الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

الإصلاح بين الزوجين

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد،


فإنني أكتب إليكم بصفتي وسيطًا ومصلحًا بين الطرفين، رغبةً في الإصلاح ورفع الخلاف، وبيان الحكم الشرعي في المسائل التي بقيت معلقة بين الزوجين. لقد كانت النية الأصلية هي الإصلاح ومنع الطلاق، ولكن بعد أن تبيّن أن الاستمرار في الحياة الزوجية أصبح متعذرًا، وجب علينا أن نُبيِّن ما يترتب شرعًا على هذا الانفصال من الحقوق والواجبات.


أولًا: في مسألة المهر

إن المهر (الصداق) ركن من أركان النكاح وحقٌّ ثابت للزوجة بنصّ القرآن الكريم:

> ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4]

وحتى لو لم يُسمَّ المهرُ عند العقد، أو قالت المرأةُ: "لا أريد مهرًا"، فإن العقد صحيح، ولكن يجب للمرأة بعد الدخول مهرُ المِثْل، أي ما يعادل مهر النساء المماثلات لها في بيئتها وعائلتها، وذلك باتفاق جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة.


ثانيًا: في مسألة الحليّ والهدايا التي أُعطيت عند الزواج

ما أُعطي للزوجة من حليٍّ أو ذهبٍ أو هدايا عند الزواج أو في أثناء الحياة الزوجية، وكان في العُرف يُقدَّم للمرأة، فهو ملكٌ خالصٌ لها. ولا يجوز شرعًا استرجاعه بعد ذلك، سواء سُمِّي مهرًا أو هديةً.

قال النبي ﷺ:

> «العائد في هبته كالكلب يَعُودُ في قيئِه» (رواه البخاري ومسلم).


وقد أفتى العلماء المعاصرون، ومنهم دار الإفتاء المصرية، ومجلس الإفتاء الأوروبي، بأن الذهب والحُليّ الذي يُقدَّم للعروس يُعتبر من حقّها ولا يجوز استرداده بعد العقد والدخول.


ثالثًا: في مسألة إرسال الزوج زوجته إلى بيت أهلها دون طلاق

إذا أرسل الرجلُ زوجتَه إلى بيت أهلها، ولم يُنفق عليها، ولم يَقُم بحقوقها الزوجية، فقد ارتكب ظلمًا بيّنًا، وهو آثمٌ عند الله تعالى، لأن النفقة والسكنى من أعظم حقوق الزوجة، قال الله تعالى:

> ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]

فإن كانت هي لم تتركه بإرادتها، بل هو الذي أبعدها، فإنه ملزَمٌ بالنفقة عليها ما دامت في عدّتها، كما يجب عليه أن يدفع لها مُتعة الطلاق (مبلغٌ يُقدَّم تطييبًا لخاطرها بعد الطلاق)، لقوله تعالى:

> ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]

وهذه المتعة واجبة في حقّ من طلّق زوجته دون سببٍ منها، أو بعد أن عاشت معه مدةً ثم فارقها من غير جرمٍ ارتكبته.


رابعًا: في وجوب العدل والإحسان بعد الفُرقة

الطلاق في الإسلام مشروعٌ لرفع الضرر، لا للانتقام ولا للإيذاء. ومن استخدمه للظلم أو التعذيب فهو مخالفٌ لأمر الله تعالى، القائل:

> ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]

فالتمسّك بالزوجة دون معاشرةٍ أو نفقةٍ أو إحسانٍ هو من الضرار الذي نهى الله عنه.


خلاصة القول

1. المهر واجب ولو لم يُسمَّ، ويجب مهر المِثْل بعد الدخول.

2. الحليّ والهدايا التي أُعطيت للزوجة ملكٌ خالصٌ لها، لا يجوز استرجاعها شرعًا.

3. إذا أبعد الزوجُ زوجتَه، فعليه نفقتها ونفقة عدّتها، وله أن يدفع لها متعة الطلاق.

4. يُحرَّم شرعًا الإمساك بالزوجة أو منعها من الزواج بعد الفُرقة بغرض الإيذاء.


خامسًا: كلمة ختامية للتوضيح

إن ما ذُكر أعلاه هو بيانٌ للأحكام التي قرَّرها الشرع الحنيف، ولا يعدو كونه توضيحًا لما أوجبه الله تعالى في كتابه وسنّة نبيه ﷺ. وما عليّ إلا البلاغ والإيضاح لكلا الطرفين بالعدل والإنصاف.

غير أنني أُشير إلى أن الشريعة لا تمنع من التراضي والتسامح بين الطرفين؛ فإذا أراد أحد الطرفين أن يتنازل عن بعض حقه طوعًا واختيارًا، فلا حرج في ذلك، بل هو من باب الإحسان.

فإن رغبت الزوجةُ مثلاً أن تُعيد شيئًا من الذهب أو تُسهم في جزءٍ من نفقات الزواج طوعًا منها، فذلك جائزٌ لا إكراه فيه، ولا يُنافي أحكام الشرع.

وكنتُ أتمنى أن نجتمع جميعًا في لقاءٍ مباشرٍ حتى نسمع من كل طرفٍ وجهته ورأيه، لعلّنا نجد طريقًا إلى الصلح أو إلى تسويةٍ تُرضي الطرفين، ولكن بما أن اللقاء لم يتمّ، فقد اقتصرتُ على نقل البيان الشرعي كما هو.


وإن لم يكن في قولي ما يُرضيكم أو كنتم ترغبون في تأكيدٍ شرعيٍّ آخر، فيمكنكم الرجوع إلى اخيكم فضيلة الشيخ بشار حفظه الله، وهو من العلماء الأفاضل الذين أثق بعلمهم ودينهم، وله باعٌ طويل في الفقه والإصلاح.

جزاكم الله خيرًا على سعة صدوركم، وأسأل الله أن يُلهم الجميع الرشد والعدل والإحسان، وأن يجعل ما بينكم خيرًا وبركة.

والله وليّ التوفيق،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم