الجمعة، 28 نوفمبر 2025

نبي الله إلياس عليه السلام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

ورد ذكر إلياس في القرآن، والسنة النبوية. فقد ورد ذكره في القرآن 3 مراتٍ؛ مرةً في سورة الأنعام، ومرتين في سورة الصافات (على اعتبار أنَّ إلياسين هو نفسه إلياس؛ وذلك لأنَّ العرب تُلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها).


ففي سورة الصافات قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ١٢٥ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٢٧ إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ١٢٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ١٢٩ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ١٣٠ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ١٣١ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ١٣٢﴾.


وفي سورة الأنعام، ذُكر أنه من ذُرية النبي إبراهيم وأنه من الصالحين، وذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ٨٥﴾.

إِلْيَاس عليه السلام من أنبياء بني إسرائيل المذكورين في القرآن الكريم، ويُعتقد أنه هو نفسه إيليا المذكور في العهد القديم.

هذه الآيات هي كل ما يذكره القرآن الكريم من قصة إلياس. لذلك اختلف المؤرخون في نسبه وفي القوم الذين أُرسل إليهم. فقال الطبري: «أنه إلياس بن ياسين بن فنحاص بن أليعازر بن هارون». وقيل: إلياس بن العازر بن أليعازر بن هارون بن عمران، كما قيل: إلياس بن ياسين بن فنجاص بن عنزار ابن النبي هارون. وقيل: إلياس بن يس بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران. يعتقدُ المسلمون برسالة ونبوة إلياس، وذكر العديد من العلماء أنَّ إلياس هو نفسه إيليا. حيثُ ذكر المجلسي «لا يبعد اتحاد إلياس وإليا لتشابه الاسمين والقصص المشتملة عليهما».


إلياس بن ياسين بن فنحاص بن أليعازر بن هارون

أُرسل إلياس إلى أهل بعلبك غربي دمشق، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة صنم لهم كانوا يسمونه «بعلا». وقيل كانت امرأة اسمها بعل والأول أصح، فكذبوه. قال ابن عباس: «إلياس هو عم اليسع». أما ابن كثير فيقول: إن إلياس وإلياسين اسمان لرجل واحد فالعرب تلحق النون في أسماءَ كثيرة وتبدلها من غيرها. يُقال أنَّ النبي إلياس توفي ودفن في بعلبك. ويُوجد مقامٌ ودير للنبي إلياس في البقاع.


جاء في تاريخ الطبري عن ابن إسحاق ما ملخصه:

إن إلياس لما دعا بني إسرائيل إلى نبذ عبادة الأصنام، والاستمساك بعبادة الله وحده رفضوه ولم يستجيبوا له، فدعا ربه فقال: «اللهم إن بني إسرائيل قد أَبَوْا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك، فغيّر ما بهم من نعمتك». فأوحى الله إليه أنَّا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك فأنت الذي تأمر في ذلك، فقال إلياس: «اللهم فأمسك عليهم المطر». فحُبس عنهم ثلاثَ سنين، حتى هلكت الماشية والشجر، وجهد الناس جهدًا كثيرًا، ولمَّا دعا عليهم اختفى عن أعينهم وكان يأتيه رزقه حيث كان، فكان بنو إسرائيل كلما وجدوا ريح الخبز في دار قالوا هنا إلياس فيطلبونه، وينال أهل المنزل منهم شر، وقد أوي ذات مرة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يُقال له اليسع بن خطوب به ضر فآوته وأخفت أمره. فدعا ربه لابنها فعافاه من الضر الذي كان به، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، واليسع غُلامٌ شابٌّ. ثم إن إلياس قال لبني إسرائيل أنهم إن تركوا عبادة الأصنام دعا الله أن يُفرج عنهم. فأخرجوا أصنامهم ومحدثاتهم، فدعا الله لهم ففرج عنهم وأغاثهم، فحييت بلادهم ولكنهم لم يرجعوا عما كانوا عليه ولم يستقيموا، فلما رأى إلياس منهم، دعا ربه أن يقبضه إليه فقبضه ورفعه.


ويذكر ابن كثير أن رسالته كانت لأهل بعلبك غربي دمشق وأنه كان لهم صنم يعبدونه يُسمى «بعلا»، وقد ذكره القرآن على لسان إلياس حين قال لقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ١٢٥﴾


ويذكر بعض المؤرخين أنه عقب انتهاء مُلْك سُليمان بن داوُد عليهما السلام وذلك سنة 933 قبل الميلاد انقسمت مملكة بني إسرائيل إلى قسمين:


الأول: يخضع لِمُلْك سُلالة سُليمان وأول ملوكهم رحبعام بن سليمان.

والثاني: يخضع لأحد أسباط أفرايم بن يوسُف واسم ملكهم جربعام (يربعام).

وقد تشتت دولة بني إسرائيل بعد سُليمان عليه السلام بسبب اختلاف ملوكهم وعظمائهم على السُّلطة، وبسبب الكفر والضلال الذي انتشر بين صفوفهم. وقد سمح أحد ملوكهم وهو أخاب لزوجته بنشر عبادة قومها في بني إسرائيل، وكان قومها عُبَّادًا للأوثان فشاعت العبادة الوثنية، وعبدوا الصنم «بعلا» الذي ذكره القرآن الكريم، فأُرسل إليهم إلياس عليه السلام.


وأرجح الآراء أن إلياس هو النبي المُسمى إيليَّا في العهد القديم، وقيل إن تهجئة «إيليا» هي خطأ إملائي، والصحيح «إلِيَّا».


ذهب بعض العلماء من الصحابة ومن بعدهم إلى أن إلياس وإدريس اسمان لنبي واحد، وأن إلياس هو إدريس وإدريس هو إلياس، وهذا ما ذهب إليه الضحاك بن مزاحم وحكاه قتادة بن دعامة ومحمد بن إسحاق.


وكان عبد الله بن مسعود يقرأ ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ١٣٠﴾ [الصافات:130] فيقول: ﴿سَلامٌ عَلى إدْرَاسِينَ﴾، وكان يقول: إلياس هو إدريس، ويقرأ: «وَإِنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ»، ثم يقرأ على ذلك: «سَلامٌ عَلَى إدْرَاسِينَ»، كما قرأ الآخرون: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ بقطع الآل من ياسين.


وقد رجح ابن كثير الدمشقي أنهما مختلفان وأن إلياس ليس هو إدريس، فقال: «والصحيح أنه غيره كما تقدم». يقول ابن كثير الدمشقي في قصص الأنبياء:

قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس. واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء أنه لما مر به عليه السلام أي بإدريس قال له مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل، كما قال آدم وإبراهيم مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا له.


قلت -بشار- المفارقة أن القوم الذين اخترعوا عبادة الصنم بعلًا هم الفنيقيون العرب أهل لبنان، الذين يسمّيهم أهل الكتاب العماليق، فهل إلياس عليه السلام من بني إسرائيل وأرسل لقوم عرب؟! أم هو من غير بني إسرائيل؟ هل هو من الفنيقيين؟! أم هو من بني إسرائيل وأرسل لقوم من بني إسرائيل قلّدوا الفنيقيين في عبادة بعل؟! الله أعلم.


حاصل القصة


وحاصل قصة هذا النبي عليه السلام أن الله سبحانه بعثه في بني إسرائيل بعد النبي حزقيل عليه السلام، وكانوا قد عبدوا صنماً يقال له: (بعل)، فدعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه. وكان قد آمن به ملكهم، ثم ارتد، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد. فدعا الله عليهم. فحبس عنهم المطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به، إن هم أصابهم المطر. فدعا الله لهم، فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه. وكان قد نشأ على يديه (اليسع بن أخطوب) عليه السلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا، فأي شيء جاءه فليركبه، ولا يهبه، فجاءته فرس من نار، فركب، وألبسه الله النور، وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكاً إنسيًّا، سماويًّا أرضيًّا.


هذه قصة النبي إلياس عليه السلام، رواها ابن كثير عن وهب بن منبه مختصرة، ورواها الطبري بسياق أطول. وقد عقب ابن كثير عليها بقوله: هكذا حكاه وهب عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته.


والذي ينبغي الاهتمام به في هذا الصدد، أنه سبحانه بعث نبيه إلياس إلى بني إسرائيل في فترة من الزمن، وكانوا يعبدون صنماً يقال له: {بعلا} - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: {بعلا} يعني: رباً - فأنكر عليهم عبادة هذا الصنم، ودعاهم إلى عبادة الله وحده خالق كل شيء، وأخبرهم أنه ربهم ورب آبائهم الأولين، بيد أنهم لم يستجيبوا له فيما دعاهم إليه، ولم ينقادوا له فيما طلب منهم، فتوعدهم الله بعذاب يوم القيامة، ولم يذكر سبحانه لهم عقوبة دنيوية. وقد أخبر سبحانه أن الذين أخلصهم ومنَّ عليهم باتباع نبيهم مبعدون عن العذاب، وأن لهم من الله جزيل الثواب. وفي ختام القصة ذكر سبحانه إلياس عليه السلام بذكرٍ حسن على ما قام به من دعوة بني إسرائيل، وأخبر بأن له تحية من الله، ومن عباده عليه، وأثنى عليه كما أثنى على إخوانه النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


هذا ما يفيده نص القرآن الكريم بخصوص قصة هذا النبي عليه السلام، وما وراء ذلك من أخبار، فللنظر فيه مجال.


ما يستفاد من هذه القصة


قصة النبي إلياس عليه كباقي قصص القرآن الكريم، لم يذكرها سبحانه بقصد الإخبار والقصِّ التاريخي، وإنما ذكرها بقصد الاعتبار والاتعاظ، والتحذير مما وقع على الأمم والأقوام السابقين، الذين خالفوا شرع الله، وأعرضوا عن الهدى الذي جاءتهم به الرسل والأنبياء. وعلى الجملة، يستفاد من قصة إلياس عليه السلام العبر التالية:


أولاً: سيقت قصة النبي إلياس في سورة الصافات ضمن عدد من قصص الأنبياء، بغرض تسلية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقيه من قومه، وحملت إنذاراً وتهديداً لكفار قريش، أن عاقبتهم إذا استمروا على كفرهم وإعراضهم العذابُ، وذلك وفق ما جرت عليه سنة الله في مواعدة المعرضين عن ذكره. فالقصة سيقت مساق التحذير والوعيد.


ثانياً: تُذَكِّرُ هذه القصة الناس بأن من أصول الدين أنه لا رب لهم إلا الله، وهذا أول أصول الدين، فالله سبحانه رب آبائهم، فإن آباءهم لم يعبدوا غير الله من عهد آدم عليه السلام، حيث كانوا على دين الفطرة، ولم يطرأ الكفر والشرك عليهم إلا فيما بعد.


ثالثاً: في قصة إلياس عليه السلام إخبار بأن الرسول عليه أداء الرسالة فحسب، ولا يلزم من ذلك أن يشاهد عقاب المكذبين لدعوته، ولا هلاكهم. وفي هذا رد على المشركين الذين قالوا: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} (يونس:48)، فإن هذا السؤال ظلم منهم، حيث طلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس له من الأمر شيء، وإنما عليه البلاغ والبيان للناس، وأما حسابهم وإنزال العذاب عليهم فمن الله تعالى، ينزله عليهم إذا جاء الأجل الذي أجله ، والوقت الذي قدره، والموافق لحكمته الإلهية. فإذا جاء ذلك الوقت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. وقد قال تعالى في هذا المعنى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون} (غافر:77).


والمتحصل من هذه القصة القرآنية، الدعوة إلى التمسك بعبادة الله الواحد الأحد، ونبذ ما سواه من المعبودين، سواء أكانوا حجراً أم بشراً. وإنذار المشركين بالله أن العذاب آتيهم لا محال، إن لم يأتهم عاجلاً، فهو بالتأكيد آتيهم أجلاً. {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4).

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم