*أوراق شَعبانيّة 3*
*إسلامُ العَبِيد*
*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*
1- كلّنا عباد الله، ضعفاء فقراء على باب عظمة الله القويّ الغنيّ، لا نستقلّ طرفةَ عين عن رحمة الله، فهو الحاكم الآمر النّاهي السّيّد المُطْلَق المتصرّف بكلّ تفاصيل الكون. وأعظمُ عبد لله هو النّبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام، الّذي نال أعلى مرتبة في عبادة الله، والتّذلّل له، والرّسوخ في طاعته، والانقياد لأوامره، وأمانة تبليغ رسالته.
2- شَرَفُ العبوديّة لله، ورفعة التّواضع لله، ويقين التّوكّل على الله، والقناعة بما رزق الله، والإنفاق في سبيل الله، والتّسليم بقَدَر الله، والصّبر على ما ابتلى الله، وحبّ الخير للغير من عباد الله... صفات عظيمة تخلّق بها أنبياءُ الله وعلّموها خَلْقَ الله.
3- مَرَدُّ سُرعة كثير من العبيد والإماء إلى الإيمان عهدَ البعثة النّبويّة المحمّديّة، لِما وجَدُوا في هـٰذا الإسلام من عَدْل وفَضْل، وفي نبيّه من تواضع ومُرُوءة، وفي السّابقين للإسلام من حُنُوّ ورأفة؛ كما أنّه كان تحرّرًا روحيًّا من أغلال الاستبداد والقَمْع، من غير أملٍ باشتراط عتقٍ حالَ إسلامهم من قِبَل أغنياء المسلمين.
4- المُساعِد في سرعة إسلام كثير من العبيد والإماء معرفتُهم بتسلّط زعماء قريش وسادتها على رقاب النّاس بالكيد والقيد، واطّلاعُهم على أسرار القوم في ما يتعلّق بالاستقسام بالأزلام (الأقداح) والمياسِر (جمع مَيْسِر: القِمار)، وما يرتبط أحيانًا بها من الغشّ والتّلبيس.
5- كان أبو قحافة يمثّل رأي الجاهليّين، إذ يأخذ على ابنه الصّدّيق بذل مال كثير، لأجل رَهْط من الضّعاف المهازيل الّذين لا يصلحون لعمل شاقّ ولا لمصارعة، يثقلون كاهله، ويضيّعون ماله، ولا يغنون عنه أقلّ غناء. لكنّه أبو بكر؛ يشتريهم ويخلّصهم من تعذيب أميّة بن خَلف وغيره، ويعطيهم حرّيّتهم لوجه الله.
6- لم يكن سرًّا خبيئًا في مجتمع مكّة أنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أحسن أيّما إحسان إلى مولاه زيد بن حارثة، وعندما جاء ذوو زيد يفتقدونه ويعرضون عليه الحرّيّة والعودة إليهم، آثر العبدُ صُحبة النّبيّ على نعمة الحرّيّة بين معشره الأوّلين، وفي ظلال وطنه الذي فارقه مكرهًا منذ سنين.
7- ما فتِئ الإسلامُ يُشجّع على العتق والإحسان، فأعتق النّبيّ عليه الصّلاة والسلام مملوكه زيدًا (الّذي تبنّاه قبل تحريم التّبنّي)، وزوّجه بعقيلة حُرّة من عقيلات بيته، وأقام ابنه أسامة من بعده واليًا على جيش الشّام وهو دون العشرين، وفي الجيش نخبةٌ من أجلّاء الصّحابة، ومنهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم.
8- لم يكن للعبيد في مجتمع طبقيّ متعجرف حمايةٌ من ظلم وحبس وتجويع وتعطيش وقتل، فتعاورتهم الأيدي بالضّرب المبرّح، وذاقوا أمرّ العذاب تحت نيران القيظ الحارق في شمس الجزيرة العربيّة السّاطعة، وتلقّوا نُذُر الموت كلّ ساعة.
9- قد يكون قتلُ أبي جهل (عمرو بن هشام) لسُميّة أمّ عمّار، لأنها جارية عجوز لا تصلح للبيع ولا للمبادلة، أو لأنّه تسرّع في نكاية المسلمين، بينما لم يقتل المشركون بلالًا ولا عمّارًا ولا صهيبًا ولا خبّابًا لأنّهم عاملون يباعون ويشترون، ولكنّهم كانوا قاتليهم آخر المطاف إن يئسوا من كفرهم، أو من بيعهم.
10- كان الفاروق عمر رضي الله عنه يردّد: "أبو بكر سيّدُنا، أعتقَ بلالًا سيّدَنا"، ويقصد بذلك اللّقب الرّفيع بلالَ بن رباح الحبشيّ رضي الله عنه. واتّفق أنّ أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو بن الحارث ورهطًا من سادة العرب طلبوا لقاء أمير المؤمنين، وكان لبلال وصُهيب هذا الطّلب أيضًا، فأذن عمرُ للأخيرين أوّلًا حتى يستمع لِما يريدان، فغضب أبو سفيان وقال لأصحابه: "لم أر كاليوم قطّ، يَأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه!؟". وكان سهيل أدنى إلى الإنصاف وموصّفًا للواقع: *"أيّها القوم! إنّي والله، أرى الّذي في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم [إلى الاسلام] ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعُوا يوم القيامة وتُركتم!".*
د. ش. أسامة شعبان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم