بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ الحمدُ للهِ الذي جعلَ كلمةَ التوحيدِ لعبادِهِ حِرزًا وحِصنًا وجعلَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَأَكْرَمَهُ وعظَّمَهُ تَشْرِيفًا وَتَحْصِينًا وَمَنًّا وَجَعَلَ زِيَارَتَهُ وَالطَّوَافَ بِهِ حِجَابًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْعَذَابِ وسِترًا والصلاةُ والسلامُ علَى سيدنا محمدٍ نبيِّ الرحمةِ وسيدِ الأمةِ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ قادةِ الحقِّ بعدَهُ، أمَّا بعدُ:
متى يكون يوم عرفة؟
هو التاسع من شهر ذي الحجة.
وقت الوقوف بعرفة
من زوال الشمس أي ميلها عن وسط السماء (أي بعد دخول الظهر) من يوم التاسع من ذي الحجة إلى فجر يوم النحر أي يوم العيد، قال رسول الله ﷺ الحج عرفة.
وذلك لأنه من أدرك الوقوف في وقت الوقوف فقد أدرك الحج ومن لم يدركه فقد فاته.
ما المقصود بالليالي العشر والشفع والوتر؟
قالَ تعالَى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، الليالي العشرُ هيَ عشرُ ذي الحجةِ وهذَا هو القول الصحيحُ الذي عليهِ جمهورُ المفسرينَ مِنَ السلفِ وغيرِهمْ وهوَ القول الصحيحُ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا، فقدْ أخرجَ الحاكمُ والبيهقيُّ فِي الشعبِ وصححه عنْ جابرٍ رضي الله عنه عنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ: {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} قالَ: “إِنَّ العَشْرَ عَشْرُ الأَضْحَى وَالوتْرُ يَومُ عَرَفَةَ وَالشَفْعُ يَومُ النَحْرِ“.
وروي عَنْه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أيضا أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا الْعَشْرُ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: “وَلا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلا مَنْ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ”. قالَ أبوعثمانَ النَّهْدِيُّ: (كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلاثَ عَشَرَاتٍ: الْعَشْرَ الأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرَ الأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرَ الأُوَلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ).
اليوم المشهود الذي أقسم الله به في القرآن الكريم
قال بعض العلماء هو يوم عرفة، أقسمَ اللهُ بهِ فِي القرآنِ الكريمِ حيثُ قالَ فِي سورةِ البروجِ: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُوْدٍ}، هذَا هوَ اليومُ المشهودُ علَى اختيارِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا وقيل هو غيره.
فيوم عرفة هو خيرُ يومٍ تطلعُ عليهِ الشمسُ وهو أكثرُ يومٍ يكونُ فيهِ الإعتاقُ مِنَ النارِ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قَالَ: (كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفُ يَوْمٍ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ عَشْرَةُ آلاَفِ يَوْمٍ. قَالَ: يَعْنِي فِي الْفَضْلِ) رواهُ البيهقيُّ والأصبهانيُّ، وإسنادُ البيهقيِّ لَا بأسَ بهِ.
أفضل أيام العام وسيدها
هو يوم عرفة، فهو أفضل يوم في السنة كلها فهو يوم عظيم القدر عند المسلمين ففي ذلك اليوم يجتمع الحجيج في أرض عرفات وتلهج ألسنتهم بذكر الله والاستغفار والدعاء وقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له فالوقوف على أرض عرفة هو أعظم أركان الحج، فقدْ روَى ابنُ حبانَ فِي صحيحِهِ مِنْ حديثِ جابرٍ عنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ: “أَفْضَلُ الأَيَّامِ يَومُ عَرَفَةَ”. وهوَ يومُ عيدٍ للمسلمينَ، وقدْ روَى مسلمٌ عنِ السيدةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا أنها قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ”.
حال الشيطان في يوم عرفة
أخرجَ مالكٌ فِي الموطأ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: “مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيْهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَومِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ العِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ، قِيْلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: أَمَا إنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيْلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ”. (أيْ يُرَتِّبَهم ويُسَوِّيِهم ويَصُفُّهم للحرْب).
أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة
جاء فِي موطأ مالكٍ أنَّ رسولَ اللهَ ﷺ قالَ: “أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى لاَ إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ“. وفِي مسندِ الإمامِ أحمدَ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ عنْ يومِ عرفةَ: “إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيْهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ”.
موقف المسلمين على أرض عرفات
إنَّ موقفَ المسلمينَ على أرضِ عرفةَ قائلينَ: (لبّيكَ اللهم لبّيكَ، لبّيكَ لَا شريكَ لكَ لبّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملكَ، لَا شريكَ لكَ) موقفٌ تنشدُّ لهُ الأبصارُ، موقفٌ تحنُّ لهُ القلوبُ، موقفٌ تذرفُ لهُ العيونُ الدموعَ شوقًا لتلكَ البِقاعِ، شوقًا لأمِّ القرَى لمكّةَ ومنًى وعرفةَ. ينادونَ بشهادةِ التوحيدِ بشهادةِ الحقِّ يجهرونَ بالتوحيدِ الذِي جاءَ بهِ كلُّ الأنبياءِ وأكملَ اللهُ قواعدَهُ لنبيِّهِ ﷺ فِي مثلِ هذَا اليومِ فِي ءاخرِ يومِ عرفةَ نزلَتْ هذهِ الآيةُ على نبيِّنَا: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} فَتَمَّتْ قواعدُ الدينِ.
يوم عرفة هو يوم تنزل الرحمة والبركة
إِنَّ يوم عرفة يَوْمٌ قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَرَفَعَ عَلَى الأَيَّامِ قَدْرَهُ، ومِنْ فَضَائِلِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِالحُجَّاجِ فِيهِ مَلائِكَتَه، وَيَعُمُّ بِالْغُفْرَانِ، فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه عن أمِّ المؤمنينَ السيدةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو (أي تدنو رحمةُ الله تعالى وكرامتُه) ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ (أي يُظهر اللهُ تعالى للملائكةِ فضلَ هؤلاء المعتَقين بأن يغفرَ لهم) فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ”.
ولكن حذارِ أخي المسلم أن تَظنَّ أن معنى قوله: “وَإِنَّهُ لَيَدْنُو” أن اللهَ تعالى يدنو بمسافةٍ ومُمَاسة، فتعالى وتقدّس اللهُ عن أن يكونَ جِسْما له شكلٌ وهيئة، أو أن يكونَ مُشْبِهًا للمخلوقات أو أن يكونَ سبحانه وتعالى بمكان؛ بل يبيِّنُ ويوضِّحُ ما ذكرنا ما رواهُ الإمامُ مالكٌ في الموطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ” قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ” فمعنى النزولِ والدنوِّ هو نزولُ ودنوُّ الرحمةِ كما بيّنه هذا الحديث، والخبرُ يُبيِّنُهُ الخبرُ كما قال الحافظُ العراقيُّ: (وخيرُ ما فسَّرتَهُ بالوارِدِ).
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ“.
ثواب صيام يوم عرفة
أَمَّا عن ثَوَابُ صَائِمِهِ فَيَكفِي فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ قَالَ: “أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ”.
ما حكم صوم عرفة للحاج ولغير الحاج؟
اعْلَمْ أَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِ الْحَاجِّ. أَمَّا الْحَاجُّ فيسن له فطره لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وإن لم يضعفه الصوم عن الدعاء وأعمال الحج إلا إن عرف أنه يصل إلى عرفة ليلا وكان مقيما فيسن حينئذ صومه، والأحوط صوم الثامن من ذي الحجة مع يوم عرفة للحاج وغيره وذلك لأن الحاج في الثامن لم يبدأ بأعمال الحج.
أعمال يعملها من لم يستطع الذهاب للحج
وَلَمَّا كانَ اللهُ سبحانَه وتعالَى قدْ وضعَ فِي نفوسِ المؤمنينَ حنينًا إلى مُشَاهَدَةِ بيتِهِ الحرامِ وليسَ كلُّ أحدٍ قادرًا علَى مشاهدَتِهِ فِي كلِّ عامٍ جعلَ موسمَ العشرِ مشتركًا بينَ السائرينَ والقاعدينَ فَمَنْ عَجَزَ عنِ الحجِّ فِي عامٍ قَدِرَ فِي العشرِ علَى عملٍ يعمَلُهُ فِي بيتِهِ.
ومِنْ تلكَ الأعمالِ التوبةُ والاستغفارُ والدعاءُ والرجوعُ إلَى طاعةِ اللهِ وكفِّ النفسِ عنِ المحرماتِ، ولْيُحْذَرْ مِنْ معصيةِ اللهِ وخصوصًا فِي هذهِ الأيامِ وقدْ قالَ بعضُ الصالحينَ: (احذرُوا المعاصِي فإنَّهَا تَحْرِمُ المغفرةَ فِي مواسمِ الرحمةِ).
طَاعَةُ اللهِ خَيْرُ مَا لَزِمَ العَبْـ … ـدُ فَكُنْ طَائِعًا وَلَا تَعْصِيَنْهُ
مَا هَلَاكُ النُّفُوسِ إِلَّا الْمَعَاصِي … فَاجْتَنِبْ مَا نَهَاكَ ولَا تَقْرَبَنْهُ
إِنَّ شَيْئًا هَلَاكُ نَفْسِكَ فِيْهِ … يَنْبَغِي أَنْ تَصُونَ نَفْسَكَ عَنْهُ
وقدْ قالوا: (المعاصي سببُ البعدِ والطردِ كمَا أنَّ الطاعاتِ أسبابُ القُرَبِ والوُدِّ).
فالحجاج فِي هذهِ الأيامِ قدْ عقدُوا الإحرامَ وقصدُوا البيتَ الحرامَ وملؤُا الفضاءَ بالتلبيةِ والتكبيرِ والتهليلِ والتحميدِ والإعظامِ لقدْ سارُوا وقَعَدْنَا وقَرُبُوا وبَعُدْنَا فَإِنْ كانَ لنَا معَهُم نصيبٌ سَعِدْنَا.
الغنيمةَ الغنيمةَ بانتهازِ الفرصةِ فِي هذهِ الأيامِ العظيمةِ، فمَا منهَا عوضٌ، المبادرةَ المبادرةَ بالعملِ، والعَجَلَ العجلَ قبلَ هجومِ الأجلِ، قبلَ أنْ يندَمَ الْمُفَرِّطُ علَى مَا فعلَ، قبلَ أنْ يَسْأَلَ الرَّجْعَةَ لِيَعْمَلَ صالِحًا فَلا يُجَابُ إلَى مَا سَأَلَ، قبلَ أَنْ يَحُولَ الموتُ بينَ الْمُؤَمِّلِ وبلوغِ الأملِ، قبلَ أنْ يصيرَ المرءُ مُرْتَهَنًا فِي حفرَتِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عملٍ.
لَيْسَ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ … فِطْرٌ وَلَا أَضْحَى وَلَا عَشْرُ
نَاءَ عَنِ الأَهْلِ عَلَى قُرْبِهِ … كَذَاكَ مَنْ مَسْكَنُهُ القَبْرُ
يَا مَنْ طَلَعَ فَجْرُ شَيْبِهِ بَعْدَ بلوغِ الأربعينَ، يَا مَنْ مَضَى عليهِ بعدَ ذلكَ ليالِي عشرِ سنينَ، حتَّى بلغَ الخمسينَ، يَا مَنْ هوَ فِي مُعتَرَكِ المنايَا مَا بينَ الستينَ والسبعينَ، مَا تنتَظِرُ بعدَ هذَا الخبرِ إلَّا أنْ يأتِيَكَ اليقينُ، يَا مَنْ ذنوبُهُ كثيرةٌ أمَا تستَحِي مِنَ الكرامِ الكاتبِينَ؟، يَا مَنْ ظُلْمَةُ قلبِهِ كالليلِ إذَا يسرِ، أمَا آنَ لقلبِكَ أنْ يستنيرَ أو يلينَ، تَعَرَّضْ لنفحَاتِ طاعةِ مولاكَ فِي هذَهِ العشرِ، فإنَّ فيهِ للهِ نفحاتٍ يصيبُ بهَا مَنْ يشاءُ فَمَنْ أصابَتْهُ سَعِدَ بهَا آخرَ الدهرِ.
مَنْ فاتَهُ فِي هذَا العامِ القيامُ بعرفةَ، فَلْيَقُمْ للهِ بِحَقِّهِ الذِي عَرَفَهُ، مَنْ عَجَزَ عنِ المبيتِ بمزدلفةَ، فلْيَبِتْ عزمَهُ علَى طاعةِ اللهِ وقدْ قَرَّبَهُ وأَزْلَفَهُ، مَنْ لَمْ يمكِنْهُ القيامُ بأرجاءِ الخَيفِ، فلْيَقُمْ للهِ بحقِّ الرجاءِ والخوفِ مَنْ لمْ يقدِرْ علَى نحرِ هديِهِ بمنى، فلْيَذْبَحْ هواهُ هنَا وقدْ بلَغَ الْمُنَا.
فأهلُ الموسمِ يرمونَ الجمرةِ فيشرعونَ فِي التحللِ مِنْ إحرامِهِم بالحجِّ ويقضونَ تفَثَهُم ويوفونَ نذورَهم ويُقَرِّبُونَ قرابينَهُم مِنَ الهدايَا ثمَّ يطوفونَ بالبيتِ العتيقِ، وأهلُ الأمصارِ يجتمعونَ علَى ذكرِ اللهِ وتكبيرِهِ والصلاةِ لهُ ثمَّ يَنْسُكُونَ عَقِبَ ذلكَ نُسُكَهُم ويُقَرِّبُونَ قرابينَهم بإراقةِ دماءِ ضحاياهُم فيكونُ ذلكَ شكرًا منهمْ لهذهِ النعمِ.
أسباب يرجى بها العتق والمغفرة في يوم عرفة
فَمَنْ طَمِعَ فِي العتقِ مِنَ النارِ ومغفرةِ الذنوبِ فِي يومِ عرفَةَ فليُحَافِظْ علَى الأسبابِ التِى يُرْجَى بهَا العتقُ والمغفرةُ فمنهَا:
صيامُ ذلكَ اليومِ، ففِي صحيحِ مسلمٍ عنْ أبِي قتادةَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: “صيامُ يومِ عرفةَ أحتسبُ علَى اللهِ أنْ يكفِّرَ السنةَ التِي قبلَهُ والتِي بعدَهُ”.
حفظُ جورِاحِهِ عنِ المحرماتِ فِي ذلكَ اليومِ، ففِي مسندِ الإمامِ أحمدَ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: “يومُ عرفةَ هذَا يومٌ مَنْ مَلَكَ فيهِ سمعَهُ وبصَرَهُ ولسانَهُ غُفِرَ لَهُ”.
الإكثارُ مِنْ شهادةِ التوحيدِ بإخلاصٍ وصدقٍ فإنَّها أصلُ دينِ الإسلامِ الذِي أكمَلَهُ اللهُ تعالى في ذلكَ اليومِ وفِي، المسندِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قالَ: كانَ أكثرُ دعاءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ عرفةَ: “لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ بيدِهِ الخيرُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ” وأخرجَهُ الترمذيُّ ولفظُه: “خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ وخيرُ مَا قلتُ أنَا والنبيونَ مِنْ قبلِي: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لَا شريكَ لَهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ”.
كثرةُ الدعاءِ بالمغفرةِ والعتقِ فإنَّهُ يرجَى إجابةُ الدعاءِ فيهِ فقدْ روَى ابنُ أبي الدنيَا بإسنادِهِ عنْ عليٍّ قالَ: (ليسَ فِي الأرضِ يومٌ إلَّا للهِ فيه عتقاءُ مِنَ النارِ وليسَ يومٌ أكثرُ فيهِ عتقًا للرقابِ مِنْ يومِ عرفةَ فأكثرْ فيهِ أنْ تقولَ: اللهم أعتقْ رقبَتِي مِنَ النارِ وأوسعْ لي مِنَ الرزقِ الحلالِ واصرِفْ عنِّي فسقةَ الجنِّ والإنسِ فإنَّهُ عامةُ دعائِي اليومَ).
فإنْ كنتَ تطمَعُ فِي العتقِ فاشترِ نفسَك مِنَ اللهِ {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] مَنْ كَرُمَتْ عليهِ نفسُهُ هانَ عليهِ كلُّ مَا يبذُلُ فِي افتكَاكِهَا مِنَ النارِ.
أمثلة لأُناس اشتروا أنفسهم من الله
اشترَى بعضُ السلفِ نفسَهُ مِنَ اللهِ ثلاثَ مراتٍ أو أربعًا يتصدقُ كلَّ مرةٍ بوزنِ نفسِهِ فضةً.
واشترَى عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ نفسَه مِنَ اللهِ بديةٍ ستَّ مراتٍ تصدَّقَ بهَا.
واشترَى حبيبٌ نفسَه مِنَ اللهِ بأربعينَ ألفِ درهمٍ تصدَّقَ بهَا.
وكانَ أبو هريرةَ رضي الله عنه يُسَبِّحُ كلَّ يومٍ اثنَي عشَرَ ألفِ تسبيحةٍ بقدرِ دِيَتِهِ يَفْتَكُّ بذلكَ نفسَهُ.
مَنْ عرفَ مَا يطلبُ هانَ عليهِ كلُّ مَا يبذلُ وفِي هذَا الموسمِ مَنْ مَلَكَ سمعَه وبصرَه ولسانَه غفرَ لهُ.
قُمْ علَى البابِ بالذلِّ والانكسارِ وارفَعْ قصةَ ندَمِكَ مرقومَةً علَى صحيفةِ خدِّكَ بِمِدَادِ الدموعِ والغزارِ وقلْ: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
إِخْوَانِي: إِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى دِيَارِهِمْ، فَلْنَصِلِ انْكِسَارَنَا بِانْكِسَارِهِمْ، إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى عَرَفَاتٍ، فَلْنَسْتَدْرِكْ مَا قَدْ فَاتَ، إِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى الْحِجْرِ، فَلْيَلِنْ كُلُّ قَلْبٍ حَجَرٍ، إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى لَيْلَةِ جُمْعٍ وَمِنى، فَلْنَقُمْ بطاعةِ ربِّنا هَاهُنَا. أَيْنَ الْمُنِيبُ الأَوَّابُ أَيْنَ الْمُجِدُّ السَّابِقُ، هَذَا يَوْمٌ يُرْحَمُ فِيهِ الصَّادِقُ، مَنْ لَمْ يُنِبْ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَمَتَى يُنِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى يُجِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُتَعَرَّفْ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ غَرِيبٌ، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْعَفْوِ فَمَا لَهُ مِنْ نَصِيبٍ، أَسَفًا لِعَبْدٍ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ الْيَوْمَ مَا جَنَى، كُلَّمَا هَمَّ بِخَيْرٍ نَقَضَ الطَّرْدُ مَا بَنَى، حَضَرَ مَوَاسِمَ الأَرْبَاحِ فَمَا حَصَّلَ خَيْرًا وَلا اقْتَنَى، وَدَخَلَ بَسَاتِينَ الْفَلاحِ فَمَا مَدَّ كَفًّا وَلا جَنَى، لَيْتَ شِعْرِي مَنْ مَنَّا خَابَ وَمَنْ مِنَّا نَالَ الْمُنَى. فَيَا إِخْوَانِي: إِنْ فَاتَنَا نُزُولُ مِنى، فَلْنُنْزِلْ دُمُوعَ الْحَسَرَاتِ هَاهُنَا، وَكَيْفَ لا نَبْكِي وَلا نَدْرِي مَاذَا يُرَادُ بِنَا، وَكَيْفَ بِالسُّكُونِ وَمَا نَعْلَمُ مَا عِنْدَهُ لَنَا:
فَلِذَا الْمَوْقِفِ أَعْدَدْنَا الْبُكَا … وَلِذَا الْيَوْمِ الدُّمُوعُ تُقْتَنَى
من أعمال الحجاج في ذلك اليوم
وللحجاج الذين تزدحم أعمال الخير في ذلك اليوم لديهم ففيه أهم أعمال الحجيج ومنها:
يرمون جمرة العقبة
يطوفون بالبيت طواف الإفاضة
يحلقون رؤوسهم
يذبحون هداياهم
ويبقون في منى، فإنهم يصلون العيد ويذبحون أضاحيهم ويكبرون ويحمدون.
والحمد لله رب العالمين.
=======================
يوم الحج الأكبر
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ مدبرِ الليالي والأيامِ، ومصرِّفِ الشهورِ والأعوامِ، المنفردِ بالكمالِ والتمامِ الملكِ القدوسِ السلامِ، تنزَّهَ ربِّي عنْ دَرَكِ الأفهامِ وتعالَى وتقدَّسَ عنْ إحاطَةِ الأوهامِ ليسَ بجسمٍ فلا يُشْبِهُ الأجسامَ، إلهٌ رحيمٌ عظيمُ الإنعامِ، وربٌّ قديرٌ شديدُ الانتقامِ، سبحانه وتعالى خلق جميعَ الأزمنةِ والأيامِ، وفضّل بعضّها على بعضٍ، فيومُ عرفةَ أفضلُ الأيام. وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا وحبيبَنَا وعظيمَنَا محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعِمْ وأكرِمْ علَى سيدِنَا محمدٍ مصباحِ الظلامِ، وعلَى آلِهِ وأصحابِهِ الأعلامِ.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، واعلموا أنكم عن قريبٍ ميّتون، وعن قريبٍ مبعوثونَ وموقوفونَ ومسؤولون، تزيّنوا بالتقوى واستمسِكوا بالعروةِ الوُثقى فأجسادُنا على النارِ لا تَقْوى، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (سورة التوبة:119).
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: روى ابنُ حبانَ في صحيحِه من حديثِ جابرٍ رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال: “أفضلُ الأيامِ يومُ عرفة“. فنحن نعيشُ اليومَ يومًا هو أفضلُ أيامِ السَّنةِ، وهو يومُ عرفة، والذي يفعلُ الحُجَّاجُ فيه الركنَ الأعظمَ في الحجِّ؛ فقد روى الترمذيُّ والنَّسائيُ عن عبدِ الرحمن بن يَعْمُرَ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: “الحجُّ عرفة” أي أن معظمَ أركانِ الحجِّ الوقوفُ بعرفة.
وهو يومُ عيدٍ للمسلمين، ويومُ إكمالِ الدينِ وإتمامِ النعمةِ، فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ – واللفظُ للبخاريِّ - عن عمر بنِ الخطابِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قال: “اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا” (سورة المائدة:3) قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ” وها نحن نعيشُ هذا السنةَ يومَ عرفةَ في يومِ الجمعةِ، فاجتمعت فضيلتانِ في يومٍ واحد، فإياك أخي المسلمَ أن تضيِّعَ الخيراتِ على نفسِك.
إخوةَ الإسلام: يومُ عرفةَ هو يومُ الحجِّ الأكبرِ، كما قال اللهُ تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} (سورة التوبة:3) إذ الوقوفُ بعرفةَ هو معظمُ أركان الحجِ، فمن فاته الوقوفُ فاته الحجّ. وهو يومُ مغفرةِ الذنوبِ والعِتقِ من النارِ؛ فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه عن أمِّ المؤمنينَ السيدةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو – أي تدنو رحمةُ الله تعالى وكرامتُه– ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ – أي يُظهر اللهُ تعالى للملائكةِ فضلَ هؤلاء المعتَقين بأن يغفرَ لهم – فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ” وحذارِ أخي المسلم أن تَظنَّ أن معنى :”وَإِنَّهُ لَيَدْنُو” أن اللهَ تعالى يدنو بمسافةٍ ومُمَاسة، فتعالى وتقدّس اللهُ تعالى أن يكونَ جِسْما له شكلٌ وهيئة، أو أن يكونَ مُشْبِهًا للمخلوقات. بل يبيِّنُ ويوضِّحُ ما ذكرنا ما رواهُ الإمامُ مالكٌ في الموطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ” فمعنى النزولِ والدنوِّ هو نزولُ ودنوُّ الرحمةِ كما بيّنه هذا الحديث، والخبرُ يُبيِّنُهُ الخبرُ كما قال الحافظُ العراقيُّ: “وخيرُ ما فسَّرتَهُ بالوارِدِ”.
إخوةَ الإيمانِ: من طَمِعَ في العتقِ من النارِ ومغفرةِ ذنوبِهِ في يومِ عرفةَ فليحافظْ على الأسبابِ التي يُرجى بها العِتقُ والمغفرةُ، والتي منها: صيامُ ذلك اليوم، ففي صحيحِ مسلمٍ عن أبي قَتادةَ عن النبيِّ ﷺ، قال: “صيامُ يومِ عرفةَ أَحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه” أي يُكفِّرَ صغائرَ سنةٍ سابقةٍ وسنةٍ لاحقةٍ، فهنيئًا لمن هو صائمٌ، نسألُ اللهَ تعالى أن يتقبّلَ صيامَنا.
ومنها: حفظُ جوارحِه عن المحرماتِ في ذلك اليومِ ففي مسندِ الإمامِ أحمدَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ ﷺ أنه قال عن يومِ عرفةَ: “إن هذا يومٌ من مَلَكَ فيهِ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَه غُفِرَ له” رواه الإمامُ أحمدُ في مسندِه.
ومنها: الإكثارُ من الدعاءِ وخصوصا شهادةِ التوحيدِ بإخلاصٍ وصدقٍ فقد روى الترمذيُّ وغيرُه أن النبيَّ ﷺ قال: “خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ وخيرُ ما قلتُ أنا والنَّبيونَ من قبلي لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير”. فكيف إذا كان خيرُ الدعاءِ في يومِ الجمعةِ الذي قال فيه رسولُ اللهِ ﷺ: “وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي فَيَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إيّاه” فأكثِرْ أخي المسلم من الدعاءِ بالمغفرةِ والعتقِ في هذا اليومِ؛ وخصوصًا بعد العصرِ وقبلَ المغربِ؛ فإنه يُرجى إجابةُ الدعاءِ فيه، قائلًا: اللهمَّ أعتقْ رقبتي من النارِ وأوسعْ لي من الرزقِ الحلالِ واصرفْ عني فسقةَ الجنِّ والإنس.
نسألُ اللهَ أن يغفرَ لنا ويعتقَ رقابَنا من النار، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإسلام: روي عن الفضيلِ بنِ عياضٍ رضي الله عنه أنه نَظرَ إلى بكاءِ الناسِ بعرفةَ فقال: ” أرأيتم لو أنَّ هؤلاءِ صاروا إلى رجلٍ واحدٍ فسألوه دانقا أكانَ يردُّهم ؟ قالوا: لا، قال: ” واللهِ للمغفرةُ عند اللهِ عز وجل أهونُ من إجابةِ رجلٍ لهم بدانِق “فمن كرُمت عليه نفسُه هانَ عليه كلُّ ما يَبذُلُ في افتكاكِها من النارِ.وأذكركُم وأَحثُّكم على الاقتداءِ برسولِ الله ﷺ في فعلِ الأُضحيةِ فهي سنةٌ مؤكدةٌ ينبغي لمن قَدَر عليها أن يحافظَ عليها، فقد روى البيهقيُّ أنه ﷺ قال: (ضَحُّوا وطَيِّبُوا أنفسَكُمْ فإنَّه مَا مِنْ مُسلِمٍ يستقبِلُ بِذَبيحَتِه القبلةَ إلَّا كانَ دَمُهَا وَفَرْثُهاوَصُوفُها حَسَناتٍ في ميزانهِ يومَ القيامة). وللأضحيةِ أحكامٌ تُعلَمُ من أهلِ العلمِ الثقات، نسألُ اللهَ تعالى أن يعلمَنا ما ينفعُنا وأن يتقبَل صيامَنا وقيامَنا وسائرَ طاعاتِنا، إنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ وبعبادِهِ لطيفٌ خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم