الأحد، 2 أبريل 2023

النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها / أوقات النهي عن الصلاة فيها

 قال المؤلف 

ورد في صحيح البخاري ( 581 ) وصحيح مسلم ( 831 ) النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح ، وعن الصلاة عند زوال الشمس وقت الظهر ، وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان وفي ذلك الوقت يسجد لها الكفار.

مسئلة

يجوز قضاء الفائت من الصلوات في كل وقت حتى في الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها، والصلاة التي تحرم ولا تنعقد في أوقات النهي هي صلاة النافلة المطلقة، والنافلة التي ليس لها سبب متقدِّم كسنّة الإحرام وسنّة صلاة الاستخارة، ولا يكره شيء من الصلاة في هذه الساعات بمكة المكرمة.

الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هي التي ورد النهي عن التنفل بالصلاة فيها، وهي مكروهة كراهة تحريم، وهي بعد فعل صلاة الفجر، وبعد فعل صلاة العصر وعند طلوع الشمس حتى يتكامل طلوعها، وعند استوائها حتى تزول، وعند الاصفرار حتى يتكامل غروبها، وأيضا التنفّل وقت خطبة الجمعة، وعند إقامة الصلاة. ويستثنى من النهي: ما كان لسبب مثل: تحية المسجد وقضاء الفوائت من الصلاة، كما يستثنى أيضا: التنفل في المسجد الحرام فإنه يصح في أي ساعة من ليل أو نهار. فتح الباري.


النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، يتضمن ما يلي:

صلاة النفل المطلق، وهو الذي لم يقيد بوقت ولا سبب. وهذا النوع من الصلاة مكروه تحريما، أي: إنشاء هذا النوع من الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.

أنواع الصلاة ما عدا النفل المطلق وللعلماء فيه تفاصيل:

عند الحنفية: تحريم جميع أنواع الصلاة في أوقات مخصوصة، ويشمل: سجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، إذا دخل وقت الكراهة بعد وقت طلب فعلها، أما إذا وجد السبب في وقت الكراهة؛ فلا يدخل في التحريم.

عند الشافعية؛ تفاصيل هي أقرب إلى المذاهب الأخرى، مفادها:

"أن صلاة النفل المطلق: تكره تحريما في أوقات الكراهة، ولا يحرم ما عداها إن كان لسبب متقدم مثل: قضاء الفائتة، أو لسبب مقارن مثل: سجدة التلاوة، وصلاة الجنازة فيصح فعلها في وقت الكراهة. ويدل على عدم دخول الفائتة في النهي خبر الصحيحين «من نسي صلاة أو نام عنها؛ فليصليها متى ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».

ويستثنى التنفل في المسجد الحرام في أوقات الكراهة لحديث: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار» وأخرج أبو يوسف منه النفل يوم الجمعة وقت الزوال، لما رواه الشافعي في مسنده حديث: «نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة».


أوقات النهي ثلاثةٌ على سبيل الإجمال، وخمسةٌ على سبيل البسط ، وهي على التفصيل:

1- من طلوع الفجر الصادق حتى تطلع الشمس، وقيل إن ابتداء هذا الوقت إنما يكون من بعد صلاة الفجر.

2- من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح.

3- من بعد صلاة العصر، حتى تميل إلى الغروب.

4- من حين تميل الشمس للغروب حتى تغرب.

5- حين يقومُ قائم الظهيرة، وتتوسط الشمس كبد السماء قبل الزوال.


ولا يرى المالكية كراهة الصلاة في هذا الوقت أي المذكور في رقم 5، واستثنى الشافعية من كراهة الصلاة في هذا الوقت يوم الجمعة، فإن الصلاة لا تكره فيه عندهم قبل الزوال، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتنفلون قبل الجمعة، حتى يصعد الإمام المنبر، ولم يُنقل أنهم كانوا يكفون عن الصلاة قبل زوال الشمس.

وأدلةُ ما ذكرنا أحاديثُ كثيرة ثابتةٌ في الصحيحين وغيرهما، فمنها:

ما رواه البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.

وعن ابْنُ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ. متفقٌ عليه.

وروى البخاري عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ.

وروى مسلم عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ : ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ .

وقد تضمن حديث عمرو بن عبسةَ عند مسلم حكمة النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وأنها سدُ ذريعة الشرك، وسد باب التشبه بالمشركين ـ فإنهم يسجدون للشمس عند طلوع الشمس وعند غروبها- لأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأما قبل الزوال حينُ يقوم قائم الظهيرة، فهو وقتٌ تسجر فيه جهنم، فعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قلتُ: "يا رسول الله أخبرني عن الصلاة؛ قال: صلِّ صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار.


من أصناف عباد الأصنام: عبّاد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود والدعاء. ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنماً بيده جوهرة على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة، من القرى والضياع، وله سدنة وقوَّام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون، ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت، وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تحري الصلاة في هذه الأوقات، قطعاً لمشابهة الكفار ظاهراً، وسداً لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.


وثمّ وقتٌ آخر اختلف العلماءُ هل هو منهيٌ عن الصلاة فيه أو لا، وهو ما سوى ركعتي الفجرِ بعد طلوع الفجر.


من الأحاديث التي يذكر فيها طلوع الشمس وغروبها بين قرني شيطان ما رواه الشيخان، واللفظ لمسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ, وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَق، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ.

وفي رواية لمسلم: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ.

وفي رواية لأبي داود عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا.

وفي رواية له عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَتَرْتَفِعَ قِيسَ رُمْحٍ، أَوْ رُمْحَيْنِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ، ثُمَّ أَقْصِرْ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ، وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا، فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ.

وفي سنن النسائي أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ.

وقد ذكر شراح الحديث عدة معان لطلوع الشمس وغروبها على قرني الشيطان أرجحها - كما قال النووي وغيره - أن الشيطان يقابلها أو يحاذيها بقرنيه - أي: جانبي رأسه - عند طلوعها وغروبها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها؛ ليكون الساجدُون لها كأنهم ساجدون له؛ قال النووي: قِيلَ: الْقَرْنَانِ نَاحِيَتَا الرَّأْسِ، وَأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْوَى, قَالُوا وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُدْنِي رَأْسَهُ إِلَى الشَّمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لَهَا مِنَ الْكُفَّارِ كَالسَّاجِدِينَ لَهُ فِي الصُّورَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ وَلِبَنِيهِ تَسَلُّطٌ ظَاهِرٌ, وَتَمَكُّنٌ مِنْ أَنْ يُلَبِّسُوا عَلَى الْمُصَلِّينَ صَلَاتَهُمْ؛ فَكُرِهَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ صِيَانَةً لَهَا، كَمَا كُرِهَتْ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي هِيَ مَأْوَى الشَّيْطَانِ.


وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: كَرِهَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسْجُدُ فِيهِ عَبدة الشَّمْس للشمس، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ حِينَئِذٍ - أَوْ أَنَّ إِبْلِيسَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - فِي جِهَةِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، فَهُمْ يَسْجُدُونَ لَهُ بِسُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ، ويؤمُّونه.

والله أعلم.


الأوقات المنهي عن الصلاة فيها


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, نبينا محمد الصادق الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أمَّا بعدُ:

فإن الله قد فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة، وجعل لكل صلاة وقتاً تُؤدَّى فيه، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء: 103]، فيجب على المسلم أنْ يحافظ عليها في أوقاتِها المحدَّدة.


وهناك أوقات نهانا عن الصلاة فيها رسولُنا الكريمُ، وبيَّنها لنا, وسنأتي في هذا الدرس على بيانها.


أوقات النهي:

يُمكن تقسيم أوقات النهي عن الصلاة إلى خمسة أوقات:

1 – بعد العصر إلى أن تصفرّ الشمس.

2 – بعد الفجر إلى أن تطلع الشمس.

3 – قُبيل صلاة الظهر إلى أن تزول الشمس (بمقدار عشر دقائق تقريباً قبل الأذان).

4 – من اصفرار الشمس إلى الغروب.

5 – من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح (بمقدار عشر دقائق تقريباً).


هذه الأوقات لا يجوز التطوّع فيها ابتداءً.


ويُمكن تقسيم هذه الأوقات الخمسة إلى أوقات موسّعة، وهي ما بعد صلاة الفجر, وما بعد صلاة العصر، وإلى أوقات مُضيَّقة، وهي: عند طلوع الشمس, وعند غروبها, وعند الزوال.


 عن ابن عمر-رضي الله عنهما-, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا طلع حاجب الشمس فأخِّروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخِّروا الصلاة حتى تغيب)) رواه البخاري ومسلم .


وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف1 الشمس للغروب حتى تغرب) رواه مسلم.


وحديث ابن عمر -مرفوعاً-: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بقرني شيطان", وفي رواية: "لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان" رواه البخاري ومسلم.


 وفي صحيح مُسْلِمٍ –أَيْضًا- عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلاةِ، قَالَ: ((صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ)).


قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله - في "فتح الباري" (4/ 134):" والمعنى في كراهة الصلاة وقت استواء الشمس: أن جهنم تسعر فيها، فيكون ساعة غضب الرب سبحانه، فهي كساعة سجود الكفار للشمس، والصلاة صلة بين العبد وربه؛ لأن المصلي يناجي ربه، فتجتنب مناجاته في حال غضبه حتى يزول المقتضي لذلك. والله أعلم ".


الفوائت تُصلَّى في أوقات النهي:

من نسي صلاة فيصليها عند ذكرها, ومن نام عن صلاة فإنه يصليها عند استيقاظه، ولا يأخرها لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من نسي صلاة, أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك))2.

ولقوله عليه الصلاة والسلام: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)3.

قال ابن عبد البر: "وقال مالك والثوري والشافعي والأوزاعي -وهو قول عامة العلماء- من أهل الحديث والفقه من نام عن صلاة أو نسيها أو فاتته بوجه من وجوه الفوت, ثم ذكرها عند طلوع الشمس واستوائها أو غروبها أو بعد الصبح أو العصر، صلاها أبداً متى ذكرها)4.


صلاة ذوات الأسباب

ما كان من الصلوات ذات سبب فإنها تُصلَّى, وليس في ذلك بأسٌ -إن شاء الله-، ومن هذه الصلوات ما يلي:


ركعتا الطواف:

فـتُصلّى ركعتا الطواف في أوقات النهي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يا بني عبد مناف, لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار))5.


تحية المسجد:

وتُصلَّى تحية المسجد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))6.


سنة الوضوء:

وسنة الوضوء تُصلَّى في أوقات النهي الموسَّع، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أقرَّ بلالاً على صلاة ركعتين كلما توضأ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا بلال, حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة؟ فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة))، قال بلال: ما عملت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كََتَبَ الله لي أن أصلي)7.


ركعتا الفجر:

وتُصلى راتبة الفجر بعد الفجر لمن لم يصلها قبله، قال ابن قدامة: "فأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى، وقال: إن صلاهما بعد الفجر أجزأ، وأما أنا فأختار ذلك، وقال عطاء وابن جريج والشافعي يقضيهما بعدها، لما رُوي عن قيس بن قَهْد8 قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر، فقال: ((ما هاتان الركعتان؟)) قلت: يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان)9، وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدلُّ على الجواز؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذه في معناها.


وتُصلّى صلاة الكسوف، ويُسجد سجود التلاوة والشكر في هذه الأوقات؛ لأنها من ذوات الأسباب.


نسأل الله أن يوفقنا لكل خير، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


1 تضيف: أي تميل، يقال: ضافت تضيف إذا مالت.

2 رواه مسلم.

3 رواه البخاري ومسلم.

4 الاستذكار (1/47).

5 رواه الترمذي، وابن ماجه.

6 رواه البخاري ومسلم.

7 رواه البخاري ومسلم.

8 قال النووي: بقاف مفتوحة ثم هاء ساكنة ثم دال.

9 رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي


أوقات النهي عن الدفن فيها

ساعات النهي عن قبر الميت جاءت مقترنة بالصلاة، والعلة فيهما واحدة؛ وكلام أهل العلم في قبر الميت أشدّ، لعدم المُخصِّص، وقلما يُقبر ميت إلا وتسبقه صلاة، وما نقلته فلبيان اختصاص علة التسجير بمنتصف النهار، ليست عامة في أوقات النهي الثلاثة.

والكلام عن الصلاة جاء تبعا؛ فقد قرنهما النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ كما في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه - قال" ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول وحين تضيف الشمس للغروب".





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم