد بن سماعة التميمي، عن الإمام أبي يوسف يعقوب الأنصاري، عن الإمام الأعظم سيدي أبي حنيفة رضي الله عنه وعنهم أنه قال في إملاء وصيته: اعلموا أصحابي وفَّقكم الله تعالى أن مذهب أهل السنة والجماعة على اعتقاد اثنتي عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال فقد هدي إلى صراط مستقيم أولها: الإيمان ... إلخ. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم