الخميس، 20 أبريل 2023

كتاب الوصية لأبي حنيفة النعمان

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين 

فصل زيادة الإيمان ونقصانه - مسئلة الاستثناء في الإيمان - قوله والعاصون من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم كلّهم مؤمنون وليسوا بكافرين ص ١٢٠

من قال بأن الإيمانَ مخلوقٌ أراد به فِعلَ العبد ولفظَه، وهو صريح كلام الإمام هنا، ونقله ابن الهمام في «المسايرة» ص٣٧٦ عن مشايخ سمرقند من الحنفية، وابنُ أبي شريف في «المسامرة» ص٣٨٠ عن المحاسبي وجعفر بن حرب وابن كُلّاب وعبد العزيز المكي. ومن قال بأنه غير مخلوق ــ وهو ما نقله ابن الهمام عن مشايخ بخارى وفرغانة من الحنفية، وابنُ أبي شريف عن أحمد وجماعة من أهل الحديث، واختاره الكفويُّ في «الكليات» ــ أراد به كلمة الشهادة، لأن الإيمان هو التصديق، أي الحكمُ بالصِّدق، وهو إيقاع نسبة الصِّدق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالاختيار. وحقيقةُ الخلاف لفظيٌّ كما هو ظاهر. وقد احتج ابنُ الهمام على البخاريين بكلام الإمام في «الوصية»، فدلّ على أنها معتمدة عنده.

ص١٢٠ 

قوله: (وليس في الإيمانِ شكّ) أي: لا يصحُّ أن يُقال: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ، وهذا لأن هذا الكلامَ إنما يُلحَق فيما يُشكّ ثبوتُه في الحال، أو في معدومٍ على خطر الوجود، لا فيما هو ثابتٌ في الحال قطعاً. 

وعبارة الإمام نجم الدين النسفي رحمه الله تعالى في «عقائده»: «ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله»، وهي أدقّ من عبارة الشارح هنا: «ولا يصح»، قال العلامة المحقق سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى في «شرح العقائد النسفية» ص١٣١: لأنه إن كان للشك فهو كفرٌ لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، او للتبرُّك بذكر الله تعالى، أو التبرِّي عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركُه لِمَا أنه يوهم الشك، ولهذا قال: «لا ينبغي» دون أن يقول: «لا يجوز»، لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين.

وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ (السنة للخلال) . وهو قول الشافعي رحمه الله، واستدلَّ بأنَّا لا نَحمِلُ هذا على الشكِّ، بل على التبرُّك، كقوله تعالى: ?لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شَاءَ اللهُ? [الفتح: ٢٧] ، ولم يُرِدْ به الشكَّ لأنه مستحيلٌ على الله تعالى، بل هو للتبرُّك والتعليم، أو يُحمَل على الشكِّ في المآلِ لا في الحال، لأن الإيمانَ المُنتَفَعَ به هو الباقي عند الموت، وكلّ أحدٍ شاكّ في ذلك، فنسأل اللهَ إبقاءَهُ عليه في تلك الحالة.

قال الإمام أبو المعين النسفي رحمه الله تعالى في «تبصرة الأدلة» ٢: ٨١٦: والذي يدلُ على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى شهد بالإيمان لِمَن آمَنَ بالله ورسله بقوله تعالى: ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ? [البقرة: ٢٨٥] ، ومدح بقطعِ القولِ الذين قالوا: ?رَبَّنَا إنَّنا سَمِعْنَا مُنَادِيَاً يُنَادِيْ لِلإِيْمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا? [آل عمران: ١٩٣] الآية، ولم يأمرهم بالاستثناء، وإن لم يكن لهم بالعاقبة علمٌ، وأمر أيضاً بالقول بذلك من غير الاستثناء بقوله تعالى: ?قُوْلُوْا آمَنَّا? [البقرة: ١٣٦].

الاختلاف في مسألة الاستثناء مبني على تأثير الخاتمة في الحكم بالسعادة والشقاوة في الحال، فمن يستثني في الإيمان جهلاً بخاتمته يرى أن السعيد من سيُختم له بالإيمان، والشقي من سيُختَم له بالكفر، ومن لا يستثني يرى أن الحكم بالسعادة والشقاوة الآن غير مرتبط بالخاتمة، ولذا قال النسفي في «عقائده» بعد مسألة الاستثناء مباشرة: «والسعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد، والتغيير يكون على السعادة والشقاوة دون الإسعاد والإشقاء، وهما من صفات الله تعالى، ولا تغيُّر على الله تعالى ولا على صفاته» وقد أشار شارحها العلامة التفتازني إلى ارتباط المسألتين ببعضهما.


ص١٢٠ حكم مرتكب الكبيرة - الإرجاء

ذهب أهلُ السنة إلى أن مُقتَرِفَ الكبيرة عَمداً غيرَ مُستَحِلّ لها ولا مُستَخِفٍّ بمَن نهى عنها لا يخرج من الإيمان لبقاء التصديق، والعاصي إذا مات بغير توبةٍ فهو في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخَلَه الجنَّةَ بفضلِه وكَرَمِه، أو ببركةِ ما معه من الإيمان والطاعات، أو بشفاعةِ بعض الأخيار، وإن شاءَ عذَّبَه بقدرِ ذنبِه صغيرةً كان أو كبيرةً، ثمَّ عاقبةُ أمرِهِ الجنَّةُ، ولا يُخلَّد في النار. وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يُسمَّى مرجئاً لتأخيره أمرَ صاحب الكبيرة إلى مشيئة الله تعالى، والإرجاءُ هو التأخيرُ، وكان يقول: إني لأرجو لصاحب الذنب الصغير والكبير، وأخافُ عليهما.

أما الإرجاء البِدعيُّ المذموم فهو الاعتقاد بأنه لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ كما لا تنفعُ مع الكفر طاعةٌ، والإمام أبو حنيفة وأصحابه بريئون من هذا.

وذهب الخوارجُ إلى أن مَن عصى صغيرةً أو كبيرةً فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النار، لقوله تعالى: ?وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فيها? [النساء: ١٤] ، والذنوبُ كلّها في تحقيق اسم العِصيان واحدةٌ، وقال تعالى: ?وَاتَّقُوا النَّارً التي أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ? [آل عمران: ١٣١] ، فلمَّا كانت للكافرين فكُلّ مَن أُوعِدَها فهو كافرٌ، فثبتَ بمجموع الآيتَين أن العاصي كافرٌ، وحُكمُه الخلودُ في النار.

وقالت المعتزلةُ: إن كانت المعصيةُ كبيرةً فاسمُ مُقترفِها الفاسقُ لا المؤمن ولا الكافر، فيخرجُ بها عن الإيمان ولا يدخلُ في الكفر، فيكون له منزلةٌ بين منزلتَين، لأن الناس اختلفوا في تسميته، فالسُّنيَّةُ قالوا: إنه مؤمنٌ بما معه من التصديق فاسقٌ بما اكتسب من الذنب. والخوارج قالوا: إنه كافرٌ وهو فاسقٌ، والحسنُ البصريُّ قال: إنه منافقٌ لمخالفةِ فِعلِه قولَه، ولقوله صلى الله عليه وسلم «ثلاثٌ من علاماتِ النِّفاق: إذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا وعدَ أخلَفَ، وإذا حدَّثَ كذبَ» (البخاري ومسلم والترمذي) ، وهو فاسق، فاتَّفق الكلّ على إطلاق اسم الفاسق، واختلفوا فيما وراء ذلك، فأخذنا بالمتَّفَقِ عليه، وتركنا المُختَلَفَ فيه، وحكمُه أنه يُخلَّدُ في النار إن مات بغير توبةٍ، لقوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنَاً مُتَعَمِّدَاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدَاً فِيهَا? [النساء: ٣٩].وإن كانت المعصيةُ صغيرةً واجتنبَ الكبائرَ لا يجوز التعذيبُ عليها، لقوله تعالى: ?إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمَاً? [النساء: ٣١]. 

والصحيحُ ما ذهبَ إليه أصحابُنا أهلُ السُّنَّة، لقوله تعالى: ?يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى? [البقرة: ١٧٨] ، فسمَّى قاتلَ النفسِ عَمداً مؤمناً مع أنه كبيرة، وأبقى الأُخُوَّةَ الثابتةَ بالإيمان بقوله: ?فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ? [البقرة: ١٧٨] ، وما أخرج من استئهال التخفيف والرحمة بقوله: ?ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ? [البقرة: ١٧٨] ، والاستدلالُ بهذه الوجوه مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ولأن الله تعالى قال: ?يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحَاً عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ? [التحريم: ٨] ، وقال: ?وَتُوْبُوا إلى الله جَمِيعَاً? [النور: ٣١] ، والأمرُ بالتوبةِ لِمَن لا ذنبَ له محالٌ، والصغائرُ مع اجتناب الكبائر مغفورةٌ عندهم، فدلّ أنها في أصحاب الكبائر.

ولأن الإيمانَ هو التصديقُ، والكفرَ هو التكذيبُ، ومَن ارتكبَ كبيرةً كان التصديقُ معه باقياً، وما دام التصديقُ موجوداً كان التكذيبُ معدوماً لتضادِّهما، فبطلَ القولُ بكفرِه والتكذيبُ معدومٌ، أو بزوالِ الإيمان والتصديقُ موجودٌ، أو بثبوتِ النِّفاق والتصديقُ في القلب باقٍ، ولأنَّ الفِسقَ في اللغة الخروجُ، فمَن خرجَ عن ائتمارِ أمرٍ من أوامر الله تعالى يكون فاسقاً، والعِصيانُ مخالفةُ الأمرِ فِعلاً لا جُحوداً وتكذيباً، وليس من ضرورةِ مخالفة الأمر والخروجِ عن الائتمار التكذيبُ، فكان التصديقُ باقياً، فكان مؤمناً ضرورةً، والأخذُ بالمُتَّفق عليه وتَرْكُ المختلف فيه خروجٌ عن جميع أقاويل السلف فكان باطلاً.

وإذا ثبت بقاءُ الإيمان فنقول: إنه يدخل الجنَّةَ لا محالةَ لقوله تعالى: ?إنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً? [الكهف: ١٠٧] ، وصاحبُ الكبيرة مؤمنٌ وقد عَمِلَ الصالحات.

والجواب عمَّا تمسَّكوا به أنَّ الأصلَ عندنا أنَّ ما وردَ من الآيات في الوعيد مقروناً بذِكرِ الخلود فهو في المُستَحلِّين لذلك، لِمَا أنهم كفروا باستِحلالِهم ذلك فأُوعِدوا على كُفرِهم في الحقيقة. وقد قيل في قوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّدَاً? [النساء: ٣٩] أي: متعمِّداً لإيمانه، أي: قصَدَ قتلَه لأجل أنه مُؤمِنٌ، ومَن هذا قَصْدُه يكون كافراً، فأما مَن لم يقصِد لإيمانه فحكمُه ما مرَّ في قوله تعالى: ?يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى? [البقرة: ١٧٨].

العمل ليس جزءاً من الإيمان


الخصلة الثالثة الاستواء 

قال العلامة الأكمل الحنفي في شرحه على الوصية: اعلم أن العالَمَ ــ وهو ما سوى الله تعالى ــ مُحدَثٌ، لأنه مُتغيِّرُ، وكلّ متغيِّرٍ حادثٌ، وحينئذ يستحيلُ أن يكونَ الباري تعالى وتقدَّسَ متمكِّناً في مكانٍ، لأن العراءَ عن المكان ثابتٌ في الأزل، إذ هو غيرُ المُتمكِّن، وقد تبيَّنَ أن ما سوى الله حادثٌ، فلو تمكَّنَ بعد خَلْقِ المكان لتغيَّرَ عمَّا كان عليه، ولَحَدَثَ فيه مماسَّة، والتغيُّرُ وقبولُ الحوادث من أمارات الحَدَث، وهو على القديم محالٌ، وإلى هذا أشار بقوله: «فقبلَ خَلْقِ العرشِ أين كان اللهُ؟» انتهى كلام الأكمل.


هذا الكلامُ أصلٌ من أصول الاعتقاد عند أهل السنة، وذلك لأن «ما ثبتَ قِدَمُه استحالَ عَدَمُه» والحدوثُ يستلزمُ العَدَمَ السابقَ واللاحقَ في الذات أو في الصفات، وهو محالٌ على الله تعالى. 

طرحُ هذا السؤال مهمٌّ لفهم مسألة التنزيه، لأنه ينقُلُ الإنسانَ من حالة التخيُّل التي تؤدي إلى التجسيم إلى حالة التعقّل التي تؤدي إلى التنزيه، فيتحصَّلُ له بإدراك هذه المسألة أن كلّ ما سوى الله حادثٌ، وهذا يستلزمُ أن الله كان ولم يكن معه شيء من هذا العالم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣١٩٢) : «كان الله ولم يكن شيء غيره»، فإذا أدرَكَ هذه القضيَّةَ وأدرَكَ أن الإله لا يتغيَّر ــ لأن التغيُّر من صفات الحوادث، وبه استدل سيدنا إبراهيم عليه السلام على أن الكوكب والقمر والشمس ليست آلهة ــ، فوجبَ في العقل أن يبقى الإله على ما هو عليه قبلَ خَلقِ العالم، فيسهُلُ على المُعتَقِدِ بذلك أن يُدرِكَ تنزُّهَه سبحانه عن كل ما حدث بعد خلق العالم كالمكان والزمان والحدّ والجهة وغيرها، فإذا أردت أن تسلك طريق التنزيه فما عليك إلا أن تتعقّلَ هذه القضيَّةَ، وإياك والتخيَّل فإنه أصل التجسيم.


قال العلامة الأكمل: وإذا لم تُرِد هذا التفصيل فقل: كان اللهُ ولا مكان ولا جهة، ولمَّا خلقهما لم يتغيَّر عليه شيء، لأنه سبحانه لا يَكتَسِبُ صفاتِه من خَلقِه، كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في «عقيدته» المشهورة: «ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يَزدَدْ بكونِهم ــ أي بوجودهم وحدوثهم ــ شيئاً لم يكن قبلهم من صفاته». والله الهادي.

وذهبت المشبِّهةُ والمجسِّمةُ والكرَّاميَّةُ إلى أنه تعالى متمكِّنٌ على العرش، واحتجُّوا بقوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى? [طه: ٥] ، وبأنه موجودٌ قائمٌ بنفسه، والعالَمُ موجودٌ قائمٌ بنفسه، ولن يُعقَلَ القائمان بأنفسهما من غير أن يكون أحدهما في جهةٍ من صاحبه. 

والجواب: أن الآية من المتشابهات...

الأول: أن النصوص المُتشابهة لا تَصلُحُ أن تُتَّخَذَ أصولاً ثم يُبنى عليها ما يُعارِض محكمات الأدلة النقلية وقواطع الأدلة العقلية، فلا يجوز أن يُتَشَبَّثَ بظواهرها من غير ردِّها إلى الأصول الثابتة بالقواطع العقلية والنقلية (النصوص المُحكَمة) . 


الثاني: أن النصوص المُتشابهة يجب أن تفهم على أساس التنزيه، لأن التنزيه مفهومٌ كليٌّ يدخلُ في فهم كلِّ نصٍّ من النصوص الشرعية، وليس مفهوماً جزئياً يتمُّ إدخالُه في بعض النصوص دون بعض، بل هو جزءٌ من ماهيَّة النصِّ الذي لا يصحُّ فهمُ النصِّ بدونه 


الثالث: أن التنزيه مُقدَّمٌ على الإثبات، لأنه الأصلُ، والناظرُ في النصوص الشرعية يجدُ هذا الكلام واضحاً، كما في قوله تعالى: ?ليسَ كمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ?، فقدَّم اللهُ سبحانه النفيَ الذي يُرادُ به التنزيهُ على الإثبات، وكذلك كلمة التوحيد المشرَّفة «لا إله إلا الله» قدَّم فيها النفيَ الذي يُراد به التنزيه على الإثبات، خلافاً لِمَا يفعلُه بعضهم من تقديم الإثبات على التنزيه مُدَّعين فهمَ السلف، وليتهم أثبتوا ونزَّهوا كما ادَّعَوا، بل أثبتوا وغالوا في الإثبات وتركوا التنزيه بحجَّة أنه باب إلى التعطيل، فوقعوا في التجسيم. 


الرابع: التفويضُ والتأويلُ طريقان من طرق التنزيه، وليسا أصلاً من أصول الاعتقاد، بل الأصل كما ذكرنا هو التنزيه، فالتنزيه سابقٌ عليهما، لأنه مفهومٌ كليٌّ قطعيٌّ، والتأويلُ والتفويضُ طريقان للاجتهاد في فهم النصِّ، ودع عنك ما يُشاغب به بعضهم من خطر التأويل، فضلاً عمن يذكر المُؤوِّلة والمعطلة والملاحدة في سياق واحد، فإنه تهويلٌ لا قيمة له، لأن التنزيه في حقيقته هو نفيُ النقص عن الله، وهو المرحلة الأولى في فهم النص، فإذا فُهِمَ النصُّ على هذا الأساس يكون المرادُ من النصِّ معنىً كماليّاً حتماً، ثم يأتي في المرحلة الثانية الاجتهادُ في تحديد هذا المعنى الكماليّ المراد، فمن لم يُعيِّنه وأحال علمَه إلى الله فهو المفوِّض، ومن اجتهد في تحديد المعنى الكماليّ المراد فهو المؤوِّل، ومن هنا لم يكن في الخطأ في التأويل خطرٌ، لأنه اجتهادٌ في إطار الكمال، فلو أخطأ في نسبة أيِّ معنى كمالي إلى الله لا يضرُّ، لأن الكمالات جميعها يجوز نسبتُها إلى الله، ولكن على المجتهد أن يتحرَّى الأصوب والأقرب، وفي الجملة هو مأجور على اجتهاده. أما من يُخطيء فينسبُ النقص إلى الله مُدَّعياً الإثبات فإنه على خطر عظيم، لأنه يكون بذلك قد نقضَ أصلاً من أصول الاعتقاد وهو التنزيه. 


وإذا تقرَّر عندك هذا علمتَ أن مَن يعترضُ على التأويل أو التفويض، إنما يعترض في واقع الأمر على التنزيه. فتدبَّر. 

وما يكون كذلك لا يصلُحُ دليلاً على أمرٍ قطعيٍّ، والدلائلُ العقليَّةُ مُخالِفةٌ، على أن مذهب السلف الذين كانوا مُتجشِّمين بخَرْطِ القتاد وعَرَقِ القِرْبةِ. [الشِّدَّة والتعب والتكلّف في الشيء. «لسان العرب» (عرق)] في إظهار ما هو الحقُّ في أمر الدِّين في المتشابهات التصديقُ وتفويضُ تأويلها إلى الله تعالى، وما ذلك إلا لتعذّرِ إدراكها، وأما على مذهب الخلف فإنه لا تكون ثبتاً أيضاً، لأن الآية مُحتَمِلة، فإن الاستواء جاء بمعنى التمام، كما قال تعالى: ?وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى? [القصص: ١٤] ، والاستيلاءِ كقول الشاعر: 

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِراقِ ... ... مِنْ غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ

وقد أنكر بعضُهم الاستدلال في العقائد بقول شاعر نصراني، ولم يَدرِ المسكين أن الاستدلال به على معنى كلمة في اللغة لا على عقيدة، وغفل أو تغافل عن استدلاله هو وغيره بكلام عبدة الأوثان من أهل الجاهلية في اللغة. وفي الباب غيره أيضاً، قال الشاعر: 


إذا ما غزا قَوماً أباحَ حَريمَهم ... وأضحَى على ما مَلَّكُوهُ قد استَوى 

وبه استدلَّ به الإمام ابن الجوزي في «دفع شبه لتشبيه» ص١٨ من طبعة الكوثري، وص١٢١ من طبعة السقاف، وقال آخر: 


فلمَّا عَلَونا واستَوَينا عليهمُ ... جَعَلناهُمُ مَرعَىً لِنَسْرٍ وطائرِ 

وبه استدل الإمام ابنُ الهمام في «المسايرة» ص٣٥. 



والاستقرارِ كقوله تعالى: ?وَاسْتَوَتْ على الجُوْدِيِّ? [هود: ٤٤] ، ومع الاحتمال لا يكون حُجَّةً، لأن تأويلَ كلِّ مجتهدٍ لكونه ثابتاً بالرأي لا يكون حُجَّةً على غيره، على أن الترجيحَ للاستيلاء لأنه تعالى تمدَّحَ به، والاستواء للمدح فيما بينهم يُفهم منه الاستيلاء، وتخصيصُه باعتبار أعظم المخلوقات. 

[من يقول بأن المرادَ بالاستواء الاستيلاءُ يقول بأنه استيلاءٌ مجرَّدٌ عن معنى المغالبة، كما في قوله تعالى: ?لِمَنِ المُلْكُ اليَومَ لله الواحِدِ القَهَّارِ? [غافر: ١٦] ، والملك لله في ذلك اليوم وقبله، فلا يَرِدُ عليه أنه كان غيرَ مستولٍ ثم استولى. وقد قرَّر شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى في «السيف الصقيل» ص٩٨ ــ ٩٩ أن المرادَ الاستيلاءُ بحق وكمال، وهو المعبَّر عنه باستواء كمال الملك، ثم قال: والمُقدِمُ على هذا التأويل لم يرتكب محذوراً ولا وَصَفَ اللهَ تعالى بما لا يجوز عليه]

واعلم أن هذا التأويل ليس قولَ المعتزلة وحدهم كما يُشيعه بعضهم، فقد جوَّزه (نقول: جوَّزوه تجويزاً وإن اختار بعضهم غيره من المعاني التي يحتملها لفظ «استوى») = 


= الماتريدي في «التأويلات» ٣: ٢٨٥، وابن الهمام في «المسايرة» ص٣٤، وأقرَّه ابنُ أبي شريف في «شرحها». ونقله الإمام أبو المعين النسفي المتوفى سنة ٥٠٨ في «تبصرة الأدلة» ١: ١٨٤ عن الماتريدية فقال: إن أصحابنا أوّلوا هذا التأويل ولم يختصَّ به المعتزلة. واختاره الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد» ص٣٨، وابنُ قطلوبغا في «حاشيته» على «المسايرة» ص٣٤، وأبو السعود في «تفسيره» ٥: ٣، وغيرهم. 


وقريبٌ منه جداً قول الإمام محمد بن جرير الطبري (ت٣١٠) رحمه الله تعالى في «تفسيره» ١: ١٩٢: «علا علوَّ مُلكٍ وسُلطان، لا علوَّ انتقال وزوال» وهو وإن قاله في تفسير قوله تعالى: ? ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ? [البقرة: ١٩] ، فقد أحال عليه في تفسير قوله: ? ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ? [الأعراف: ٥٤] ، فتأمَّل. 



وقولهم: القائمان بالذات يكون كلّ واحدٍ منهما بجهة من صاحبه لا محالة. قلنا: مطلقاً أم بشرط تناهيهما؟ الأول ممنوعٌ، والثاني مُسلّمٌ، لكن التناهي على الباري محالٌ. 


وكلام الإمام رحمه الله يشير إلى مذهب السلف، فإنه قال: «نُقِرُّ بأن اللهَ استوى على العرشِ مِن غيرِ أن يكونَ له حاجةٌ واستقرَّ عليه» أي: من غير أن استقرَّ عليه، فإنه أقرَّ بالمُحتَمِل [يعني الدليل النقليّ الذي يحتمل معانٍ منها ما يجوز في حق الله ومنها ما لا يجوز] وصَدَّقَه واعتقدَ حَقِّيَّتَه فيما هو عند الله تعالى، وأنكرَ المُحتَمَلَ المُخالِفَ لدليل العقل [أي أنكر المعنى الذي هو مُحتمَلٌ في اللفظ من جهة اللغة، لكنه مُخالِفٌ لدليل العقل، وهذا هو مذهب المفوِّضة من السلف: عدم تعيين المعنى المراد من اللفظ المتشابه الذي يحتمل عدَّة معانٍ، مع الجزم بنفي إرادة معناه الظاهر الذي لا يجوز على الله سبحانه. وهو المسمَّى بتفويض المعنى، وليس مذهبهم إثبات الحقيقة وتفويض الكيفية. وكونُ التفويض في المعنى صريحٌ في كلامهم لمن تأمَّله بإنصاف، بل صريحٌ في كلام الذهبي، وانظر إن شئت «السير» ٨: ١٠٥]، ونفى في ضمن ذلك الاحتياجَ عن الباري تعالى، لأن الاحتياجَ يستلزمُ الاستكمال، وهو على الله محال.

فأنت ترى أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله عن المعنى الظاهر الذي لا يليق به سبحانه، فالواجب التنزيه، ثم المكلّف بالخيار إن شاء فوَّض تعيين المعنى الكمالي المراد إلى الله سبحانه، وإن شاء حمل اللفظ على معنى كمالي مُحتَمَل يليق به سبحانه. انتهى كلام العلامة الأكمل.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم