الجمع بين القراءات -فضلا عن الروايات- جائز عند أكثر أئمة القراءة، واشترط بعض المحققين ألا يكون المقروء ثانيا، مرتبطا بالمقروء أولا. ومع ذلك، فالأفضل لمن ابتدأ تلاوته بقراءة، أن يتمها بالقراءة نفسها.
لا حرج على المصلي في الجمع بين روايتي القراءة الواحدة كروايتي حفص وشعبة، لكن الأولى هو أن يتم القارئ التلاوة على القراءة أو الرواية التي بدأ القراءة بها تجنبا للخلاف والخصام، لا سيما إن كان إماما وليتمرن أيضا على ضبط الروايات.
وقال النووي في المجموع: إذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها، فلو قرأ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطا بالأولى. اهـ.
وفي حاشية البجيرمي على الخطيب في الفقه الشافعي معلقا على كلام النووي هذا (قوله: مرتبطا بالأولى ) بأن يكون بينهما تعلق وارتباط وذلك كنصب آدم وكلمات في { فتلقى آدم من ربه كلمات } أو رفعهما ... فنصبهما ملفق من القراءتين وكذلك رفعهما. فرفع آدم من القراءة المشهورة، ورفع كلمات من القراءة الثانية .. انتهى
والحاصل أن من ابتدأ بقراءة أحد القراء ينبغي أن يستمر على القراءة بها، ويجوز أن يأتي في قراءته بآية أو آيات من قراءة أخرى إذا لم يترتب على ذلك اختلال في اللغة أو يترتب عليه ما تخرج به الكلمة أو الآية عن القراءات كلها.
وإذا كان الجمع بين القراءات في الصلاة وغيرها جائزا فيما لا يؤدي إلى ما ذكرنا، فمن باب أولى جواز ذلك بين روايتي القراءة الواحدة.
أما الرد على من يكره الجمع بين القراءات فهو يتبين ما ذكرناه له وإخباره أنها كلها قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أن الأولى للإمام أن يتجنب ما يكرهه المصلون مما ليس مطلوبا في الصلاة وخصوصا إذا كان ذلك في مسألة يستحب تركها في الأصل.
قال ابن الجزري في (النشر في القراءات العشر): منع بعض الأئمة تركيب القراءات بعضها ببعض، وخطأ القارئ بها في السنة والفرض.
قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في كتابه جمال القراء: وخلط هذه القراءات بعضها ببعض، خطأ.
(وقال) الحبر العلامة أبو زكريا النووي في كتابه التبيان: وإذا ابتدأ القارئ بقراءة شخص من السبعة، فينبغي ألا يزال على تلك القراءة ما دام للكلام ارتباط، فإذا انقضى ارتباطه، فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة، والأولى دوامه على تلك القراءة في ذلك المجلس.
(قلت) : وهذا معنى ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه. وقال الأستاذ أبو إسحاق الجعبري: والتركيب ممتنع في كلمة، وفي كلمتين إن تعلق أحدهما بالآخر، وإلا كره.
(قلت): وأجازها أكثر الأئمة مطلقا، وجعل خطأ مانعي ذلك محققا. والصواب عندنا في ذلك التفصيل، والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى، فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ: {فتلقى آدم من ربه كلمات} بالرفع فيهما، أو بالنصب، آخذا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير، ورفع كلمات من قراءة ابن كثير، ونحو: {وكفلها زكريا} بالتشديد مع الرفع، أو عكس ذلك، ونحو: {أخذ ميثاقكم} وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة، وأما ما لم يكن كذلك، فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضا من حيث إنه كذب في الرواية وتخليط على أهل الدراية، وإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام، إذ كل من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، تخفيفا عن الأمة، وتهوينا على أهل هذه الملة، فلو أوجبنا عليهم قراءة كل رواية على حدة، لشق عليهم تمييز القراءة الواحدة، وانعكس المقصود من التخفيف وعاد بالسهولة إلى التكليف .... اهـ.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن: إذا ثبتت القراءات وتقيدت الحروف، فليس يلزم أحدا أن يقرأ بقراءة شخص واحد كنافع مثلا أو عاصم، بل يجوز له أن يقرأ الفاتحة، فيتلو حروفها على ثلاث قراءات مختلفات؛ لأن الكل قرآن، ولا يلزم جمعه؛ إذ لم ينظمه الباري لرسوله، ولا قام دليل على التعبد، وإنما لزم الخلق بالدليل، ألا يتعدوا الثابت إلى ما لم يثبت، فأما تعيين الثابت في التلاوة فمسترسل على الثابت كله. اهـ.
وقد قرر ذلك ابن حجر في (فتح الباري) وبين سبب نسبة القول بالحرمة إلى بعض المتأخرين من القراء، فقال: استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "فاقرءوا ما تيسر منه" على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن ... وقد قرر ذلك أبو شامة في الوجيز تقريرا بليغا وقال: لا يقطع بالقراءة بأنها منزلة من عند الله، إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المصر بالقراءة، وأجمع أهل عصره ومن بعدهم على إمامته في ذلك. قال: أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا، فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءات مختلفة مع وجود الشرط المذكور، جازت القراءة بها بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب. وذكر أبو شامة في الوجيز أن فتوى وردت من العجم لدمشق، سألوا عن قارئ يقرأ عشرا من القرآن فيخلط القراءات، فأجاب ابن الحاجب وابن الصلاح وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز، بالشروط التي ذكرناها، كمن يقرأ مثلا {فتلقى آدم من ربه كلمات} فلا يقرأ لابن كثير بنصب آدم، ولأبي عمرو بنصب كلمات. وكمن يقرأ {نغفر لكم} بالنون {خطيئاتكم} بالرفع. قال أبو شامة: لا شك في منع مثل هذا وما عداه فجائز، والله أعلم. وقد شاع في زماننا من طائفة من القراء إنكار ذلك، حتى صرح بعضهم بتحريمه، فظن كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معتمدا فتابعوهم وقالوا: أهل كل فن أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإن علم الحلال والحرام إنما يتلقى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة، فإنه متى خلطها كان كاذبا على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى كما قاله الشيخ محيي الدين، وذلك من الأولوية لا على الحتم أما المنع على الإطلاق فلا. اهـ.
والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم