الأربعاء، 14 مايو 2025

صفات الله توقيفية

صِفاتُ اللهِ عزَّ وجلَّ توقيفيَّة:

صفات الله تعالى توقيفية، يجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، وأقوال أئمة وعلماء أهل السُنة في ذلك كثيرة، ومنها:

ـ قال أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني: "ويعتقدون ـ يعني: أهل السنة والجماعة ـ أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم".

ـ قال أبو عبد الله بن بَطَّة العُكْبَريُّ الحنبلي في "الإبانة الكبرى": "مِن علامات المؤمنين أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، مما نقلته العلماء، ورواه الثقات مِنْ أهل النقل، الذين هم الحُجة فيما رووه مِنَ الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف؟ ولا لم؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلمون، ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكون ولا يرتابون".

ـ قال الأصبهاني في "الحُجَّة في بيان المَحجة": "الكلام في الصفات فَرْع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات وإنما أثبتناها لأن التوقيف ورد بها، وعلى هذا مضى السلف". وقال: "وليس في إثبات الصفات ما يُفضي إلى التشبيه، كما أنه ليس في إثبات الذات ما يفضي إلى التشبيه، وفي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى:11) دليل على أنه ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات".

ـ قال ابن عبد البر في "التمهيد": "أهل السُنة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها". وقال أيضًا في "جامع بيان العلم وفضله": "ليس في الاعتقادِ كُلِّه في صفات الله وأسمائه إلَّا ما جاء منصوصًا في كتابِ الله، أو صَحَّ عن رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، أو أجمعَت عليه الأُمَّة، وما جاء مِنْ أخبارِ الآحاد في ذلك كُلِّه أو نحوِه، يُسَلَّمُ له ولا يُناظر فيه".

ـ قال الشَّافعي عن صفات الله عزَّ وجلَّ: "حرامٌ على العقول أن تمثِّلَ اللهَ عزَّ وجَلَّ، وعلى الأوهامِ أن تحُدَّه، وعلى الظُّنون أن تقطَع، وعلى النُّفوس أن تفَكِّر، وعلى الضَّمائِرِ أن تَعمَّق، وعلى الخواطِر أن تحيط، وعلى العُقول أن تَعقِل، إلَّا ما وصف به نَفْسَه، أو على لسانِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم".

ـ وفي "ذم التقليد" لابن قدامة: "قال أحمد بن حنبل: "لا يُوصَفُ اللهُ تعالى بأكثَرَ مِمَّا وَصَف به نَفْسَه، أو وصَفَه به رَسولُه بلا حَدٍّ ولا غاية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11).. ولا نتعَدَّى القُرآنَ والحديث".

ـ وفي "البيان والتحصيل": "نَقَل ابنُ رُشد عن مالك أنَّه قال: "لا ينبغي لأحَدٍ أن يَصِفَ اللهَ إلَّا بما وَصَف به نَفْسَه في القُرآن". قال ابنُ رُشد: "قوله: لا ينبغي لأحَدٍ أن يَصِف اللهَ إلَّا بما وَصَف به نَفْسَه في القُرآن. يريد: أو وَصَفه به رَسولُه في مُتواتِرِ الآثار، واجتَمَعَت الأُمَّةُ على جوازِ وَصْفِه به، وكذلك لا ينبغي عنده على قوله هذا أن يُسَمَّى اللهُ تعالى إلَّا بما سَمَّى به نَفْسَه في كتابه، أو سَمَّاه به رَسولُه، أو اجتَمَعَت الأمَّة عليه".

ـ وقال البَربهاريُّ في "شرح السنة": "ولا يُتكَلَّمُ في الرَّبِّ إلَّا بما وصَف به نَفْسَه في القُرآن، وما بَيَّن رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه".. وقال الأزهريُّ: "لا يجوزُ عند أهلِ العِلم أن يُوصَفَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ بصِفةٍ لم يُنزِلْها في كتابه، ولم يُبَيِّنْها على لسانِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم".


من قواعِدِ صِفاتِ الله عز وجل عند أهل السُنة: إثباتُ ما أثبَتَه اللهُ تعالى لنفسه مِنْ أسماء وصفات في كتابِه، أو أثبَتَه له رسولُه صلى اللهُ عليه وسلم ـ مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيل ـ، يجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، قال البيهقي في "الأسماء والصفات": "لا يجوز وَصْفه تعالى إلَّا بما دَلَّ عليه كتابُ الله تعالى، أو سُنَّةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمع عليه سَلَف هذه الأمة".

وهذا الذي ألجأ حراس العقيدة من سلف الأمة الأوفياء لوراثتها إلى الجمع بيـن الإثبات للصفات الخبـرية ونفي التكييف لمعانيها اللفظية، ورد الظواهر التوصيفية التي تشبه الله بمخلوقاته، بحملها على محاملها التي تقتضيها لغة العرب ومصارف لسانها، ومواقع بيانها، وردوا ما يضادها مما يخالف التنزيه والتمجيد. وشرطوا لبيان صحيح الاعتقادات، خمسة شروط لا مناص منها لقبول الخبـر الذي ورد فيه وصف لله تعالى، أو تنصيص على اسم من أسمائه الحسنى التي تعبد الخلق بدعائه بها. تصدع الشبهة، وتجلي الغمة، وتكشف الحيـرة بإذن الله تعالى.


أولها: أن يثبت التصريح بها في آية أو حديث مقطوع به[الفتح المبين بنقد الأربعين لأبي إسماعيل الهروي لعبد الله بن الصديق الغماري]؛ أي أن يكون الخبـر متواتـرا، أو في حكم المتواتـر الحقيقي الذي تناقل معناه العامة عن العامة، لا تعريفه الاصطلاحي الذي لا واقع له في المنقول من الرواية الواقعة على شرط الاحتجاج الذي يجوز التعبد بحكمه، والخضوع لدلالة لفظه؛ «لأن أخبار الآحاد توجب العمل لا العلم، وغايتها أن تثبت بها أحكام الفروع»[الانتصارات الإسلامية، ص: 213.] «فلا يثبت بها أصل، ولا يقدح بها في أصل، وإنما يقدح في الشرائع ما تثبت به الشرائع»[المرجع السابق ص: 185]، «ولهذا قال أكثر طوائف المسلميـن: لا تثبت بأخبار الآحاد صفة الله، لأن مسائل الأصول القطعية لا تثبت إلا بقاطع»[السابق ص: 213].


ثانيها: ألا تكون ما يدعى أنها صفة جاء بها الخبـر من قبيل الإطلاقات المضافة إلى الله تعالى في سياق بيان آياته في خلقه.


وقد بيـن الحافظ ابن الجوزي رحمه الله هذا الأصل في التوصيف العقدي المتعلق بذات الله تعالى في معرض انتقاده لغلاة الحنابلة الذيـن ادعوا الانتساب إلى السلف: إنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال تعالى: ﴿وَنفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29]، وليس لله صفة تسمى روحا، فقد ابتدع من سمى المضاف صفة[دفـع شـبه التشـبيه 34، وانظـر تفسـير التحريـر والتنويـر للعلامـة الطاهـر ابـن عاشـور، دراسـة منهجيـة نقديـة للدكتـور جمـال محمـود أبـي حسـان. 2/199.].


ثالثها: ألا تفصل اللفظة عن سياقها التي وردت فيه؛ لأن السياق أحد محددات الدلالات المرادة من الخطاب التي لا تتبيـن استقلالا، وقد بيـن أهمية مراعاته الإمام العز ابن عبد السلام رحمه الله في قوله: السياق مرشد إلى تبيـن المجملات وتـرجيح المحتملات وتقريـر الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحا، وكل صفة وقعت في سياق الذم، كانت ذما فما كان مدحا بالوضع فوقع في سياق الذم


صار ذما واستهزاء وتهكما بعرف الاستعمال، مثاله: ﴿ذقِ اِنكَّ أنَتَ الَعَزِيزُ الُكَرِيمُ﴾ [الدخان: 46] أي الذليل المهان لوقوع ذلك في سياق الذم… [الإمام في بيان أدلة الأحكام، ص: 161.].


رابعها: ألا يدخلها احتمال المجاز أو التأويل[الفتح المبين بنقد الأربعين لأبي إسماعيل الهروي لعبد الله بن الصديق الغماري.]، أي ألا يكون خارجا مخرج التمثيل الذي يخالف في ظاهره التنزيه والتمجيد. كقول الله تعالى:﴿الَلَّه نوُرُ السموات وَالَارْ ِض﴾ [النور: 35 ]، لإجماع الموقنيـن على أن النور الذي نراه – اُلذي يشع ضياء- في الأرض والسماء لا يكون راجعا إلى الباري تعالى، ولا صفة ذاته، ولا يكون بمعنى هو نور ويفهم منه ما يفهم من اسم الأجسام المنيـرة اللطيفة، فإن الله تعالى يتنزه عن ذلك، ويعتقد أنه يـنفصل من نور ذاته، فكل هذا صفة المحدثيـن، بل هو خالق كل نور، ومنور كل ذي نور[مشارق الأنوار 1/76. وانظر مطالع الأنوار 1/322.]. خامسها: ألا يكون من تصرف الراوي إذا جاءت في حديث[مطلع الفتح المبين بنقد الأربعين لأبي إسماعيل الهروي لعبد الله بن الصديق الغماري.]؛ أي ألا يتصرف الرواة في سياقه، ولا يتدخل النماة بفصله عن سباقه أو لحاقه، فيؤدى لفظه المقصود في الاعتقاد بالمعنى الذي قد لا يكون مرادا للاتفاق على التوقيف في التوصيف.


ولذلك قال الحافظ أبو بكر البيهقي: من الواجب في هذا الباب أن نعلم أن مثل هذه الألفاظ -التي تعلقت بتوصيف الله تعالى- التي تستشنعها النفوس، إنما خرجت على سعة مجال كلام العرب ومصارف لغاتها، وأن مذهب كثيـر من الصحابة وأكثر الرواة من أهل النقل الاجتهاد في أداء المعنى دون مراعاة أعيان الألفاظ، وكل منهم يـرويه على حسب معرفته، ومقدار فهمه، وعادة البيان من لغته، وعلى أهل العلم أن يلزموا أحسن الظن بهم، وأن يحسنوا التأني لمعرفة معاني ما رووه، وأن يـنزلوا كل شيء منه منزلة مثله، فيما تقتضيه أحكام الديـن ومعانيها، على أنك لا تجد بحمد الله منه شيئا صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، إلا وله تأويل يحتمله وجه الكلام، ومعنى لا يستحيل في عقل أو معرفة[الأسماء والصفات 2/20.]».


خامسها: ألا يستعمل القياس فيها إذا ورد بها النص يقيـنا، وأثبتت المعارضة النقدية المستقصية نبويتها، وأكدت سلامة بنيتها الموافقة لهيئة صدورها، من تصرف بعض الرواة الذيـن عرفوا بالتساهل في نسبة اللفظ المتصرف فيه إلى النبي ﷺ تشبعا بالمعنى، واستـرواحا لما يدل عليه.

قـال الإمـام الخطابـي رحمـه الله: الأسـماء والصفـات لا يتجـاوز فيهـا التوقيـف، ولا يسـتعمل فيهـا القيـاس، فيلحـق بالشـيء نظيـره فـي ظاهـر، وضـع اللغـة، ومتعـارف الـكلام، فالجـواد: لا يجـوز أن يقـاس عليـه السـخي، وإن كانـا متقاربيـن فـي ظاهـر الـكلام، وذلـك أن السـخي لـم يـرد بـه التوقيـف كمـا ورد بالجـواد، ثـم إن السـخاوة موضوعـة فـي بـاب الرخـاوة والليـن، يقـال: أرض سـخية وسـخاوية إذا كان فيهـا ليـن ورخـاوة، وكذلـك لا يقـاس عليـه السـمح لمـا يدخـل السـماحة مـن معنـى الليـن، والسـهولة. وأمـا الجـود فإنمـا هـو سـعة العطـاء مـن قولـك جـاد السـحاب إذا أمطـر فأغـزر، وفـرس جـواد إذا بـذل مـا فـي وسـعه من الجري. وقد جاء في الأسـماء القوى، ولا يقاس عليه الجلد، وإن كان يتقاربان في نعوت الأدميين لأن باب التجلد يدخله التكلـف، والاجتهـاد. ولا يقـاس علـى القـادر المطيـق، ولا المسـتطيع لأن الطاقـة، والاسـتطاعة إنمـا تطلقـان علـى معنـى قـوة البنيـة، وتـركيب الخلقـة. وفـي أسـمائه العليـم، ومـن صفتـه العلـم فـلا يجـوز قياسـاً عليـه أن يسـمى عارفـاً لمـا تقتضيـه المعرفـة مـن تقديـم الأسـباب التـي بهـا يتوصـل إلـى علـم الشـيء وكذلـك لا يوصـف بالعاقـل وهـذا البـاب يجـب أن يراعـى، ولا يغفـل فـإن عائدتـه عظيمـة، والجهـل بـه ضـار. شـأن الدعـاء، ص: 11.


ومن المفارقات العجيبة الكلام التالي الصحيح المنقول عمن عُرف عنه تشبيه الله بخلقه، والظاهر أن كلامه التالي إما تمويه وخلط، وإما من كلامه قبل انحرافه، أو من كلامه بعد توبته، والله أعلم بحاله، على كلٍ، ننقله للاستدلال على أتباعه بقول شيخهم...

ـ قال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": "ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، مِنْ غير تحريف ولا تعطيل، ومِنْ غير تكييف ولا تمثيل. يثبتون له الأسماء والصفات". وقال في "مجموع الفتاوى": "جِماع القَول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سَلَف الأُمَّة وأئِمَّتها، وهو أن يُوصَف الله بما وَصَف به نَفْسَه، وبما وصَفَه به رَسولُه، ويُصان ذلك عن التَّحريف والتمثيل، والتكييف والتعطيل، فإنَّ اللهَ ليس كمِثْلِه شَيء، لا في ذاتِه، ولا في صِفاتِه، ولا في أفعاله. فمَنْ نفى صِفاتِه كان مُعَطِّلًا، ومَنْ مَثَّل صِفاتِه بصِفات مخلوقاته كان مُمَثِّلًا، والواجِب إثبات الصِّفات، ونَفْيُ مُماثلتِها لصِفاتِ المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهذا رَدٌّ على الممَثِّلةِ، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11) رَدٌّ على المعَطِّلة".

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم