لا يُشتَرَطُ للمُستحاضةِ أن تتوضَّأَ لكلِّ صلاةٍ، وهذا مَذهَبُ المالكيَّة، والظاهريَّة، وبه قال بعضُ السَّلَف.
الأدلَّة:
أولًا: مِن السُّنَّةِ
عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ: ((إنَّما ذلكِ عِرقٌ، وليس بالحَيضةِ، فإذا أقبلَت الحيضةُ، فاتركي الصَّلاةَ، فإذا ذهب قَدرُها، فاغسلي عنك الدَّمَ، وصلِّي ))
وجه الدَّلالة:
أنه لم يذكُر وضوءًا، ولو كان الوضوءُ واجبًا عليها، لَما سكت عن أن يأمُرَها به، وما ورد من إيجابِ الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ، فهو مضطربٌ لا تجِبُ بمثلِه حُجَّةٌ
ثانيًا: أنَّ دمَ الاستحاضةِ، إذا لم يكُن حدثًا في الوقتِ، فإنَّه لا يكون حَدثًا بعده، فخروجُ الوقتِ ليس من نواقِضِ الوضوءِ، وقد اتَّفَقوا على أنَّه إذا خرج الدَّمُ في الصَّلاةِ أتمَّتها وأجزَأتْها
ثالثًا: أنَّه لا فَرقَ بين الدَّمِ الذي يخرُجُ من المستحاضةِ قبل الوضوءِ، والذي يخرجُ في أضعافِ الوُضوءِ، والدَّم الخارج بعد الوضوءِ؛ لأنَّ دمَ الاستحاضة إن كان يوجِبُ الوضوءَ فقليلُ ذلك وكثيرُه في أيِّ وقت كان، يوجِبُ الوضوءَ، وإن كان لا يوجِبُ الوضوءَ فقليلُ ذلك وكثيرُه في أيِّ وقت كان، لا يوجِبُ الوضوءَ.
قال النَّووي: (قال ربيعة ومالك وداود: دمُ الاستحاضة لا ينقُض الوضوء، فإذا تطهَّرَت، فلها أن تصلِّيَ بطهارتِها ما شاءت من الفرائِضِ إلى أن تُحدِث بغيرِ الاستحاضة).
أما كونها تغتسل بعد مضي مدة حيضها وتغتسل لكل صلاة، فدليله ما رواه الترمذي وغيره من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي.
وروى نحوه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، فدل هذا الحديث على أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة، وهو قول غير واحد من الصحابة وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي وغيرهم.
وأما كونها تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل واحد وتغتسل للصبح فقد دل عليه حديث حمنة بنت جحش عند الترمذي وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حين تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعاً ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الصبح وتصلين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو أعجب الأمرين إلي. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وأما هل تجمع بين فرضين بوضوء واحد فمحل خلاف بين أهل العلم وما ذكر في السؤال هو أحد القولين لأهل العلم وأصحاب هذا القول يجيزون لها أن تصلي فريضتين بوضوء واحد ما دام في وقت فريضة، قال البهوتي رحمه الله وهو حنبلي في كشاف القناع: وتصلي المستحاضة بوضوئها ما شاءت ما دام الوقت، حتى جمعاً بين فرضين لبقاء وضوئها إلى آخر الوقت. انتهى
وأما بخصوص ما ذكره الإمام ابن قدامة في المغني من أن المستحاضة يمكنها أن تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، فهذا لا ينافي ما هو مقرر عند الحنابلة الذين يرون وجوب الوضوء لكل فرض، فقد أجاز- رحمه الله- للمستحاضة الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا في وقت إحداهما، قياسا على كونها يجوز لها إن توضأت بعد دخول الوقت أن تصلي بهذا الوضوء الفرض والصلوات الفائتة، والتطوع حتى يخرج وقت الصلاة.
قال رحمه الله: فصل: وحكم طهارة المستحاضة حكم التيمم في أنها إذا توضأت في وقت الصلاة، صلت بها الفريضة، ثم قضت الفوائت، وتطوعت حتى يخرج الوقت. نص على هذا أحمد، وعلى قياس ذلك لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. انتهى.
وأما سؤلك: هل لها أن تجمع الجمع الصوري بوضوء واحد مع أن الوقت يخرج في هذا الجمع؟ فيجوز ذلك عند بعض العلماء، لكن لا شك أن الأحوط أن تتوضأ لكل صلاة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم