الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
بحر الصين وجزائره وما به من العجائب والغرائب: ويسمى هذا البحر بأسماء عديدة: بحر الصين وبحر الهند صنجي، وهو متصل بالمحيط من المشرق: وليس على وجه الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط، وهو كثير الموج عظيم الاضطراب بعيد القعر، فيه المد والجزر، كما في بحر فارس؛ ويستدل على هيجان هذا البحر بأن يطفو السمك على وجهه قبل هيجانه بيوم واحد، ويستدل على سكونه ببيض طائر معروف يبيض على وجه الماء في مجتمع القذى، وهو طائر لا يأوي الأرض أبداً ولا يعرف إلا لجة البحر، في هذا البحر مغاص اللؤلؤ يطلع منه الحب الجيد الذي لا قيمة له، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعلمه إلا الله عدداً إلا أن بعضها مشهور يصل إليه الناس، قيل إن فيه اثني عشر ألف جزيرة عامرة مسكونة وبها عدة ملوك، وفي بعض جزائره ينبت الذهب ويكثر في بعض السنين ويقل في بعضها كالنبات.
فمن جزائره جزيرة زانج وتشمل جزائر كثيرة في آخر حدود الصين وأقصى بلاد الهند، عامرة خصبة ليس فيها خراب، يسافرون فيها بلا ماء ولا زاد لكثرة الخصب والعمارة، وهي نحو مائة فرسخ.
قال محمد بن زكريا: وملك هذه الجزيرة يسمى المهراج، وله جباية تقطع في كل يوم ثلاثمائة من الذهب، في كل من ستمائة درهم فيتحصل له في كل يوم ما يزيد على مائة ألف مثقال وخمسة وعشرين ألف مثقال، يتخذ منها لبناً ويطرحه في البحر وهو خزانته.
وقال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة سكان تشبه الآدميين إلا أن أخلاقهم بالوحوش أشبه، ولهم كلام لا يفهم، وعندهم أشجار وهم يطيرون من شجرة إلى شجرة وبها نوع من السنانير الوحشية حمر منقطة ببياض، أذنابها كأذناب الظباء؛ وبها أيضاً نوع من السنانير المذكورة ولها أجنحة كأجنحة الخفاش، وبها أبقار وحشية حمر منقطة ببياض أيضاً ولحومها حامضة وبها دابة الزباد وهي كالهرة، وفأرة المسك، وبها جبل يقال له النصان مشهور به، وبه حيات عظام تبتلع الفيلة، وبه قردة كأمثال الجواميس والكباش الكبار؛ ومن القردة ما هو أبيض ومنها ما هو كالقرطاس، ومنها ما هو أبيض الظهر أسود البطن وبالعكس؛ ومنها ما هو أسود كالفأر. وبها من الببغاء وهي الدرة شيء كثير بيض وحمر وصفر وخضر، ويتكلمون مع الناس بأي لسان سمعوه منهم. وبها خلق على صورة الإنسان وهم بيض وسود وشقر وخضر يأكلون ويشربون ويتكلمون بكلام لا يفهم، ولهم أجنحة يطيرون بها.
حكى ابن السيرافي قال: كنت ببعض جزائر الزانج فرأيت ورداً كثيراً أحمر وأبيض وأزرق وأصفر وألواناً شتى، فأخذت ملاءة وجعلت فيها شيئاً من ذلك الورد الأزرق. فلما أردت حملها رأيت ناراً في الملاءة فأحرقت جميع ما كان فيها من الورد، ولم تحترق الملاءة، فسألت الناس عن ذلك فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة ولا يمكن اخراجه من هذه الغياض بوجه أبداً.
وفي هذه الجزيرة شجر الكافور وهو شجر عظيم هائل تظل كل شجرة مائة انسان وأكثر. وفي هذه الجزيرة قوم يعرفون بالمخرمين، مخرمة أنوفهم. وفيها حلق بها سلاسل إذا جاءهم عدو لمحاربتهم قدموا أولئك المخرمين متسلحين، ويأخذ كل رجل بطرف سلسلة من تلك الرجال المخرمة، يمنعه بها من التقدم إلى العدو، فإن انتظم صلح بين العدو وأهل الجزيرة فلا يفلتون من السلاسل وإن لم ينتظم صلح لفت تلك السلاسل في أعناقهم وأطلقوهم على العدو فيحطمون العدو حطمة واحدة ويأكلون منهم كل من وقعت أعينهم عليه، ولا يثبت لحطيمهم أحد أبداً.
جزيرة رامي: وهي جزيرة عظيمة طويلة عريضة طيبة التربة معتدلة الهواء أبداً، بها معاقل ومدن وقرى وطولها سبعمائة فرسخ. قال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة عجائب كثيرة. منها أناس حفاة عراة، رجال ونساء، على أبدانهم شعور تغطي سوآتهم، ومآكلهم من الثمار، ويستوحشون من الناس وينفرون منهم إلى الغياض، وطول أحدهم أربعة أشبار، وبشعرهم زغب أحمر، وهم لا يلحقون لسرعة جريهم. وبساحل هذه الجزيرة قوم يلحقون المراكب في البحر سباحةً، وهي تجري في تيارها فيبيعونهم العنبر بالحديد، ويحملون الحديد في أفواههم ويرجعون إلى الجزيرة ولا يدرى ما يصنعون به.
وحكى الجهاني: أن بهذه الجزيرة الكركدن، وهو حيوان على شكل الحمار إلا أن على رأسه قرناً واحداً وهو منعقف. وفيه منافع كثيرة منها أنه يصنع منه أنصبة لسكاكين الملوك وتحط على المائدة، فإن كان الطعام مسموماً عرق ذلك النصاب واختلج، ويصنع منه حلية للمناطق تبلغ قيمة المنطقة المحلاة بقرن الكركدن أربعة آلاف مثقال من الذهب. وأكثر هذه المناطق تعمل ببلاد الصين، وفي رقبة هذا الحيوان اعوجاج كاعوجاج رقبة الجمل أو دونه؛ وبهذه الجزيرة جواميس بغير أذناب؛ وبها شجر الكافور والبقر والخيزران وعرقه دواء من سم الحيات والأفاعي، وبها طيب عطر ومعادن كثيرة.
جزيرة الرخ: وهذا الرخ الذي تعرف به هذه الجزيرة طير عظيم غريب مهول الهيئة حتى قيل إن طول جناحه الواحد نحو عشرة آلاف باع؛ ذكر ذلك الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في كتابه المسمى بكتاب الحيوان، وكان قد وصل إليه رجل من أهل الغرب ممن سافر إلى الصين وأقام به وبجزائره مدة طويلة وحضر بأموال عظيمة وأحضر معه قصبة ريشة من جناح فرخ الرخ وهو في البيضة لم يخرج منها للوجود، فكانت تلك القصبة من ريش ذلك الفرخ تسع قربة ماء، وكان الناس يتعجبون لذلك، وكان هذا الرجل يعرف بالصيني لكثرة اقامته هناك، واسمه عبد الرحمن المغربي وكان يحدث بالغرائب، منها ما ذكر أنه سافر في بحر الصين فألقتهم الريح في جزيرة عظيمة كبيرة واسعة فخرج إليها أهل السفينة ليأخذوا الماء والحطب ومعهم القوس والحبال والقرب وهو معهم، فرأوا في الجزيرة قبة عظيمة بيضاء لماعة براقة أعلى من مائة ذراع، فقصدوها ودنوا منها فإذا هي بيضة الرخ فجعلوا يضربونها بالقوس والصخور والخشب حتى انشقت عن فرخ الرخ كأنه جبل راسخ فتعلقوا بريشة من جناحه ولم تكمل خلقة الريشة فقتلوه.
قال: وحملوا ما أمكنهم من لحمه وقطعوا أصل الريش من حد القصبة ورحلوا. وكان بعض من دخل الجزيرة قد طبخ من اللحم وأكل، وكان فيهم مشايخ بيض اللحى فلما أصبح المشايخ وجدوا لحاهم قد اسودت ولم يشب بعد ذلك أحد من القوم الذين أكلوا فكانوا يقولون إن العود الذي حركوا به ما في القدر من لحم فرخ الرخ كان من شجرة الشباب والله أعلم.
قال: فلما طلعت الشمس والقوم في السفينة وهي سائرة بهم إذ أقبل الرخ يهوي كالسحابة العظيمة، وفي رجليه قطعة جبل كالبيت العظيم وأكبر من السفينة، فلما حاذى السفينة من الجو ألقى ذلك الحجر عليها وعلى من بها، وكانت السفينة مسرعة في الجري فسبقت الحجر فوقع الحجر في البحر، وكان لوقوعه هول عظيم في البحر، وكتب الله لنا السلامة ونجانا من الهلاك.
ومنها جزيرة القرود: وهي كبيرة وبها غياض، وقرود كثيرة، وللقرود ملك تنقاد إليه ويجعلونه على أكتافهم وأعناقهم، وهو يحكم عليهم حكماً لا يظلم به أحداً، ومن وصل إليهم في المراكب عذبوه بالعض والخمش والرجم، ويتحيل عليهم أهل جزيرة خرتان ومرتان فيصيدونها ويبيعونها بالثمن الغالي. وأهل اليمن يرغبون فيها ويتخذونها في حوانيتهم حرساً كالعبيد، وهم في غاية الذكاء.
وجزيرة البيمان: وهي جزيرة عامرة وبها مدينة كبيرة، وأهلها ذوو بأس وشدة؛ ومن سننهم أنه إذا خطب الرجل عندهم امرأة لا يزوجونه حتى يذهب فيأتيهم برأس مقطوع فحينئذ يزوجونه امرأة بغير صداق ولا مهر، وإن أتاهم برأسين زوجوه بامرأتين، وإن أتى بثلاث زوجوه ثلاثة، وإن أتى بعشرة فعشر، فيصير عندهم معظماً مهيباً جليلاً. وبها من شجرة البقم والخيزران وقصب السكر ما لا يوصف، وبها مياه جارية وأنهار عذبة وثمار مختلفة.
وجزيرة الواق واق: وهي جزيرة كبيرة، وعندهم ذهب كثير بلا وصف حتى إنهم يتخذون سلاسل الكلاب والدواب من الذهب، وأما أكابرهم فيصنعون لبناً من الذهب ويبنون به قصوراً أو بيوتاً باتقان وإحكام.
ومن جزائرها جزيرة البنات بها قوم عراة الأبدان بيض الألوان حسان الصور يأوون إلى رؤوس الأشجار ويتصيدون الناس فيأكلونهم، ووراء هذه الجزيرة جزيرتان عظيمتان فيهما أناس عظام الأجسام حسان الوجوه سود الألوان، شعورهم مسلسلة مختلفة وأقدامهم أطول من ذراع، لهم أخلاق صعبة عادية. وهذه الجزيرة متصلة بالزانج والمسير إليها بالنجوم، وهي ألف وسبعمائة جزيرة عامرة والذهب بها كثير.
وملكة هذه الجزائر امرأة تسمى دمهره، وتلبس حلة منسوجة بالذهب، ولها نعلان من ذهب، وليس يمشي في هذه الجزائر أحد بنعل غيرها. ومتى لبس غيرها نعلاً قطعت رجليه. وتركب في عبيدها وجيوشها بالفيلة والرايات والطبول والأبواق والجواري الحسان، ومسكنها جزيرة تسمى أنبونة، وأهل هذه الجزيرة حذاق بالصنائع حتى إنهم ينسجون القمصان قطعة واحدة بأكمامها وأبدانها، ويعملون السفن الكبار من العيدان الصغار ويعملون بيوتاً من الخشب تسير على وجه الماء. هذا ما نقله الجواليقي.
وأما ما ذكره عيسى بن المبارك السيرافي فإنه قال: دخلت على هذه الملكة فرأيتها عريانة على سرير من الذهب، وعلى رأسها تاج من الذهب، وبين يديها أربعة آلاف وصيفة أبكار حسان، وهن على مذهب المجوس وهن مكشوفات، ومنهن من تتخذ الأمشاط، اثنين وثلاثة وأربعة إلى عشرين. ولهذه الملكة جبايات كثيرة تتصدق بها على صعاليك أرضها ويتحلون بالودع ويدخرونه عندهم وفي خزائنهم. وبهذه الجزيرة شجر تحمل ثمراً كالنساء بصور وأجسام وعيون وأيد وأرجل وشعور وأثداء وفروج كفروج النساء، وهن حسان الوجوه، وهن معلقات بشعورهن، يخرجن من غلف كالأجربة الكبار، فإذا أحسسن بالهواء والشمس يصحن: واق واق، حتى تتقطع شعورهن فإذا انقطعت ماتت. وأهل هذه الجزيرة يفهمون هذا الصوت ويتطيرون منه.
وفي كتاب الحوالة أنه من تجاوز هؤلاء وقع على نساء يخرجن من الأشجار أعظم منهن قدوداً وأطول منهن شعوراً، وأكمل محاسن وأحسن أعجازاً وفروجاً، ولهن رائحة عطرة طيبة، فإذا انقطعت شعورها ووقعت من الشجرة عاشت يوماً أو بعض يوم وربما جامعها من يقطعها أو يحضر قطعها فيجد لها لذة عظيمة لا توجد في النساء.
وأرضهن أطيب الأراضي وأكثرها عطراً وطيباً، وبها أنهار أحلى ماءً من العسل والسكر المذاب، وليس بها أنيس ولا عامر إلا الفيلة وربما بلغ ارتفاع الفيل في هذه الجزيرة أحد عشر ذراعاً.
وبها من الطير شيء كثير. وليس يعلم ما وراء هذه الجزيرة إلا الله تعالى. ويخرج من بعض هذه الجزائر سيل عظيم يسيل كالقطرة يصب في البحر فيحرق السمك في البحر فيطفو على الماء.
وجزيرة جالوس: وهي جزيرة بها قوم مستوحشون عراة يأكلون الناس وليس لهم ملك ولا دين، وأكلهم الموز والنارجيل وقصب السكر. وفي هذه الجزيرة جبل ترابه فضة كالبرادة الناعمة.
وجزيرة الموجة: وهي جزيرة عظيمة وبها عدة ملوك. وأهلها بيض شقر مخرومون الآذان كأهل الصين، وعندهم الخيول البحرية يركبونها. وعندهم دابة المسك ودابة الزباد؛ ونساؤهم أجمل النساء وأحسنهن خلقاً وخلقاً، وأرحامهن كالحلقة لاصقة، وإذا وقفت المرأة الطويلة على قدمها ومشت تسحب شعرها خلفها على الأرض. وهذه النساء من أعظم النساء أعجازاً وأدقهن خصوراً، باديات الوجوه ساحبات الشعور، لا يستترن من أحد أصلاً.
وجزيرة السحاب: وهي جزيرة كبيرة سميت بهذا الاسم لأنه يطلع عليها سحاب أبيض ويعلو عن المراكب في البحر، ويخرج منه لسان طويل دقيق مع ريح عاصف حتى يلتصق ذلك اللسان بالبحر فيغلي البحر كالقدر الفائر ويضطرب كالزوبعة الهائلة، فإذا أدرك المراكب ابتلعها، وبهذه الجزيرة تلول إذا أضرمت فيها النار سالت منها الفضة الخالصة.
وجزيرة هلائي: وهي جزيرة كبيرة من أعظم الجزائر وأوسعها قطراً وأعظمها عمارة، وهي معترضة من المشرق إلى المغرب، ولأهلها قصور وبيوت يتخذونها من الخشب على وجه الماء وأرحاء تدور بالريح على الماء؛ وبها أنواع الطيب والعطر الفاخر وعندهم الموز والأرز والنارجيل وقصب السكر؛ وبها معدن الذهب والفيلة البيض والكركند؛ ولها ملك عظيم مهيب كثير الجيوش والجنود؛ وله المراكب البهية من الخيل والفيلة العجيبة.
جزيرة القمر: وهي جزيرة طويلة عريضة، طولها من المشرق أربعة أشهر؛ وبها مدينة تسمى: لان؛ وهي سكن الملك، وهي مخصبة؛ بها أشجار وثمار وأنهار وغياض؛ وبها النارجيل وقصب السكر؛ وبهذه الجزيرة تصنع ثياب الحشيش الغريبة النوع التي لا نظر لها في الدنيا ولا بهجة للحرير والديباج عندها، ويصنع بها نوع من الحصر المرقومة المنقوشة التي تأخذ بالأبصار وتذهب بالعقول حسناً وبهجة، تلبسها الملوك فوق البسط الحرير ويعمل بها مراكب منحوتة من قطعة واحدة وخشبة واحدة؛ وطول كل مركب ستون ذراعاً بالرشاشي، تحمل مائتي مقاتل وتسمى السفينات.
وحكى بعض التجار أنه رأى هناك مائدة يأكل عليها مائة وخمسون رجلاً وهي قطعة واحدة مستديرة. وملك هذه المدينة لا يقوم بخدمته إلا المخنثون ويلبسون الثياب النفيسة، ويتحلون مثل النساء واسمهم النتيانة. ويتزوجون بالرجال كالنساء؛ يخدمون الملك بالنهار ويرجعون إلى أزواجهم بالليل من غير أن يعارضوا في ذلك.
جزيرة السعالي: وهي جزيرة عظيمة بها شخوص مشوهة الخلق منكرة الصور لا يدرى ما هم، وزعم قوم أنها شياطين تتولد من الجن والإنس تأكل من وقع لهم من الإنس.
جزيرة التمسح: وهي جزيرة بها قوم أذنابهم كالكلاب وأبدانهم كأبدان الإنسان، ولهم ملك منهم.
جزيرة أطوران: وهي كبيرة وبها أنواع من القردة كالحمر عظماً، وبها الكركدن الكثير. ذكر أن مراكب الإسكندر وصلت إليهم وإلى جزيرة أخرى بها قوم على أشكال أبدان الإنسان، ووجوههم ورؤوسهم كالسباع، فلما قربوا منهم غابوا عن أبصارهم ولم يعلموا كيف ذهبوا؟.
جزيرة النساء: وهي جزيرة عظيمة وليس بها رجل أصلاً. ذكروا أنهن يلقحن ويحملن من الريح ويلدن نساء مثلهن. وقيل إن بأرض تلك الجزيرة نوعاً من الشجر فيأكلن منه فيحملن وإن الذهب في أرضها عروق كعروق الخيزران، وترابها كله ذهب ولا التفات للنساء إلى ذلك.
وذكر بعضهم أن رجلاً ساقه الله إلى تلك الجزيرة فأردن قتله فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة وسيبته في البحر فلعبت به الأمواج فرمته في بعض بلاد الصين فأخبر ملك تلك الجزيرة بما رأى من النساء وكثرة الذهب، فوجه مراكب ورجالاً معه فأقاموا زمناً طويلاً في البحر يطوفون على تلك الجزيرة فلم يقعوا لها على أثر.
جزيرة سرنديب: وهي جزائرة كثيرة، وفي هذه الجزائر مدن كثيرة، وفيها الجبل الذي أهبط عليه آدم عليه السلام، ويسمى جبل الراهون وعليه أثر قدم آدم عليه السلام؛ وعلى القدم نور لماع يخطف البصر. وأسفل هذا الجبل توجد سائر الأحجار الثمينة النفيسة. ولهذه الجزائر بحر فيه مغاص اللؤلؤ الفاخر ويجلب منها الدر والياقوت والسنباذج والألماس والبلور وجميع أنواع العطر؛ وتسافر المراكب فيها الشهر والشهرين بين غياض ورياض. ولملك هذه الجزائر صنم من الذهب مكلل بالجواهر وليس عند أحد من الملوك ما عنده من الدر والجواهر النفيسة لأن أصنافها كلها في بلاده وجباله، ويحمل إليه الخمس من كل ما يوجد ويستخرج من عراق العجم وفارس، ويقال إن بهذه الجزائر مساكن وقباباً بيضاً تلوح للناس من بعد فإذا قربوا منها تباعدت حتى ييأسوا منها.
وأما عجائب هذا البحر: فمنها ما ذكروا أنه إذا كثرت أمواجه ظهرت أشخاص سود طول كل واحد منهم أربعة أشبار كأنهم أولاد الأحابيش، يصعدون إلى المراكب من غير ضرورة ولا أذى، وظهورهم يدل على خروج ريح مهلك يسمى الخب.
وحكي أيضاً أنهم يرون في هذا البحر طائراً يطير وهو من نور لا يستطيع أحد النظر إليه، فإذا ارتفع على صاري المركب سكنت الريح وهدأت أمواج البحر وهو دليل السلامة، ويفقدونه ولا يعلمون أين يذهب؟.
ومن العجائب: أن طائراً في هذا البحر يسمى خرشنة أكبر من الحمام، ذكر في كتاب تحفة الغرائب أن هذا الطائر إذا طار يأتي طائر آخر يقال له كركر ويطير فاتحاً فاه يتوقع ذرق خرشنة ليقع في فيه فيأكله، وليس له قوت سواه ولا يذرق خرشنة هذا إلا وهو طائر.
ومنها دابة المسك البحري، وهي دابة تخرج من البحر كل سنة في وقت معلوم بكثرة عظيمة، فتصاد وتذبح فيوجد المسك في سرتها كالدم، وهذا المسك هو أفخر الأنواع غير أنه في مكانه وبلده لا ريح له أبداً، فإذا خرج من حد بلاده ظهر ريحه وكلما بعد زاد ريحه.
ومنها دابة تسمى ملكان تستوطن جزيرة هناك لها رؤوس كثيرة ووجوه مختلفة وأنياب معلقة ولها جناحات وهي تأكل دواب البحر، وقيل إنا تصادف برسم مراكب الملوك إذا ركب الملك قادوها أمام موكبه وألبسوها الجلال الحرير ويزينونها.
ومنها سمكة تزيد على خمسمائة ذراع توجد عند جزيرة واق واق المذكورة، إذا رفعت جناحها كانت كالجبل العظيم، يخاف على السفن منها، فإذا رأوها صاحوا وضربوا الطبول وأضرموا المكاحل النفطية حتى تهرب عنهم.
ومنها سلاحف كبار استدارة كل سلحفاة أربعون ذراعاً بذراعهم، تبيض كل واحدة ألف بيضة وظهرها الدبل الفاخر، وأهل اليمن يتخذون من ظهورها قصعاً كباراً وجفاناً هائلة لغسلهم ومأكلهم.
ومنها سمكة تسمى سيلان تقعد على البر يومين حتى تموت، فإذا جعلت في القدر وكان رأس القدر مغطى نضجت واستوت، وإن كان رأس القدر مكشوفاً طارت منه وتختفي فلا يعلم أين تذهب.
ومنها سمكة تسمى الأطم ووجهها كوجه الخنزير، ولها فرج كفرج المرأة، ولها مكان الفلوس شعر، وهي طبقة لحم وطبقة شحم، ويرغبون في أكلها لطيب لحمها.
ومنها سرطانات قدر كل واحد كالترس الصغير، يخرج من الماء بسرعة، فإذا سار في البر انعقد حجراً في الحال.
ومنها حيات عظام تخرج من البحر فتبتلع الفيل العالي الهائل، وتنطوي على شجرة عظيمة تجذبها أو على صخرة فتنكسر عظام الفيل في بطنها وتسمع قعقعة ذلك على بعد.
ومنها سمكة تسمى هبير، من رأسها إلى صدرها مثل الترس، ولها عيون كثيرة تنظر بها وباقي بدنها طويل مثل الحية في مقدار ثلاثين ذراعاً، ولها أرجل كثيرة، ومن صدرها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار كل سنة منها في طول شبر كالحديد في الصلابة أو الفولاذ في القطع، ولا تتصل بشيء من المراكب إلا شقته ولا تضرب شيئاً إلا قطعته نصفين ولا تنطوى على شيء إلا أهلكته وتسمى أيضاً القرش، وفي هذا البحر الدردور، وهو إذا وقعت فيه سفينة لا تنجو منه.
حكى بعض التجار قال: ركبنا في هذا البحر ومعنا جمع من التجار فهبت علينا ريح عاصفة صرفت المركب عن القصد، وكان رئيس المركب شيخاً أعمى إلا أنه حاذق بالرياسة، وكان معه في السفينة حبال كثيرة فكان رجاله يقولون له: لو كان موضع هذه الحبال ركاب لانتفعنا بأجرتهم، وكان يسأل التجار في كل وقت ماذا ترون فيقولون: ما نرى شيئاً. ولم يزل كذلك حتى قالوا له: نرى طيوراً سوداً على وجه الماء، فصاح الشيخ ولطم وجهه وقال: هلكنا والله لا محالة؛ فلما سألناه عن السبب قال: سترون ذلك عياناً. فما كان مقدار ساعتين حتى وقعنا في الدردور، وإذا بالذي كنا نراه كالطيور السود مراكب وبها أناس موتى؛ قال: فتحيرنا وانقطع رجاؤنا من الخلاص والحياة؛ فقال الشيخ: هل لكم أن تجعلوا لي نصف أموالكم وأنا أتحيل في خلاصكم إن شاء الله تعالى؟ فقلنا: نعم قد رضينا! قال: فأعطانا قنينتين قد ملئتا بالدهن فأدليناهما في البحر فاجتمع عليهما من السمك ما لا يعد ولا يحصى ثم أمرنا أن نطرح تلك الموتى الذين في المراكب إلى البحر بعد شدهم بالحبال التي كانت عنده في المراكب ففعلنا ورمينا بهم وأطراف الحبال مشدودة بمركبنا؛ فابتلع السمك الموتى ثم أمرنا بالصياح وضرب الطبول والصنوج والأخشاب ففعلنا ذلك فتفرقت الأسماك وأطراف الحبال في بطونها مشدود بها الموتى، وإذا بالمركب قد تحرك من مكانه وأقلع وجرى ولم يزل يجري حتى خرجنا من الدردور، فصاح الرئيس: اقطعوا الحبال عاجلاً فقطعناها ونجونا بقدرة الله من الهلاك، فقال الرئيس للجماعة: تلومونني على حمل هذه الحبال فانظروا كيف كانت سبباً لحياتكم وسلامتكم، فحمدنا الله تعالى وشكرنا الرئيس لنظره في العواقب.
من كتاب : خريدة العجائب وفريدة الغرائب
المؤلف : سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي (المتوفى : ٨٥٢هـ)
المنسوب خطأ : للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي
المحقق : أنور محمود زناتي - كلية التربية ، جامعة عين شمس
الناشر : مكتبة الثقافة الإسلامية ، القاهرة
الطبعة : الأولى ، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم