السبت، 15 نوفمبر 2025

بحر الهند أو بحر العرب وما فيه من العجائب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 


ومنها بحر الهند: وهو أعظم البحار وأوسعها وأكثرها خيراً ومالاً، ولا علم لأحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط لعظمته وسعته وخروجه عن تحصيل الأفكار، وليس هو كالبحر الغربي، فإن اتصال البحر الغربي بالمحيط ظاهر. ويتشعب من هذا البحر الهندي خليجان أعظمهما بحر فارس ثم بحر القلزم، فالآخذ نحو الشمال بحر فارس والآخذ نحو الجنوب بحر الزنج. قال ابن الفقيه: بحر الهند مخالف لبحر فارس، وفي هذا جزائر كثيرة وقيل إنها تزيد على عشرين ألف جزيرة وفيها من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى فأما ما وصل إليه الناس فأقل قليل.

فمن جزائره جزيرة كله: وهي جزيرة عظيمة بها أشجار وأنهار وثمار، ويسكنها ملك بني جابة الهندي، وبها معادن القصدير وشجر الكافور وهو شبيه بالصفصاف وهي تظل مائة رجل وأكثر، وبها الخيزران، وفي عجائب هذه الجزيرة ما يقع واصفها في حد التكذيب.

جزيرة جابة: وهي كبيرة وبها الموز والنارجيل والأرز والقصب السكري الفائق، وبها العود، ويسكنها قوم شقر وجوههم، على صدورهم شعورهم، وأبدانهم كالناس. وبها جبل عظيم يرى عليه في الليل نار عظيمة ترى من خمسة عشر فرسخاً وبالنهار دخان، ولا يدنو أحد من ذلك الجبل على خمسة فراسخ إلا هلك.

وملك هذه المدينة اسمه جابة، وهو يلبس من الحلل حلة الذهب وتاجاً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت والجواهر النفيسة، ودراهمه ودنانيره مطبوعة على صورته وهيئته، وهو يعبد صنماً، وصلاتهم غناء وتلحين وتصفيق بالأكف واجتماع الجواري الحسان ولعبهن بأنواع من التكسر والتخلع بين يدي المصلي، والكنيسة التي فيها الصنم فيها جوار حسان راقصات متخلعات معدودة لذلك، وذلك إن المرأة إذا ولدت عندهم بنتاً حسنة أخذتها أمها إذا كبرت وألبستها أفخر الملابس والحلي وذهبت إلى الكنيسة وتصدقت بها على الصنم وحولها أهلها وأقاربها من النساء والرجال، ويسلمها الخدمة إلى أناس عارفين بالرقص، والتخلع والتكسر فيعلمونها. ولهذا الملك جزائر كثيرة منها جزيرة هريج وجزيرة سلاهط وجزيرة مايط.

فأما جزيرة هريج: فإن بها خسفة متسعة نحو عشرة أميال مستديرة لا يعرف أحد قعرها ولا وقف أحد على قرارها وهي من عجائب الدنيا.

وجزيرة سلاهط: يجلب منها الصندل والسنبل والكافور. وذكر المسافرون أن بجزائر الكافور قوماً يأكلون الناس ويأخذون قحوفهم فيجعلون فيها الكافور والطيب ويعلقونها في بيوتهم ويعبدونها، فإذا عزموا على أمر وقصد سجدوا لتلك القحوف وسألوها عما يريدون ويقصدون، فتخبرهم عن كل ما يسألونها عنه من خير أو شر.

وبهذه الجزيرة عين يفور منها الماء وينزل في ثقب في الأرض فيطلع له رشاش فأي شيء وقع من ذلك الرشاش على وجه الأرض صار حجراً، فإن كان ليلاً صار حجراً أسود، أو بالنهار صار حجراً أبيض، وبآخر هذه الجزيرة خسفة أخرى كالبيكارة، دورها نحو الميل تتقد ناراً وتعلو نارها نحو مائة ذراع بالليل، ولها بالنهار دخان.

وجزيرة برطابيل: وهي قرية من جزائر الزنج وبها أقوم وجوههم كالأترسة، وشعورهم كأذناب الخيل، وبها القرنفل الكثير وبها الكركند، وإن التجار إذا نزلوا بها وضعوا بضائعهم كوماً كوماً على الساحل ويعودون إلى المراكب فإذا أصبحوا جاؤوا إلى بضائعهم فيجدون إلى جانب كل بضاعة شيئاً من القرنفل، فإن رضيه صاحب البضاعة أخذه وانصرف وإن لم يرض ترك القرنفل والبضاعة وعاد في اليوم الثاني فيجده قد زيد فيه، فإن رضيه أخذه وإلا تركه وعاد من الغد أيضاً، ولا يزال كذلك حتى يرضى.

وذكر بعض التجار أنه صعد إلى هذه الجزيرة سراً فرأى بها قوماً صفر الوجوه وهي كوجوه التراك وآذانهم مخرمة، ولهم شعور كشعور النساء. فلما رآهم غابوا عنه وعن بصره. ثم إن التجار بعد أن ترددوا إلى تلك الجزيرة بالبضائع مدة طويلة فلم يأتهم شيء من القرنفل فعلموا أن ذلك بسبب الرجل الذي نظر إليهم ورآهم ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه من المعارضة بالقرنفل. وخاصية هذا القرنفل أن الإنسان إذا أكله رطباً لا يشيب ولا يهرم ولو بلغ مائة سنة.

ولباس هذه الأمة ورق شجر يقال له اللوف، وأكلهم من ثمره، ويأكلون السمك أيضاً والنارجيل. وبهذه الجزيرة جبال يسمع فيها طول الليل أصوات الطبول والصنوج والدفوف والمزامير 

المطربة والصياح المزعج وغير ذلك من الأصوات العجيبة. وقيل إن الدجال بها، وقيل إنه بغيرها. وسنذكره إن شاء الله تعالى.

جزيرة القصر: وهو قصر عظيم مرتفع أبيض من بلور شفاف يظهر لمن في المراكب من مسافة بعيدة. فإذا شاهدوه تباشروا بالسلامة. ذكر قوم من الزنج أنه قصر مرتفع شاهق لا يدري ما داخله.

وحكي أن بعض الملوك وصل إلى هذه الجزيرة وشاهد القصر هو ومن معه من جنوده، فلما صاروا في الجزيرة أخذهم الخدران في مفاصلهم وغلب عليهم النوم، فبادر بعضهم إلى المراكب فنجوا وتأخر البعض فهلكوا.

وذكر أن أصحاب ذي القرنين رأوا في بعض هذه الجزائرة أمة رؤوسهم رؤوس الكلاب، ولهم أنياب خارجة من أفواههم حمر مثل الجمر، يخرجون إلى المراكب ويحاربونهم. ورأوا بجزيرة تلك الأمة نوراً ساطعاً فإذا هو القصر الأبيض البلوري، فأراد ذو القرنين التوجه إليها ورؤية القصر فمنعه بهرام الفيلسوف الهندي من ذلك وقال: يا ملك الزمان لا تفعل فإن من وصل إلى هذا القصر غلب عليه الخدران والنوم والثقل وقلة الحركة فلا يقدر على الخروج ويهلك.

وذكر بهرام المذكور أن بهذه الجزيرة شجرة إذا أكلوا من ثمرها زال عنهم النوم والخدران، وإذا كان الليل ظهر لذلك القصر شرفات تسرج مثل المصابيح، الليل كله فإذا كان النهار خمدت.

وجزيرة الورد: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتاب الشفا في شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم أن بهذه الجزيرة ورداً أحمر مكتوباً عليه بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله، والكتابة بالقدرة الإلهية.

الجزائر الثلاث: قال صاحب تحفة الغرائب: هي ثلاث جزائر متجاورات، في احداهن برق الليل كله، وفي الأخرى تهب رياح شديدة، الليل كله، وفي الأخرى يمطر السحاب الليل كله صيفاً وشتاء على ممر الليالي والأيام أبداً.

ومنها جزيرة في هذا البحر بها أقوام أبدانهم أبدان الآدميين ورؤوسهم رؤوس الدواب يخوضون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من البحر فيأكلونها.

وجزيرة صيدون الساحر: وكان صيدون ملكاً ساحراً، وطول هذه الجزيرة شهر في شهر، وبها عجائب كثيرة: ومنها: أن في وسطها قصراً عظيماً في عمد عظيمة من مرمر ملون، ومجلسه من ذهب مرصع بأنواع الجواهر العظيمة، يشرف على جميع تلك الجزيرة. قيل إن هذا الملك صيدون كان ساحراً ماهراً وكانت الجن تطيعه وتعمل الأعمال المعجزة العجيبة. فدل عليه بعض الجن نبي الله سليمان عليه السلام فغزاه وقتله وخرب بلده وقتل أهلها وأسر جماعة منهم. وأما عجائب هذا البحر فكثيرة جداً: منها: سمكة تخرج من البحر وتصعد إلى جزيرة سلاهط وتصعد إلى أشجارها فتمتص فواكهها وثمارها ثم تقع كالسكران فيأخذها الناس.

ومنها: سمكة خضراء رأسها كرأس الحية من أكل لحمها اعتصم من الطعام والشراب أياماً لا يشتهيه.

ومنها: سمكة مدورة يقال لها كرماهي، على ظهرها شبه عمود محدد الراس قائم لا تقوم لها سمكة في البحر إلا ضربتها بذلك العمود وقتلتها.

ومنها: سمكة يقال لها الباقة، طولها مائة ذراع وعرضها عشرون ذراعاً وعلى ظهرها حجارة صدفية كالقرابيص، إذا تعرضت للسفينة كسرتها، وإذا طبخوا من لحمها في القدر يذوب حتى يصير كله دهناً. وأهل تلك النواحي يطلون بدهنها المراكب عوضاً عن الدهن.

ومنها: سمكة يقال لها العمدة، لها جناحان تفتحهما في الجو وتنشرهما وتحمل على السفينة فتقلبها في البحر في الحال، فإذا رأوها ضربوا الطبول والصنوج والزمور وصاحوا فتهرب.


من كتاب : خريدة العجائب وفريدة الغرائب
المؤلف : سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر بن الوردي، البكري القرشي، المعري ثم الحلبي (المتوفى : ٨٥٢هـ)
المنسوب خطأ : للقاضي زين الدين عمر بن الوردي البكري القرشي
المحقق : أنور محمود زناتي - كلية التربية ، جامعة عين شمس
الناشر : مكتبة الثقافة الإسلامية ، القاهرة
الطبعة : الأولى ، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم