الأحد، 8 ديسمبر 2024

من أحكام المد المنفصل والمتصل / الحدر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:


الأولى لقارئ القرآن الكريم أن يحرص على التلاوة بالترتيل والتدبر، فقد قال الله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً [الإسراء: 106]، وقال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4]. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ وارق ورتل، فإن منزلتك تكون عند آخر آية تقرؤها. رواه أحمد، والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو.


ويجوز الحدر، وهو إدراج القراءة وسرعتها مع المحافظة على أحكام التجويد.


وأما عن المد؛ فإن قصر المد المنفصل جائز، وقد روي عن ورش من طريق الأصبهاني، كما روي عن قالون، وابن كثير، وأبي عمرو، وأبي جعفر.


وأما المد المتصل؛ فقد اتفق القراء على مده، وإن اختلفوا في مقدار المد الذي يمد به. قال ابن الجزري في النشر في القراءات العشر: فأما المتصل فاتفق أئمة أهل الأداء من أهل العراق إلا القليل منهم، وكثير من المغاربة على مده قدرًا واحدًا مشبعًا من غير إفحاش، ولا خروج عن منهاج العربية...


ثم أفاض في ذكر من نص عليه من العلماء إلى أن قال: فوجب أن لا يعتقد أن قصر المتصل جائز عند أحد من القراء، وقد تتبعته فلم أجده في قراءة صحيحة ولا شاذة، بل رأيت النص بمده؛ ورد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ... ثم أسند ذلك إلى مسعود بن يزيد الكندي، قال: كان ابن مسعود يقرئ رجلاً، فقرأ الرجل: إنما الصدقات للفقراء والمساكين مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أقرأنيها "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" فمدوها.

هذا حديث جليل حجة ونص في هذا الباب، رجال إسناده ثقات. رواه الطبراني في معجمه الكبير... اهـ.

فالمد المتصل وهو المسمى بمد التمكين والمد الواجب أجمع القراء على مده وإن اختلفوا في مقدار المد الذي يمد به.


قال ابن الجزري في النشر: فالمتصل اتفق جمهور القراء على مده قدرا واحدا مشبعا من غير إفحاش. وذهب بعضهم إلى تفاضل مراتبه:


فالطولى لحمزة، ولورش من طريق الأزرق، وللأخفش عن ابن ذكوان من طريق العراقيين، ودونها لعاصم. ودونها لابن عامر والكسائي وخلف. ودونها لأبي عمرو وابن كثير وأبي جعفر ويعقوب وقالون والأصبهاني عن ورش. وبعضهم لم يجعل فيه سوى مرتبتين؛ الطولى لمن ذكر أولا، والوسطى لمن بقي .


ومقدار المد للفئة الأولى ـ وهو الإشباع ـ ست حركات ويعبر عنها بثلاث ألفات؛ لأن الألف حركتان. والثانية يمد لها بمقدار خمس حركات (ألفان ونصف). والثالثة مقدار المد عندها أربع حركات (ألفان). وأما الفئة الرابعة فيمد لها بمقدار ثلاث حركات (ألف ونصف). هذا عند من يقسم القراء إلى الفئات المذكورة بالنسبة للمد.


أما من يجعلهم قسمين فقط فيمد للأولى ست حركات وللثانية من أربع إلى خمس.


وأما المد المنفصل وهو المسمى مد البسط فقرأه بعضهم بالمد وبعضهم بالقصر، فقرأه بالمد فقط من السبعة من طريق الشاطبية: عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وورش عن نافع. وقرأه قالون عن نافع، والدوري عن أبي عمرو بالمد والقصر. وقرأه بالقصر قولا واحدا ابن كثير، والسوسي عن أبي عمرو، هذا ما ذكره الشاطبي في نظمه حرز الأماني لتيسير أبي عمرو الداني حيث يقول:


فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا بخلفهما يرويك درا ومخضلا


وفيما يخص رواية حفص عن عاصم فإن له من طريق النشر رواية أخرى وهي القصر كأبي عمرو ويعقوب وقالون والأصبهاني عن ورش. ولكن المقدم عندهم لحفص في المد المنفصل هو المد من أربع حركات إلى خمس، وهو الذي اقتصر عليه الشاطبي في حرز الأماني كما مر. ولهذا نلاحظ أن المصاحف المطبوعة برواية حفص عن عاصم مضبوطة بالمد كما هو الحال في مصحف المدينة المطبوع في مجمع الملك فهد.


وننبه إلى أن مقدار المد لا بد أن يؤخذ مشافهة من أفواه القراء كغيره من أحكام التجويد ... ولا يكفي معرفة ذلك نظريا أو بالعد بالحركات لأن العد بالحركات إنما هو للتقريب.


وبالنسبة لاختلاف القراء فإنه لا يعد خطأ لأنهم جميعا قرأوا بالتلقي والرواية من أفواه المشايخ بالتواتر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واختلافهم ليس اختلاف تضاد وإنما هو اختلاف تنوع وتوسعة.


فإن ورشا -من طريق الأزرق - ليس له إلا مد المتصل بالإشباع: ست حركات. وأما مد المتصل بمقدار أربع حركات فهو لورش من طريق الأصبهاني -ولقراء آخرين أيضا-، وأما مد المتصل بمقدار حركتين فقط، فليس لأحد من القراء.


فالقراءة لورش من طريق الأزرق مع مد المتصل بمقدار أربع حركات، هو من قبيل الجمع بين الروايات والقراءات ودمجها. وهو جائز لا محذور فيه.

وأما الاقتصار في المد المتصل على حركتين فقط، فهو من اللحن الخفي، ولا إثم فيه، لكنه يعتبر إخلالا وتقصيرا في الإتيان بالتجويد المستحب للقرآن الكريم.


مع التنبيه إلى أن مقادير المدود تختلف باختلاف أسلوب القراءة، فالقراءة بالحدر يقصر المد فيها عن القراءة بالتحقيق.


والله أعلم. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم