الاثنين، 10 نوفمبر 2025

من أخبار يأجوج ومأجوج

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

سد يأجوج ومأجوج بحسب خريطة الإدريسي في الشمال الشرقي من الأرض، قبل الوصول إليه توجد الأرض المنتنة يليها أرض الخراب ثم السد.

قال ابن الوردي: الأرض المنتنة: وهي أرض ممتدة طولها عشرة أيام في عرض عشرة وهي خرساء الأطناب سوداء الإهاب، وأهلها جرد الثياب، وماؤها غائر ودليلها جائر ورائحتها منتنة وأهويتها وخمة، وهي غربي الأرض الخراب التي خربها يأجوج ومأجوج، وهي بلاد موحشة.

أرض الخراب: بلاد واسعة الأقطار خالية الديار لا يدخلها سالك، ومن دخلها وقع في المهالك لكثرة وبائها ووحشة أرضها وتغير هوائها وكثرة الأمطار وعدم الساكن والسالك ووجود الأخطار. وقيل إنها في هذا الوقت قد عمرت.

أرض يأجوج ومأجوج: والجبل الذي يحيط بهم يسمى فزنان وهو جبل قائم الجنبات لا يصعد عليه أحد وبه ثلوج منعقدة لا تنحل عنه أبداً، وبأعلاه ضباب لا يزول أبداً، وهو ماد من بحر الظلمات إلى آخر المعمورة لا يقدر أحد صعوده، وخلق هذا الجبل من بلاد يأجوج ومأجوج عدد لا يحصى. وفي هذا الجبل حيات وأفاع عظام جداً، وربما رقي هذا الجبل في النادر من يريد أن ينظر إلى ما وراءه فلا يصل إليه ولا يمكنه الرجوع فيهلك، وربما رجع من الألف واحد فيخبر أنه رأى خلف الجبل نيراناً عظيمة.

يقال إن يأجوج ومأجوج كانا أخوين شقيقين تناسلا وكانت لهم غارات على من جاورهم قبل وصول ذي القرنين إليهم، فأخلوا كثيراً من البلاد وأهلكوا غزيراً من العباد، وكانت منهم طائفة عفيفة ينكرون ذلك عليهم، فلما وصل ذو القرنين إليهم وأغار بجيوشه عليهم شكت الطائفة العفيفة إليه يأجوج ومأجوج وما فعلوه في البلاد والأمم المجاورة لهم من الفساد وأنهم على خلاف مذهبهم وبريئون من معتقدهم ومفتعلهم، وشهدت لهم قبائل كثيرة بذلك، فمال إليهم وتركهم خارج السد، وأقطعهم تلك الأراضي يعمرونها ويأكلونها، وهم الخزلجية والسنية والخزخيزية والتغزغزية والكيماكية والجاجانية والأدكش والتركش والخفشاخ والجليخ والغز والبلغار، وأمم عظيمة يطول ذكرها، وسد على المفسدين. وكل المفسدين قصار القدود لا يتجاوز أحدهم ثلاثة أشبار، ووجوههم في غاية الاستدارة وعليهم شعور مثل الزغب وآذانهم مستديرة مسترخية، تلحق أذن الرجل منهم طرف منكبيه. وألوانهم بيض وحمر وكلامهم صفير وفيهم زنا فاحش، وبلادهم ذات أشجار ومياه وثمار وخصب كثير ومواش كثيرة إلا أنها بلاد ثلج ومطر وبرد على الدوام.

حكي عن سلام الترجمان، وكان عارفاً بألسن كثيرة حتى قيل: إنه كان يعرف أربعين لغة ويجاري فيها، أنه رأى هذا السد عياناً وذلك أن أمير المؤمنين الواثق بالله من خلفاء بني العباس بعثه إليه ليراه ويتحقق كيفيته ويخبره بصفته عن حقيقته، فمشى إليه وعاد بعد سنتين وأربعة أشهر فأخبره أنه سار ومن معه حتى وصلوا إلى صاحب السرير بكتاب أمير المؤمنين فأكرمهم وأرسل معهم أدلاء فمضوا حتى دخلوا إلى تخوم سحرت وساروا إلى أرض طويلة ممتدة كريهة الرائحة فقطعوها في عشرة أيام وكان معهم شيء يشمونه لأجل تلك الرائحة التي في تلك الأرض فإنها تأخذ بالقلب، وانفصلوا من تلك الأرض ووقعوا في أرض خراب لا حسيس بها ولا أنيس مسيرة شهر، وخرجوا منها إلى حصون بالقرب من جبل السد، وأهل تلك الحصون يتكلمون بالعربية والفارسية.


وهناك مدينة عظيمة اسم ملكها خاقان أتكش، فسألونا عن حالنا فأخبرناهم أن أمير المؤمنين الخليفة على المسلمين أرسلنا لنرى السد عياناً ونرجع إليه بصفته فتعجب هو ومن عنده منا ومن قولنا أمير المؤمنين الخليفة ولم يعرفوا ما هو؟ وبقي السد عنا فرسخين من هذه المدينة.

ثم سرنا ومعنا أناس منهم حتى سرنا إلى باب بين جبلين عظيمين عرضه مائة وخمسون ذراعاً وفيه باب من حديد طوله مائة وخمسون ذراعاً وقد اكتنفه عضادتان، عرض كل عضادة منهما خمسة وعشرون ذراعاً وارتفاعها مائة وخمسون ذراعاً، وعلى أعلاها دروند من حديد طوله مائة وخمسون ذراعاً وهي العتبة العليا، وفوقه شرافات من حديد، في طرف كل شرافة قرنان من حديد منثنيان إلى الشرافة الأخرى يتصل بعضها ببعض، وكل ذلك من لبن حديد مغيب في نحاس مذاب، وللباب مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خمسون ذراعاً في ثخن أربعة أذرع، وقائمتان في ذروتي الجبلين على قدر الدروند. وعلى الباب قفل من حديد طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع ونصف وارتفاع القفل من الأرض أربعون ذراعاً وفوق القفل بخمسة أذرع حلقة أطول من القفل بخمسة أذرع، وعليها مفتاح معلق طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة سنة من الحديد، معلق في حلقة طولها وعرضها ذراع في ذراع بسلسلة من الحديد المصفى. وعتبة الباب السفلى سمك عشرة أذرع وطولها مائة ذراع من حديد مغموسة الطرفين تحت العضادتين، وكلها بالذراع الرشاشي.

ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في كبكبة عظيمة حتى يأتي الباب، وبأيديهم مرزبات من حديد فيضربون بها على ذلك الباب، فتدوي تلك الأرض ليسمع من خلف الباب من يأجوج ومأجوج، فيعلمون أن هناك حفظة وحراساً. وبعد ضرب الباب ينصتون بآذانهم مستمعين فيسمعون من وراء الباب دوياً كدوي الرعد.

وبقرب هذا السد حصن طوله عشرة أذرع في عشرة، ومع هذا الباب من الجانبين حصنان كل واحد منهما مائة ذراع في مائة ذراع. وبين هذين الحصنين عين ماء عذب. وفي أحد الحصنين بقية من آلات البناء، وهي قدور من حديد ومغارف من حديد، وهي فوق دكك مرتفعة، وعلى كل دكة أربع قدور وهي أكبر من قدور الصابون. وهناك أيضاً بقايا من اللبن الحديد وقد لصق بعضها ببعض من الصدأ، طول كل لبنة ذراع ونصف في عرض ذراع وارتفاع شبرين. وأما الباب المذكور والدروند الذي في أعلاه، والقفل، فكأنما فرغ الصانع من عمله الآن، وهي غير صدئة ولا بالية، قد دهنت بأدهان الحكمة المانعة من الصدأ.

قال سلام الترجمان: سألت من هناك هل رأيتم قط أحداً منهم؟ فأخبروا أنهم رأوا منهم عدداً كثيراً فوق شرفات السد، فهبت بهم ريح عاصف فرمت منهم ثلاثة، كل واحد منهم طوله دون ثلاثة أشبار، ولهم مخاليب موضع الأظفار، وأنياب وأضراس كالسباع، وإذا أكلوا بها يسمع لأكلهم حركة قوية، ولهم أذنان عظيمتان يفترشون الواحدة ويلتحفون الأخرى.

فكتب سلام هذه الصفات كلها في كتاب ورجع إلى الخليفة الواثق بالله.

وقد ذكر بعض أهل العلم أن يأجوج ومأجوج يرزقون التنين -الذي يخرج من البحر الأسود تحمله السُّحب وتلقيه لهم-، يقذفه عليهم السحاب فيأكلونه، وإنما يقذف عليهم ذلك في أيام الربيع في كل عام، فإذا تأخر ذلك عن وقته المعهود استمطروه كما يستمطر الناس الغيث. وحكى صاحب كتاب العجائب أن في داخل بلاد يأجوج ومأجوج نهراً يسمى المسهر لا يعرف له قعر، وإذا تقاتلوا وأُسر بعضهم طرحوا الأسرى في ذلك النهر فيرون عند ذلك طيوراً عظاماً تخرج إلى من يطرح في ذلك النهر من كهوف هناك في جانبي الوادي، فتخطفهم قبل أن يصلوا إلى الماء وترتفع بهم إلى تلك الكهوف فتأكلهم هناك. ويقال إن بهذا الوادي ناراً تتأجج طول الزمان بقدرة الله تعالى وليس وراء يأجوج ومأجوج إلا المحيط والله سبحانه وتعالى أعلم: " وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلا هو وما هيَ إلا ذِكرى للبشَر "" ويخلُق ما لا تعلمون، وعلى اللهِ قَصْدُ السبيل ".

انتهى فصل البلدان والأقطار ولنسرع الآن في ذكر الجبال والبحار والجزائر والآبار وما بها من العجائب للاعتبار.


من كتاب : خريدة العجائب وفريدة الغرائب المؤلف : سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي (المتوفى : ٨٥٢هـ) المنسوب خطأ : للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي المحقق : أنور محمود زناتي - كلية التربية ، جامعة عين شمس الناشر : مكتبة الثقافة الإسلامية ، القاهرة الطبعة : الأولى ، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م

سرج الدين ابن الوردي ( ت ٨٥٢ هـ )

هو: سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي، المتوفى سنة (٨٥٢ هـ/١٤٤٧ م) وقيل سنة (٨٦١ هـ / ١٤٥٧ م).
كان ابن الوردي الحفيد عالما زراعياً وجغرافيا، وقد ألف كتابا بعنوان: منافع النبات والثمار والبقول والفواكه، وله كتاب بعنوان: فرائض وفوائد، وأشهر كتبه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" ولكن هذا الكتاب منسوب إلى جده القاضي عمر بن الوردي (ت ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٨ م). وقد ألف ابن الوردي هذا الكتاب حسب ما ذكره المؤلف سنة ٨٢٢ هـ/ ١٤١٩ م، أي بعد وفاة ابن الوردي الكبير (الجد) بمدة إحدى وسبعين سنة شمسية.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم