*أوراقٌ شَعبانيّة 56*
*لؤلؤةُ الأرضِ*
*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*
1- ومَنْ غيرُها يستأهل بجدارة هـٰذه التّسمية "لؤلؤة الأرض"؟! هي كعبةٌ تُزّين وسَط هـٰذه البسيطة، تُنير الدّروب، القلوب... تنشر الطّيوب... وتتوجّه إليها العيون والصّدور والأرواح من كلّ الجهات، مع كمال الهيبة، وجلال الرّهبة، وجمال الأُبّهة.
2- الكعبة شمسٌ في النّهار، وقمرٌ في اللّيل، حيّرت الواصفين من الأدباء والشّعراء، والوالهين من العلماء والحُكماء، والعارفين من الفقراء أهل الصّفاء؛ ماذا أنتِ؟! عيّنةٌ عن جمالات الجنّة، شفاءٌ للمرضى والزّمنى، سلوة للغرباء البُعداء، مَورِد سلسبيل للعَطاشى الظّمأى، سحْر حلال للعيون، مستراح للمسافرين المتعَبين؟!... أنتِ أنتِ.. وكَفَى!
3- عند الكعبة تلتقي القِبلتان، قِبلة الصّلوات وقِبلة الدّعوات، فكلّ مسالك الكعبة تفتح صدْرَها لتؤدّي بالأدعية الصّادقة بإذن الله إلى السّماء صُعُدًا، مهبط الرّحمات، المكان المشرّف عند الله الّذي تنزّه عن السُّكنى فيه وفي أيّ مكان آخر، سبحانه غنيّ عن المكان والزّمان.
4- يظنّ الرّائي لكثرة الحجيج الطّائفين بالكعبة أنّ المكان مزدحم، لكنّ الحقيقة أنّ دروب الطّاعة واسعة للسّالكين، فصحنُ الكعبة دونَه الكونُ الرّحيب، فكأنّك تخرجُ من ضيق الدّنيا لتسبح روحك بالطّواف بالبيت، هنا تجد نفْسك إن ضيّعتَها خارجًا، وهنا تنفتح لك الأبواب والنّوافذ إن حبستك هموم الحياة وغامَ السّواد... هنا الضّوْع والبَوْح والقُرْب، وهُنا المُنى والجَنى والغِنى، وهُنا الهُدى والنّدى والمَدى.
5- وتحينُ منك التفاتة إلى مآذن الكعبة، تحيط بضيوف الرّحمـٰن إحاطة السّوار بالمعصم، هُم في حِمى البيت العتيق أوّل بناء لعبادة الله الواحد في الأرض على يد أول بشريّ رسول آدم عليه السّلام؛ أما فضاء صحن الكعبة وسطحها فمزروع دعوات ورجاءات ونظرات ودمعات، لاستنزال البركات والرّحمات والفيوضات والتّجلّيات، هنا لا تنفكّ العينان تنظران إلى الكعبة تارةً، وإلى السّماء تارةً ثانيةً، وإليهما معًا تارات.
6- الكعبة متعة العينين الّتي لا تُملّ، وعجيبةٌ من عجائب الدّنيا، كيف تخرج منها كل هـٰذه الأنوار والأسرار والأعطار! كيف تجذب الأنظار، تخطف الاهتمام، تأسر الوجدان، تُمْطِر الدّموع، تطلق الآهات، تفجّر المشاعر، تذكّر بأصل الفطرة الإنسانيّة، تعيد مسلسل الحنين منذُ الصّغَر، تُذكّر بالله.. بالدّعاء.. بالسّجود... فترتبط الكلمات، وتحار الحركات، ويهيم القلب في لؤلؤة ملَكوت الأرض اليتيمة، المبارَكة على مرّ الدّهور والعصور.
7- الحمد لله أنّ الله جعل للمؤمنين كعبةً، وألهم نبيّه محمّدًا عليه الصّلاة والسّلام أن يأمر أصحابه بهدم كلّ كعبات الشّرك عند القبائل العربيّة الّتي عُملت محاكاةً للكعبة الأصليّة. فالكعبة واحدةٌ لا غير، مُنْزرعة في القلب، مشتهاة للرُّؤية العيانيّة، فإذا قُوبلت وعُونِقت وقُبّلت كانت النّعمة، وأيُّ نعمة عندما يلتقي الحبيبان!
8- ليست الكعبةُ مجرّد حجر، ولا الطّواف بها فعلًا وثنيًّا، بل هي قبل الأديان الأرضيّة المفتعَلة، طاف بها الإنسانُ الأوّل وزوجه وأولاده على الإسلام؛ والّذي لا يدرك أحكام الطّواف بها حجًّا وعمرةً وتحيّةً للمسجد، ولا يعقل جوهر هـٰذه العبادة، ولا يستشعر الأُنس، ولا تنتابه الخشية، ولا يزداد إيمانًا بالله الواحد، ولا تلامس التّقوى قلبه، ولا ينتشر النّور في صدره، فليراجع نفْسَه، وبأيّ نيّة ذهب، وهل عاد من مكّة بحقيبة هدايا فحسْب!
9- لقد بلغ الحُبّ مداه عند المؤمنين في ما يتعلّق بالكعبة، فتغنّوا بها، وأسموا أولادهم باسمها، وعلّقوا صورها ومجسّماتها في بيوتهم ومكاتبهم ودكاكينهم ودواوينهم، لتذكّرهم بكلّ ما هو جميل، وليُكبروا شأنها، فهي أشهر بيت لعبادة الله في كلّ الكون.
10- *يا أيّها المؤمن، تَمَلَّ بعينيك من روائع هـٰذه الجميلة، حدِّقْ وارتوِ حدَّ الثُّمالة الحلال؛ فرِحًا جَذْلانَ، وتخيّلْ كَمَّ الملائكة الهابطين الصّاعدين الطّائفين الحافّين بها، وتذكّرْ أنبياء الله الّذين طافوا بها كأنّ أطيافهم تمرّ أمامَك، وقدِّرْ عدد الدّعوات الخاصّة والمُحمّلة الموصَى بها الّتي تنطلق بكلّ ألسُن الأرض؛ تعرِفْ ما معنى أن تكون الكعبةُ المشرَّفةُ أشهرَ شعيرة للإسلام، وسفيرةَ المسلمين للعالَميّة.*
د. ش. أسامة شعبان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم