كشمير: الجرح الإسلامي النازف في قلب الهيمالايا :
بمؤامرة الهندوسي غاندي وصديقه مهراجا هاري سينج والانجليزي لويس مونتباتن.
لم يكن ما جرى في كشمير بعد استقلال الهند عام 1947 حادثًا عابرًا، ولا تقاطع مصالحٍ آنية، بل كان مؤامرةً محكمة النسج، خيوطها امتدت بين دهاليز الحكم الهندوسي، وغرف القرار البريطاني، وممرات القصر الكشميري الذي كان يوشك أن يُنتزع من جسد الأمة الإسلامية.
بحسب قانون استقلال الهند وخطة التقسيم التي أقرتها بريطانيا في 3 يوليو 1947م، تقرر أن تُقسم شبه القارة إلى دولتين: الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وباكستان التي تضم الأقاليم ذات الغالبية المسلمة. وبناءً على هذا، كانت ولاية جامو وكشمير — التي تجاوزت نسبة المسلمين فيها 97 % — مرشحة طبيعيًا للانضمام إلى باكستان.
رغم الأغلبية المسلمة الساحقة، كان حاكم كشمير سنة 1947 هو المهراجا هاري سينغ، وهو هندوسي من سلالة الدواغرا الذين نصبهم البريطانيون على رأس "الولاية " و سبب ذلك أن حكم المسلمين لكشمير كان منذ الفتح الاسلامي حتى عام 1839م ، عندما استطاعت شركة الهند الشرقية الاستعمارية البريطانية من الدخول إلى تلك المنطقة والاستيلاء عليها، وعقدت صفقة غريبة في التاريخ مع أسرة «الدواغرا» الهندوسية عرفت باسم اتفاقية «أمريتسار»، باعت فيها بريطانيا تلك الولاية إلى تلك الأسرة لمدة مائة عامة مقابل (7.5) ملايين روبية، أي ما يعادل مليون ونصف المليون دولار، وكان مدة هذه الاتفاقية تنتهي عام (1366 هـ= 1946م) .
وتولى حكم الولاية المهراجا الهندوكي «غولاب سينغ»، وكانت تلك المرة الأولى التي تدخل فيها أغلبية مسلمة تحت حكم أقلية غير مسلمة منذ دخول الإسلام إلى الهند، وظل المسلمون طوال قرن من الزمان يتعرضون لصنوف شتى من الاضطهاد والظلم، فلم يسمح لهم بتولي الوظائف المدنية أو العسكرية، وفُرضت عليهم الضرائب الباهظة وفرضت عليهم قيود شديدة في أداء العبادات.
ويذكر التاريخ أن ذبح الأبقار كانت عقوبته الإعدام، واستمر هذا القانون مفروضًا حتى خفف سنة (1353هـ= 1934م) إلى السجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة وحرم على المسلمين حمل السلاح، كما أن الهندوسي إذا أسلم صودرت أملاكه على عكس المسلم إذا ارتد فإنه يجد فرصة ذهبية لحياة رغدة، ويذكر التاريخ أنه خلال القرن الذي حكمت فيه أسرة الدواغرا كشمير تولت الحكم فيها (28) حكومة لم يكن فيها مسلم واحد.
و بينما كان الشعب الكشميري ينتظر إعلان الانضمام إلى باكستان و الخلاص من الحكم الهندوسي البغيض ، كان المهراجا هاري سينغ ، الحاكم الهندوسي للولاية ، يحيك خيوط الخيانة. وبتنسيق مع الحاكم البريطاني الأخير للهند لورد لويس مونتباتن ، وبدعم رمزي وسياسي من الزعيم الهندوسي المهاتما غاندي ، بدأت أول فصول سرقة كشمير من أهلها.
ولا بد هنا من التوقف عند أهمية كشمير، و سبب إهتمام الهند بها . فهي منطقة ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية ، تقع في قلب الهيمالايا، وتجاور ثلاث قوى كبرى: الهند، باكستان، والصين. كما أنها غنية بالأنهار والموارد الطبيعية ، وهي مصدر مياه نهر السند الذي تعتمد عليه الزراعة الباكستانية بنسبة 70% ، و احتلالها من طرف الهند سيجعل المسلمين في باكستان تحت رحمتها .
في أغسطس 1947، ذهب غاندي — الذي لم تطأ قدماه كشمير من قبل — إلى الولاية، واجتمع بالمهراجا وبالكاهن الهندوسي المتطرف "سوامي سانت ديو"، الذي عُرف في كشمير بلقب "راسبوتين القصر"، في إشارة إلى تأثيره السري الغامض في بلاط الحكم. وفي الوقت ذاته، كان الحاكم البريطاني مونتباتن يُظهر استعجالًا ظاهريًا للمهراجا كي يُعلن الانضمام إلى باكستان، بينما كان في حقيقة الأمر يمنحه الوقت لإبرام اتفاق الضم إلى الهند.
طلب المهراجا هاري سينغ توقيع "اتفاقية هدنة" مع باكستان، و نشبت بعد ذلك اضطـرابات كبيرة بين المسلمين والحكام الهنود وشهدت كشمير مصادمات مسلحة تدفق على إثرها رجال القبائل الباكستانية لمساندة المسلمين وفطلب المهراجا مساعدة الهند ووقّع "صك الانضمام إلى الهند"، في 26 أكتوبر 1947م، وهو ما وفّر للهند الذريعة لإرسال قواتها إلى كشمير في اليوم التالي .
وجاء اليوم المشؤوم. ففي السابع والعشرين من أكتوبر عام 1947م ، اجتاحت القوات الهندية أراضي كشمير، فاستفاق المسلمون على وقع المجازر. سالت الدماء أنهارًا، واقتيد الأبرياء للقتل ، في غضون شهرين فقط، قتلت القوات الهندية أكثر من 300 ألف مسلم، ونزح مئات الآلاف إلى باكستان، وهو ما يُعد من أوائل عمليات التطهير العرقي بعد الحرب العالمية الثانية ، في محاولة واضحة لتغيير البنية السكانية وكسر إرادة الانتماء الإسلامي.
ترتب على ذلك دخول القوات الباكستانية النظامية إلى المنطقة وبدا القتال بينها وبين القوات الهندية واستمر لفترة تزيد على عام كامل إلا أنه في يناير 1949 م تدخلت الأمم المتحدة وتوقف القتال وأنشئ خط وقف إطلاق النار جاعلا ثلثي مساحة كشمير وأربعة أخماس السكان تحت السيطرة الهندية والباقي تحت السيطرة الباكستانية.
ومنذ ذلك التاريخ، غرس الكشميريون في ذاكرتهم وصفًا مريرًا ليوم الاجتياح الهندي : "اليوم الأسود" ، وهو اللقب الذي يُطلقونه سنويًا في باكستان وكشمير وبنغلاديش إحياءً لذكرى ذلك الاجتياح الغاشم .
لم يكن الدور البريطاني ثانويًا، بل كان حاسمًا. فقد وفر مونتباتن الحماية السياسية للهند ، ورفض الضغط عليها لتطبيق استفتاء شعبي في كشمير. كما تجاهل الشكاوى الباكستانية، وأصر على أن الهند ستحتفظ بكشمير مؤقتًا، بانتظار استفتاء لم يُجرَ إلى اليوم.
وقد رأى كثير من المؤرخين في تصرف مونتباتن خيانة صريحة لوعد بريطانيا، بل مشاركة فاعلة في سلخ كشمير عن الجسد الإسلامي.
في عام 1979م، اغتيل اللورد مونتباتن على يد الجيش الجمهوري الإيرلندي، عبر تفجير مركبه قبالة سواحل أيرلندا. وقد عمّ الحزن أوساط الهندوس في الهند، حيث أُعلن الحداد الرسمي عليه لخمسين يومًا. أما في العالم الإسلامي، فرأى في ذلك قصاصًا إلهيًا لرجل كان أحد أبرز مهندسي معاناة المسلمين في كشمير.
ووفقًا للباحثين فإنّ القوات الهنديّة قامت بالعديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان والأعمال الإرها...بية ضد السكان المدنيين الكشميريين بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء، والاغتصاب، والتعذيب، وحالات الاختفاء القسريّ.
---
مصادر :
* الموسوعة البريطانية
* أرشيف وثائق الهند البريطانية
* الصحافة الكشميرية والباكستانية
* تقارير الأمم المتحدة عن كشمير (1948–1957)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم