الجمعة، 9 مايو 2025

حديث وأنا الدهر أي خالق الدهر

اسمُ (الدَّهْر) فهو اسمٌ جامِدٌ لا يتضَمَّنُ معنًى يُلحِقُه بالأسماءِ الحُسْنى، فهو اسمٌ للوَقتِ والزَّمَنِ، كما قال اللهُ تعالى عن مُنكِري البَعثِ: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] يريدونَ مُرورَ اللَّيالي والأيَّامِ.

فأمَّا قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يؤذِيني ابنُ آدمَ؛ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيَدِي الأمرُ أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ )) [رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه] فلا يَدُلُّ على أنَّ الدَّهرَ مِن أسْماءِ اللهِ تعالى؛ وذلك أنَّ الذين يَسُبُّونَ الدَّهرَ إنَّما يُريدونَ الزَّمانَ الذي هو محَلُّ الحوادِثِ، فيكونُ معنى قَولِه: ((وأنا الدَّهرُ)) مُفَسَّرًا بقَولِه: ((بيَدِي الأمرُ أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ ))، فهو سُبحانَه خالِقُ الدَّهرِ وما فيه، وقد بَيَّن أنَّه يُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ، وهما الدَّهرُ، ولا يمكِنُ أن يكونَ المُقلِّبُ -بكَسرِ اللَّامِ- هو المُقلَّبَ -بفَتحهِا- وبهذا تَبيَّنَ أنَّه يمتَنِعُ أن يكونَ الدَّهرُ في هذا الحديثِ مُرادًا به اللهُ تعالى.

قَولُه: ((وأنا الدَّهرُ))، قال الخَطَّابيُّ: معناه: أنا صاحِبُ الدَّهرِ، ومُدَبِّرُ الأمورِ التي يَنسُبونَها إلى الدَّهْرِ، فمن سَبَّ الدَّهْرَ مِن أجْلِ أنَّه فاعِلُ هذه الأمورَ عادَ سَبُّه إلى رَبِّه الذي هو فاعِلُها، وإنَّما الدَّهْرُ زَمانٌ جُعِلَ ظَرفًا لمواقِعِ الأمورِ.

ولهذا قال في الحَديثِ: ((وأنا الدَّهْرُ بيَدِي الأمرُ أقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ)) . وفي روايةٍ لأحمدَ: ((بيَدي اللَّيلُ والنَّهارُ أُجِدُّه وأُبليه، وأذهَبُ بالمُلوكِ)) . وفي روايةٍ: ((لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فإنَّ اللهَ هو الدَّهْرُ، الأيامُ واللَّيالي أجَدِّدُها وأُبلِيها، وآتي بمُلوكٍ بعْدَ مُلوكٍ )) [أخرجها أحمد (10438) واللَّفظُ له، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5237)، وابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (802) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه]. 

قال الحافِظُ: وسَنَدُه صحيحٌ. فقد تَبَيَّنَ بهذا خطَأُ ابنِ حَزمٍ في عَدِّه الدَّهْرَ مِن أسْماءِ اللهِ الحُسْنى، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24] مُصيبِينَ. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم