الخميس، 26 ديسمبر 2024

ربنا أفرغ علينا صبرا

*أوراق شَعبانيّة 16*

*ربنَّا أفرغْ علينا صبرًا*


*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*


1- نعيش دوّامة الانفعالات، ونُدفَع لامتحانات متتاليات، ويرشقنا كمّ هائل من سهام التّيّارات، تحمل الفتن العجيبة، والدّواخل من العادات والطّقوس والنّظريّات، وتزداد مغريات العروضات، وتكبر التّحديّات الثّقيلة الطّويلة، وتحاصرنا الضّغوطات النّفسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والاجتماعيّة، وتأخذنا الحيرة متسلسلين إلى جحور مظلمة، نضيع في تِيه من بحور لا شاطئ لها... وتنتشلنا رحمة الله من الضّياع والغرق، وتدلّنا على شاطئ الأمان... بعَزْم الإيمان، وحُسن الظّنّ به سبحانه.


2- أصعبُ شعورٍ في وقت الأزمات، ونزول البليّات، وظُلْم العداوات، أنّك تكون مبعَدًا قسريًّا عن نُصرة مباشرة لأهلك وإخوانك الّذين يتحمّلون حرّ جمر العذابات، بسبب قلّة الأسباب النّاصرة فلا تملك لهم غير: *"صبرًا آلَ ياسرٍ"*، والدّعم المعنويّ، والدّعاء الصّادق. 


3- الصّبر اختيار وقرار، وليس مجرّد حالة وحيدة للمغلوب على أمره، والصّبر مُرّ آخرُه فرَج، والصّبر فيه إعداد للنّفس لتكون أقوى، وليس خنوعًا وخضوعًا، والصّبر عزيمة الأنبياء، وقرين الصّلحاء، وكنز من بركة اليقين، وعون على النّصر المبين، والصّبر نور وخير وأجر.


4- قصص قصيرة جدًّا: 

أمر اللهُ فأطاعت الأسباب...

أمر ماء الأرضَ والسّماء لتنجو سفينة نوحٍ عليه السّلام.

أمر العصا لتصير حيّةً ناصرة لموسى عليه السّلام.

أمر البحر ليكون طريقًا مخلّصًا للمؤمنين من جيش فرعون.

أمر النّار لتكون بردًا وسلامًا لإبراهيم عليه السّلام.

أمر السّكّين أن لا تذبح إسماعيل عليه السّلام.

أمر الحوت أن لا يؤذي يونس عليه السّلام.

أمر الرّيح لتحمل جيش سليمان عليه السّلام.

أمر الطّير ليحفظ البيت الحرام.

أمر الغمامة لتظلّل محمّدًا عليه الصّلاة والسّلام.

وعندما يأتي الأمرُ... 

ما بين غَمْضةِ عينٍ وانتباهتِها 

                         يُغيّرُ اللهُ منْ حالٍ إلى حالِ


5- وَرَدَ هـٰذا الدّعاء مرّتين في القرآن الكريم: *"ربنَّا أفرغْ علينا صبرًا"*، أنزلْ علينا صبرًا كثيرًا لتتماسك قلوبُنا وتقوى أمام هول التّحدّي وعُظْم الامتحان. 

الموضع الأوّل: 

*{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)}*.

استطاع طالوتُ بجيشه الصّغير أن ينتصر على جيش كبير، وأخرج الله من جيشه داود نبيًّا يقتل جالوتَ عِلْج الكافرين.

الموضع الثّاني: 

*{وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)}*.

كانوا أوّل النّهار سحرة لفرعون، وآخرَه شهداء لله.


6- هو أجلٌ واحد لا أجلان، والموت ناقل للآخرة، إنّا ملك الله ومرجعنا إليه للحساب (إنّا لله وإنّا إليه راجعون). والوزن بالذّرّة، والحساب بالتّفصيل، والشّهود كثيرة: الأرض والبدن والنّبيّ والكتاب... والملائكة تحيط بأرض المحشر فلا مفرّ، والكذب ممحوق، والعمل حاضر، والحساب حسابان: يسير وعسير، والأتقياء هم الفائزون الضّاحكون.


د. ش. أسامة شعبان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم