التأويل بقصد التنزيه، والتعبيـر بما يفيد التقديس والتمجيد
التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقتـرن به، بلحاظ ما نصبت عليه من الدلائل، ونحيت إليه من المذاهب، هو الذي جنح إليه المتكلمون في العقائد من أهل السنة والجماعة ليبيـنوا ما دق مما لم يعلم بظاهره، بـرد المتشابه منه إلى محكمه الذي يمثل أساس التأويل المميز الذي دعا به النبي ﷺ لسيدنا على وسيدنا ابن عباس رضي الله عنهما اللذيـْنِ شُهِرَ عنهما ببـركة هذا الدعاء التفنن في معرفة الغامض من المعاني الباطنة التي تتجاوز ظواهر الألفاظ الواضحة.
وقد استطاع الأشاعرة باعتماد هذا النوع من العلم حمل الألفاظ المتعلقة على سنن حقيقتها ومقتضاها ليـردوا بلحاظ أصل التنزيه بعض الظواهر المتعلقة بأخبار الذات والصفات التي لم يُرَد من سياقها معاني ألفاظها الظاهرة التي حملها منكرو المجاز من المشبهة على المتبادر منها، فنسبوا لله تعالى منكرا من القول أفاد بادي الرأي في حق الله تعالى التحديد والتمثيل، والتبعيض والتجزيء والحركة والانتقال والملامسة والرؤية في الدنيا بالعيـن الفانية المنتهية حتما عند التأمل بتثبيت عقيدة التجسيم التي تنعت الله تعالى بالنعوت المحسوسة، وتصفه بصفات العالم المحدودة التي يبطلها جميعا قول
الله تعالى: ﴿وَلمْ يكن لهَّ كفُؤاً احَد﴾ [الإخلاص: 4]،
وقوله: ﴿ليْسَ كمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السميع البصير﴾ [الشورى: 9]،
وقوله ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: 74]،
وقوله ﴿رَّبُّ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِۦۖ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيّاٗۖ﴾ [مريم: 65].
وإن ذيلت الإثباتات الخبـرية التي ساقها الرواة ولو بالمعنى المستحضُر عند الأداء في غياب الأصول أحيانا بنفي الكيف لدفع إيهام الوقوع بإعمال الظواهر في فتنة التشبيه التي يـنتفي معها التوحيد المطلوب من المكلفيـن…
وقد أبطل الشيخ أبو الحسن الأشعري هذا المنحى الاعتقادي المعتمد على ظواهر الألفاظ التي تفهم منها الجسمية الصريحة، فأكد على المسلم العقدي الذي لا يختلف عليه الموحدون الصادقون المنزهون ألا وهو تنزيه الله سبحانه عن التجزؤ والقسمة المستفادة من ظواهر بعض الأخبار المسندة، التي يستغلها من لا يتورّعون عن إسناد فهومهم المقتضية للجسمية إلى الكتاب الكريم والسنة النبوية، والقول بأن لله سبحانه: كم، وكيف، ووضع، وأيـن[مصارع المصارع ص: 57.]، وحد، وبكونه سبحانه متحيزا في جهة، المؤكدة بالتـزام بإضافة «بذاته» على الاستواء، اعتمادا على معاني محتملة غيـر مرادة لله تعالى، ولا لرسوله ﷺ ،تقتضيها الرواية في لفظها، وتلامحها في جاري استعمالها، دون أن يـراعوا سياقها وسباقها ولحاقها وأسباب ورودها كما هي عادة العقلاء من المتكلميـن في الفهم عن الله وعن رسوله ﷺ، وفق الأصول العامة القاطعة بوجوب التنزيه الذي لا يقبل التجسيم بحال .
وقد حملهم تقصد التنزيه، الراجع إلى استحالة أن يحدث في ذات الله تعالى تغيـر بدواعي الانفعال المحدثة في كونه، الذي جنح للقول به بعض المجسمة من الكرامية وبعض غلاة المنتسبيـن إلى الحنابلة إلى حمل الأخبار عن الذات الأحدية على أحسن المحامل التي يدفع بها التمثيل، ويـرفع بها توهم التبعيض، الذي وقع فيه بعض الناس، ممن جهل موقف السلف من نصوص الصفات، وغفل عن طرق تفهم المعنى المراد من اللفظ، باعتماد أسلوب العرب فيما تعارفت عليه من فنون الخطاب.
وقد بيـن القاضي عياض مرجع ذلك في قوله: وإنما جاء خلاف ذلك؛ أي ما كان عليه أبو الحسن الأشعري في المعتقد، من قوم من أصحاب أبي حنيفة كان مذهبهم الاعتـزال في الأصول، كعبد الجبار قاضي الري، والتنوخي، وأمثالهم من غلاة المعتـزلة ودعاتهم .ومن قوم يـنتسبون إلى مذهب أحمد بن حنبل، غلوا في تـرك التأويل، حتى وقعوا في فتنة التشبيه، وأكثرهم ليس من العلم بسبيل، ولكنهم لانتسابهم إلى السنة والحديث، قبلت العامة أقوالهم، ولم تنفر منها نفورها من أولئك الأخر، فقرروا عند العامة أنه متبدع ،وأضافوا إليه من المقالات ما أفنى عمره في تكذيب قائلها وتضليله[تـرتيب المدارك 5/26.].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم