الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

ترجمة ابن خزيمة وخبر فتنة المعتزلة وإيقاعهم الفتنة بينه وبين تلامذته الأشاعرة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قصة ابن خزيمة وبعض تلامذته وتلاعب المعتزلة به، واستغلال الوهابية -هداهم الله- لكتابه التوحيد، في الانتصار لعقيدتهم الباطلة في تشبيه الله وتمثيله بل وتجسيده تعالى ربنا عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

من كتاب [سير أعلام النبلاء] للذهبي 

قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ - فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا .

[أقول -بشار- مراده يكفر لأنه كذّب آية من القرآن، وليس مراده التأويل الصحيح، فافهم.]

قُلْتُ [أي الذهبي]: مَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لِكِتَابِ اللهِ ، وَلِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَآمَنَ بِهِ مُفَوِّضًا مَعْنَاهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَخُضْ فِي التَّأْوِيلِ وَلَا عَمَّقَ ، فَهُوَ الْمُسْلِمُ الْمُتَّبِعُ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَدْرِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ فَهُوَ [ ص: 374 ] مُقَصِّرٌ ، وَاللهُ يَعْفُو عَنْهُ ، إِذْ لَمْ يُوجِبِ اللهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَفِظَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ ، وَقَفَا غَيْرَ سَبِيلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَتَمَعْقَلَ عَلَى النَّصِّ ، فَأَمْرُهُ إِلَى الله، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْهَوَى .


وَكَلَامُ ابْنِ خُزَيْمَةَ هَذَا -وَإِنْ كَانَ حَقًّا- فَهُوَ فَجٌّ، لَا تَحْتَمِلُهُ نُفُوسُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْعُلَمَاءِ .


قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ : سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ . فَهُوَ كَافِرٌ ، يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .


وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَظَمَةٌ فِي النُّفُوسِ ، وَجَلَالَةٌ فِي الْقُلُوبِ لِعِلْمِهِ وَدِينِهِ ، وَاتِّبَاعِهِ السَّنَةَ .


وَكِتَابُهُ فِي " التَّوْحِيدِ " مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ ، وَقَدْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الصُّورَةِ [ ص: 375 ] [ ص: 376 ] فَلْيَعْذُرْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ . وَأَمَّا السَّلَفُ فَمَا خَاضُوا فِي التَّأْوِيلِ ; بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا، وَفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ -مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ ، وَتَوَخِّيهِ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ- أَهْدَرْنَاهُ ، وَبَدَّعْنَاهُ ، لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَعَنَا . رَحِمَ الله الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ . انتهى كلام الذهبي. وفي الفقرة الأخيرة يرد فيها على ابن خزيمة غلظته التي ذكرها أولا بقوله فجّ، بأنه هو نفسه ممن يؤوّل.


واقعة تلاعب المعتزلة بابن خزيمة للإيقاع بينه وبين تلاميذه الأشاعرة، وتمكن الأشاعرة من تقريره على موافقتهم في تنزيه كلام الله تعالى.


قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في بيان تلك الواقعة

قَالَ الْحَاكِمُ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا -إِلَّا أَنَّ ابْنَ حَمْدُونَ كَانَ مِنْ أَعْرَفِهِمْ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ- ، قَالَ : لَمَّا بَلَغَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ السِّنِّ وَالرِّئَاسَةِ وَالتَّفَرُّدِ بِهِمَا مَا بَلَغَ ، كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ صَارُوا فِي حَيَاتِهِ أَنْجُمَ الدُّنْيَا ، مِثْلُ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ عُلُومَ الشَّافِعِيِّ وَدَقَائِقَ ابْنِ سُرَيْجٍ إِلَى خُرَاسَانَ ، وَمَثَلُ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ -يَعْنِي الصِّبْغِيَّ - خَلِيفَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي الْفَتْوَى ، وَأَحْسَنِ الْجَمَاعَةِ تَصْنِيفًا ، وَأَحْسَنِهِمْ سِيَاسَةً فِي مَجَالِسِ السَّلَاطِينِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ [القاضي] ، وَهُوَ آدَبُهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ جَمْعًا لِلْعُلُومِ ، وَأَكْثَرُهُمْ رِحْلَةً ، وَشَيْخُ الْمُطَوِّعَةِ وَالْمُجَاهِدِينَ ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْبُيُوتَاتِ ، وَأَعْرَفَهُمْ بِمَذْهَبِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَصْلَحَهُمْ لِلْقَضَاءِ .


قَالَ : فَلَمَّا وَرَدَ مَنْصُورُ بْنُ يَحْيَى الطُّوسِيُّ نَيْسَابُورَ ، وَكَانَ يُكْثِرُ الِاخْتِلَافَ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ لِلسَّمَاعِ مِنْهُ، وَهُوَ مُعْتَزِلِيٌّ، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ حَسَدَهُمْ ، وَاجْتَمَعَ مَعَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاعِظِ الْقَدَرِيِّ بِبَابِ مَعْمَرٍ فِي أُمُورِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَا : هَذَا إِمَامٌ لَا يُسْرِعُ فِي الْكَلَامِ ، وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ التَّنَازُعِ فِي الْكَلَامِ وَتَعْلِيمِهِ ، وَقَدْ نَبَغَ لَهُ أَصْحَابٌ يُخَالِفُونَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي ، فَإِنَّهُمْ [ ص: 378 ] عَلَى مَذْهَبِ الْكُلَّابِيَّةِ فَاسْتَحْكَمَ طَمَعُهُمَا فِي إِيقَاعِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ .


قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللهِ -تَعَالَى- أَنَّ الْحَاكِمَ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا تُوُفِّيَ أَظْهَرَ ابْنُ خُزَيْمَةَ الشَّمَاتَةَ بِوَفَاتِهِ ، هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -جَهْلًا مِنْهُمْ- فَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَّخِذَ ضِيَافَةً ، وَكَانَ لِابْنِ خُزَيْمَةَ بَسَاتِينُ نَزِهَةٌ . قَالَ : فَأُكْرِهْتُ أَنَا مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْخُرُوجِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَيْهَا .


وَحَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ : أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَكَانَتْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا ، عَمِلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، فَأَحْضَرَ جُمْلَةً مِنَ الْأَغْنَامِ وَالْحُمْلَانِ ، وَأَعْدَالِ السُّكَّرِ ، وَالْفُرُشِ ، وَالْآلَاتِ ، وَالطَّبَّاخِينَ ، ثُمَّ إِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ الشُّيُوخِ وَالشَّبَابِ ، فَاجْتَمَعُوا بِجَنْزَرُوذَ وَرَكِبُوا مِنْهَا ، وَتَقَدَّمَهُمْ أَبُو بَكْرٍ يَخْتَرِقُ الْأَسْوَاقَ سُوقًا سُوقًا ، يَسْأَلُهُمْ أَنْ يُجِيبُوهُ ، وَيَقُولُ لَهُمْ : سَأَلْتُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى الْفُتُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ لِي أَنْ يَلْزَمَ جَمَاعَتَنَا الْيَوْمَ . فَكَانُوا يَجِيئُونَ فَوْجًا فَوْجًا حَتَّى لَمَّ يَبْقَ كَبِيرُ أَحَدٍ فِي الْبَلَدِ -يَعْنِي نَيْسَابُورَ - وَالطَّبَّاخُونَ يَطْبُخُونَ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَبَّازِينَ يَخْبِزُونَ ، حَتَّى حُمِلَ أَيْضًا جَمِيعُ مَا وَجَدُوا فِي الْبَلَدِ مِنَ الْخُبْزِ وَالشِّوَاءِ عَلَى الْجِمَالِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَالْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ- قَائِمٌ يُجْرِي أُمُورَ الضِّيَافَةِ عَلَى أَحْسَنِ مَا يَكُونُ ، حَتَّى شَهِدَ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ مِثْلَهَا.


فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْمُتَكَلِّمُ قَالَ : لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ [ ص: 379 ] الضِّيَافَةِ اجْتَمَعْنَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَجَرَى ذِكْرُ كَلَامِ اللهِ : أَقَدِيمٌ هُوَ لَمْ يَزَلْ ، أَوْ نَثْبُتُ عِنْدَ إِخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ مُتَكَلَّمٌ بِهِ ؟ فَوَقَعَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ خَوْضٌ ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَّا : كَلَامُ الْبَارِئِ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ.


وَقَالَ جَمَاعَةٌ : كَلَامُهُ قَدِيمٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِإِخْبَارِهِ وَبِكَلَامِهِ . فَبَكَّرْتُ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا جَرَى ، فَقَالَ : مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَقَدِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ . وَانْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْبَلَدِ ، وَذَهَبَ مَنْصُورٌ الطُّوسِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ مَنْصُورٌ : أَلَمْ أَقُلْ لِلشَّيْخِ : إِنَّ هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُونَ مَذْهَبَ الْكُلَّابِيَّةِ ؟ وَهَذَا مَذْهَبُهُمْ . قَالَ : فَجَمَعَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَصْحَابَهُ ، وَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ ؟ وَلَمْ يَزِدْهُمْ عَلَى هَذَا ذَلِكَ الْيَوْمَ.


قَالَ الْحَاكِمُ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْمَاطِيُّ الْمُتَكَلِّمُ قَالَ: لَمْ يَزَلِ الطُّوسِيُّ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ حَتَّى جَرَّأَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ يَرُدَّانِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ [ابن خزيمة] مَا يُمْلِيهِ ، وَيَحْضُرَانِ مَجْلِسَ أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ ، فَيَقْرَءُونَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلَأِ ، حَتَّى اسْتَحْكَمَتِ الْوَحْشَةَ .


سَمِعْتُ أَبَا سَعْدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَحْمَدَ الْمُقْرِئَ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمَنْ قَالَ : شَيْءٌ مِنْهُ مَخْلُوقٌ . أَوْ يَقُولُ : إِنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ ، فَهُوَ جَهْمِيٌّ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي ، بَانَ لَهُ أَنَّ الْكُلَّابِيَّةَ -لَعَنَهُمُ اللهُ- كَذَبَةٌ فِيمَا يَحْكُونَ عَنِّي بِمَا هُوَ خِلَافُ أَصْلِي وَدِيَانَتِي ، قَدْ عَرَفَ أَهْلُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ أَنَّهُ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ وَالْقَدَرِ وَأُصُولِ الْعِلْمِ مِثْلَ تَصْنِيفِي ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ هَؤُلَاءِ -الثَّقَفِيَّ ، وَالصِّبْغِيَّ ، وَيَحْيَى بْنَ مَنْصُورٍ - كَذَبَةٌ ، قَدْ كَذَبُوا عَلَيَّ فِي حَيَاتِي ، فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ مُقْتَبِسِ عِلْمٍ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا يَحْكُونَهُ عَنِّي ، وَابْنُ أَبِي عُثْمَانَ [القاضي شيخ المجاهدين] أَكْذَبُهُمْ عِنْدِي ، وَأَقْوَلُهُمْ عَلِيَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ .


[ ص: 380 ] قُلْتُ [الذهبي]: مَا هَؤُلَاءِ بِكَذَبَةٍ ; بَلْ أَئِمَّةٌ أَثْبَاتٌ ، وَإِنَّمَا الشَّيْخُ تَكَلَّمَ عَلَى حَسَبِ مَا نُقِلَ لَهُ عَنْهُمْ . فَقَبَّحَ اللهُ مَنْ يَنْقُلُ الْبُهْتَانَ ، وَمَنْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ .


قَالَ الْحَاكِمُ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : مِنْ زَعْمِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ : أَنَّ اللهَ لَا يُكَرِّرُ الْكَلَامَ ، فَلَا هُمْ يَفْهَمُونَ كِتَابَ اللهِ . إِنَّ اللهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ ، وَكَرَّرَ ذِكْرَ مُوسَى ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ فِي مَوَاضِعَ ، وَكَرَّرَ " فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ " وَلَمْ أَتَوَهَّمْ أَنَّ مُسْلِمًا يَتَوَهَّمُ أَنَّ اللهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مَرَّتَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللهِ مَخْلُوقٌ ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : خَلَقَ اللهُ شَيْئًا وَاحِدًا مَرَّتَيْنِ . [قلت -بشار- القرآن المُنزَل عَلَمٌ على صفة الكلام الذاتي وليس هو، بل يدل عليه، إذ المنزل لغة عربية وكلام الله الذاتي ليس لغة لا عربية ولا أعجمية، وقولنا عن القرآن المنزل كلام الله بمعنى أنه ليس من تأليف بشر ولا ملك، مع أنه ليس الكلام الذاتي، لأن كلام الله الذاتي الذي هو صفة ذاته قائم بذاته، ليس لغة ولا حرف ولا صوت]


قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : لَمَّا وَقَعَ مِنْ أَمْرِنَا مَا وَقَعَ ، وَجَدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَنْصُورٌ الطُّوسِيُّ [المعتزليان] الْفُرْصَةَ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ ، وَاغْتَنَمَ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالْبَرْدَعِيُّ السَّعْيَ فِي فَسَادِ الْحَالِ ، انْتَصَبَ أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ لِلتَّوَسُّطِ فِيمَا بَيْنَ الْجَمَاعَةِ ، وَقَرَّرَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ اعْتِرَافَنَا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ ، وَبَيَّنَ لَهُ غَرَضَ الْمُخَالِفِينَ فِي فَسَادِ الْحَالِ ، إِلَى أَنْ وَافَقَهُ عَلَى أَنْ نَجْتَمِعَ عِنْدَهُ ، فَدَخَلْتُ أَنَا ، وَأَبُو عَلِيٍّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ : مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ أَيُّهَا الْأُسْتَاذُ مِنْ مَذَاهِبِنَا حَتَّى نَرْجِعَ عَنْهُ ؟ قَالَ : مَيْلَكُمْ إِلَى مَذْهَبِ الْكُلَّابِيَّةِ ، فَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ مِثْلِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ .


حَتَّى طَالَ الْخِطَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقُلْتُ : قَدْ جَمَعْتُ أَنَا أُصُولَ مَذَاهِبِنَا فِي طَبَقٍ ، فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ الطَّبَقَ ، فَأَخَذَهُ وَمَا زَالَ يَتَأَمَّلُهُ وَيَنْظُرُ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَسْتُ أَرَى هَاهُنَا شَيْئًا لَا [ ص: 381 ] أَقُولُ بِهِ . فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ خَطَّهُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ ، فَكَتَبَ آخِرَ تِلْكَ الْأَحْرُفِ ، فَقُلْتُ لِأَبِي عَمْرٍو الْحِيرِيِّ [الوسيط بالإصلاح]: احْتَفِظْ أَنْتَ بِهَذَا الْخَطِّ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْكَلَامُ ، وَلَا يُتَّهَمَ وَاحِدٌ مِنَّا بِالزِّيَادَةِ فِيهِ . ثُمَّ تَفَرَّقْنَا ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ قَصَدَهُ أَبُو فُلَانٍ وَفُلَانٌ [المعتزليان] وَقَالَا : إِنَّ الْأُسْتَاذَ لَمْ يَتَأَمَّلْ مَا كَتَبَ فِي ذَلِكَ الْخَطِّ ، وَقَدْ غَدَرُوا بِكَ وَغَيَّرُوا صُورَةَ الْحَالِ .


فَقَبِلَ مِنْهُمْ ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي عَمْرٍو الْحِيرِيِّ لِاسْتِرْجَاعِ خَطِّهِ مِنْهُ ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو ، وَلَمْ يَرُدُّهُ حَتَّى مَاتَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَقَدْ أَوْصَيْتُ أَنْ يُدْفَنَ مَعِي ، فَأُحَاجُّهُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ -تَعَالَى- فِيهِ وَهُوَ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ مَخْلُوقًا ، وَلَا مَفْعُولًا ، وَلَا مُحْدَثًا ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ مَخْلُوقٌ أَوْ مُحْدَثٌ ، أَوْ زَعَمَ أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ ، فَهُوَ جَهْمِيٌّ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ [رد على الوهابية]، وَأَقُولُ : لَمْ يَزَلِ اللهُ مُتَكَلِّمًا ، وَالْكَلَامُ لَهُ صِفَةُ ذَاتٍ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا مَرَّةً ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ ، ثُمَّ انْقَضَى كَلَامُهُ ، كَفَرَ بِاللهِ ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ .


فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَهُ تَنْزِلُ أَوَامِرُهُ ضَلَّ ، وَيُكَلِّمُ عِبَادَهُ بِلَا كَيْفٍ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَا كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ إِنَّهُ عَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى ، وَلَا اسْتَوْلَى . وَإِنَّ اللهَ يُخَاطِبُ عِبَادَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا ، وَيُعِيدُ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ . وَسَاقَ سَائِرَ الِاعْتِقَادِ .


قُلْتُ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّبْغِيُّ هَذَا عَالِمَ وَقْتِهِ ، وَكَبِيرَ الشَّافِعِيَّةِ [ ص: 382 ] بِنَيْسَابُورَ ، حَمَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ عِلْمًا كَثِيرًا .


وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ تَرْجَمَةٌ طَوِيلَةٌ فِي " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " تَكُونُ بِضْعًا وَعِشْرِينَ وَرَقَةً ، مِنْ ذَلِكَ وَصِيَّتُهُ ، وَقَصِيدَتَانِ رُثِيَ بِهِمَا .


وَضَبْطُ وَفَاتِهِ فِي ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، عَاشَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً . وَقَدْ سَمِعْنَا " مُخْتَصَرَ الْمُخْتَصَرِ " لَهُ عَالِيًا بِفَوْتٍ لِي . انتهى كلام الذهبي.


بداية الفتنة بين ابن خزيمة وبعض تلامذته


انقسم الناس فرقتين: فرقة تثبت الحرف والصوت وهم السالمية ومن تابعهم من الحنابلة، وفرقة تنكر الحرف والصوت وهم الكُلّابية ومن تبعهم من الأشاعرة.


أما الفرقة الأولى: فقد قالوا بذلك لاقتراب هذه المقولة  الشديد من أهل الحديث، وحكاها غلام الخلال كقولٍ ثانٍ عند حنابلة زمانه، ومُلخص مذهبهم أن الله لا يتكلم بمشيئته، بل الحروف والأصوات قديمة في الأزل، والله يكشف الحُجب عن كلامه القديم لمن شاء من عباده، وحجتهم في ذلك: أن الله لو جدّد كلامه لكان الكلام الجديد حادثًا. فهؤلاء المنزّهة من الحنابلة، ينزهون الله، فلم يخرجهم أهل الحق من دائرة أهل السنة.


وكانت بوادر ظهور هذه الحادثة في المحدِّثين مبكرًا في زمن ابن خزيمة لتشابه مذهبهم بمذهب الإمام أحمد،  فقال بعض المُحدِّثين من تلامذته بِقدم الكلام، وبنوا عليه أن الله لا يُجدد كلامه ولا يكرره لأنه متكلم به في الأزل، لا يطرأ عليه التطوّر والتجدّد، ففهم محمد بن إسحاق بن خزيمة من ذلك نقصًا، والأمر ليس كذلك، لذا تبرأ من قول تلامذته. حيث قال: «أو يقول: إن الله لا يتكلم بعدما كان تكلم في الأزل.. فهو عندي جهمي يُستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه».

البيهقي يحكي الخلاف:

قال البيهقي: ” أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا الفضل البطاييني، ونحن بالري يقول -وكان أبو الفضل يحجب بين يدي أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إذا ركب- قال: خرج أبو بكر محمد بن إسحاق [ابن خزيمة] يومًا قرب العصر من منزله فتبعته وأنا لا أدري مقصده، إلى أن بلغ باب معمر، فدخل دار أبي عبد الرحمن [المعتزلي] ثم خرج وهو منقسم القلب، فلما بلغ المربعة الصغيرة وقرب من خان مكي وقف، وقال لمنصور الصيدلاني: تعال، فعدا إليه منصور، فلما وقف بين يديه قال له: ما صنعتك؟ قال: أنا عطار قال: تحسن صنعة الأساكفة ؟ قال: لا، قال: تحسن صنعة النجارين؟ قال لا، فقال لنا إذا كان العطار لا يحسن غير ما هو فيه، فما تنكرون على فقيه راوي حديث أنه لا يحسن الكلام، وقد قال لي مؤدبي –يعني المزني- غير مرة: كان الشافعي رضي الله عنه ينهانا عن الكلام. قلت: أبو عبد الرحمن هذا كان معتزليًا ألقى في سمع الشيخ شيئًا من بدعته وصوّر له أصحابه، يريد أبا علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي، وأبا بكر بن إسحاق الصبغي، وأبا محمد بن يحيى بن منصور القاضي، وأبا بكر بن أبي عثمان الحيري رحمهم الله أجمعين، أنهم يزعمون أن الله تعالى لا يتكلم بعدما تكلم في الأزل، حتى خرج عليهم وطالت خصومتهم، وتكلم بما يوهم القول بحدوث الكلام، مع اعتقاده قدمه (الأسماء والصفات ص٣٤١). 

قلت -بشار- الشاهد قوله عن نفسه فقيه راوي حديث لا يحسن علم الكلام، أي ليس هو من أهل هذه الصنعة، لذا عتب عليه العلماء في جمعه أحاديث المتشابهات في كتاب واحد وكأنه يدعو للتشبيه، وهو ليس كذلك لكن كونه ليس من أهل علم الأصول خفي عليه خطر ما فعله على العامة، ومعروف أن تلك الأحاديث المتشابهة لم يقلها النبي في مجلس واحد، بل في مجالس مختلفة على مدار ٢٣ سنة من الدعوة، لمختلف من الناس، كل حديث له سببه وسألته وحكمه، فلا نأتي لها ونجمعها في مكان واحد، وكأننا نؤلّف جسدًا للربّ ذا وجه وعين ويد وأصابع، حاشا لله تعالى.

قال الحافظ البيهقي رحمه الله في ختام باب الفرق بين التلاوة والمتلو من كتاب الأسماء والصفات ص259 : “أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الزاهد البوشنجي يقول: دخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي بالري فأخبرته بما جرى بنيسابور بين أبي بكر بن خزيمة وبين أصحابه، فقال: ما لأبي بكر والكلام ؟ إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم نتعلمه. فخرجت من عنده حتى دخلت على أبي العباس القلانسي فقال: كان بعض القدرية من المتكلمين وقع إلى محمد بن إسحاق [ابن خزيمة] فوقع لكلامه عنده قبول. ثم خرجت إلى بغداد فلم أدَع بها فقيها ولا متكلما إلا عرضت عليه تلك المسائل، فما منهم أحد إلا وهو يتابع أبا العباس القلانسي [سني أشعري] على مقالته، ويغتم لأبي بكر محمد بن إسحاق [ابن خزيمة] فيما أظهره. قلت (أي البيهقي): القصة فيه طويلة، وقد رجع محمد بن إسحاق [ابن خزيمة] إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال، والله أعلم ” (الأسماء والصفات ص٢٦٩).

قلت -بشار- بدا لتلاميذ ابن خزيمة أنه لم يفهم مرادهم من الحق لكونه لم يكن من علماء الكلام كما مرّ باعترافه، فصاغوا رسالة فيها بيان حقيقة قولهم في صفة الكلام وعرضوها عليه، فقبلها ووقّع عليها فحمدوا الله، وهذا بيان الخبر

روى الحاكم قال: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق [الصبغي] يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع، وجد أبو عبد الرحمن ومنصور الطوسي [المعتزليان] الفرصة في تقرير مذهبهم، واغتنم أبو القاسم، وأبو بكر بن علي، والبردعي السعي في فساد الحال، انتصب أبو عمرو الحيري للتوسط فيما بين الجماعة، وقرر لأبي بكر بن خزيمة اعترافنا له بالتقدم، وبين له غرض المخالفين في فساد الحال، إلى أن وافقه على أن نجتمع عنده، فدخلت أنا [الصبغي]، وأبو علي [الثقفي]، وأبو بكر بن أبي عثمان [القاضي]، فقال له أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره. حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق، فأخذه وما زال يتأمله وينظر فيه، ثم قال: لست أرى هاهنا شيئا لا أقول به. فسألته أن يكتب عليه خطه أن ذلك مذهبه، فكتب آخر تلك الأحرف، فقلت لأبي عمرو الحيري: احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع الكلام، ولا يتهم واحد منا بالزيادة فيه. ثم تفرقنا، فما كان بأسرع من أن قصده أبو فلان وفلان [المعتزلة] وقالا: إن الأستاذ لم يتأمل ما كتب في ذلك الخط، وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال [كذبا عليه]. فقبل منهم، فبعث إلى أبي عمرو الحيري لاسترجاع خطه منه، فامتنع عليه أبو عمرو، ولم يرده حتى مات ابن خزيمة، وقد أوصيت أن يدفن معي، فأحاجه بين يدي الله تعالى فيه وهو: القرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، ليس شئ من كلامه مخلوق، ولا مفعول، ولا محدث، فمن زعم أن شيئا منه مخلوق أو محدث، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل، فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول: لم يزل الله متكلما، والكلام له صفة ذات، ومن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة، ولم يتكلم إلا ما تكلم به، ثم انقضى كلامه، كفر بالله، وأنه ينزل تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: ” هل من داع فأجيبه “. فمن زعم أن علمه تنزل أوامره، ضل، ويكلم عباده بلا كيف {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] لا كما قالت الجهمية: إنه على الملك احتوى، ولا استولى. وإن الله يخاطب عباده عودا وبدءا، ويعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه، ومن زعم غير ذلك، فهو ضال مبتدع. وساق سائر الاعتقاد (تذكرة الحفاظ [١ /٢١١]).


رأي العلماء في كتاب التوحيد لابن خزيمة

حجة الإسلام الإمام الغزالي في إلجام العوام عن علم الكلام قال:

[...ابن خزيمة...] صنَّف كتابًا في جمع هذه الأخبار خاصة، ورسم في كل عضو بابا فقال: باب في إثبات الوجه، وباب في إثبات اليد، وباب في إثبات العين... إلى غير ذلك، فإن هذه كلمات مفرقة صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات متفرقة متباعدة، اعتمادا على قرائن مختلفة يفهم السامعون معها معاني صحيحة.

فإذا ذكرت مجموعة على مثال خلق الإنسان.. صار جمع تلك المتفرقات في السمع دفعة واحدة قرينة عظيمة في تأكيد الظاهر وإيهام التشبيه، وصار الإشكال في أن رسول الله ﷺ نطق بما يوهم خلاف الحق، أعظم في النفس وأوقع. بل الكلمة الواحدة الفردة يتطرق إليها الاحتمال، فإذا انضم إليها ثانية وثالثة ورابعة من جنسها وصار متواليا.. ضَعّف الاحتمال بالإضافة إلى الجملة.

ولذلك يحصل من الظن بقول مخبرين وثلاثة ما لا يحصل بقول الواحد، بل يحصل من العلم القطعي بخبر التواتر ما لا يحصل بالآحاد، ويحصل من العلم القطعي باجتماع القرائن ما لا يحصل بالآحاد، وكل ذلك نتيجة الاجتماع؛ إذ يتطرق الاحتمال إلى قول كل عدل وإلى كل واحدة من القرائن؛ فإذا اجتمع انقطع الاحتمال أو ضعف، فلذلك لا يجوز جمع المتفرقات. انتهى كلام الغزالي من كتاب إلجام العوام عن علم الكلام، (ص 84).

أما فخر الدين الرازي، فوصف الكتاب بأنه هو في الحقيقة كتاب الشرك، وهاجم فيه أفكار ابن خزيمة باعتبارها تمثّلية، حيث وصفه بأنه من المجسّمة. (تفسير الرازي ج٢٧ ص١٥٠)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم