بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
تعريف عام بالحج
الحَجّ: هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ، وَشَرْعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ
والعمرة: هي لُغةً الزيارة، وَشَرْعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ.
ويَجِبُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ائتوا بهما تَامَّيْنِ.
ويَجِبَانِ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِأَصْلِ الشَّرْعِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا” فَقَالَ رَجُلٌ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُلَّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ“. وَلِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سُرَاقَةَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ: “لَا، بَلْ لِلْأَبَدِ“، ويجبان بِتَرَاخٍ بِشَرْطِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الفِعلِ.
ويجب على من أراد الحج والعمرة أن لا يتجاوز أماكن قبل أن يحرم (تسمى المواقيت) وضعها الرسول ﷺ وبيان المواقيت كالتالي:
المواقيت
الميقات الزماني لِلْإِحْرَامِ بِالحَجِّ
مِنْ أَوَّلِ شهر شَوَّالٍ إلَى فَجْرِ عِيدِ النَحْر، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالحج أَوْ نوى الإحرام مُطْلَقًا في غير هذا الوقت انعقد إحْرَامُهُ عُمْرَةً وَيَسْقُطُ بِعَمَلِهَا عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ.
الميقات الزَمَانِيُّ لِلْإِحْرَامِ بِالعُمرَةِ
كل وقت حتى وقت الحج، لِوُرُودِ أن النبي ﷺ أحرم بالعمرة فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الصحيحين.
الميقات المكاني لِلإحرام بالعُمْرَةِ
من كان في مكة وأراد أن يُحْرِمَ فميقاته أدنى الحل أَيْ طَرَفُ الحل، فَيَخْرُجُ من حدود الحرم إلَي الحلِّ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ وَيُحْرِمُ بِهَا، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ أَرْسَلَ عَائِشَةَ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَجِّ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ مِنْهُ وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخُرُوجُ وَاجِبًا لَمَا أَمَرَهَا بِهِ لِضِيقِ الوقت برحيل الحاج.
والأفضل أن يخرج لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ إلى الْجِعْرَانَةِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهِيَ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى بُعد سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَكَّةَ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلى الحل وأتى بالعمرة أَجْزَأَتْهُ عَنْ عُمْرَتِهِ وَعَلَيْهِ دم لإساءته بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ رجع وخَرَجَ إلى الحل بَعْدَ إحْرَامِهِ فَقَطْ أَيْ مِنْ غَيْرِ شُرُوعِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَطَعَ الْمَسَافَةَ مِنْ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَأَدَّى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا بَعْدَهُ فَكَانَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْهُ.
والميقات المكاني لِمُتَوَجِّهٍ إلى مكة مِنْ طريق الْمَدِينَةِ هو ذُو الْحُلَيْفَةِ وهو مَكَانٌ عَلَى نَحْوِ عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ (420 كيلومتر تقريبا) وَسِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ، وهو ميقات أهل الشَّامِ إن مروا بطريق المدينة المنورة.
وَميقات أهل مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ ولمن جاء من أهل الشام عن طريق البحر ومن يمر بطريقهم هو الْجُحْفَةُ وهي قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كانت عَلَى بعد نَحْوِ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ على أحد الأقوال، وَعلى قول أنها على بعد خمسين فرسخا منها وهي الآن خراب، لكن الناس اليوم ينزلون في مكان قبلها قريب منها يسمى رابغ على بعد (210) كيلومتر تقريبا من مكة.
وَالميقات المكاني لأهل تِهَامَةِ الْيَمَنِ ومن يمر بطريقهم يَلَمْلَمُ وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَمُ وهو جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مكة، ويقال له اليوم السعدية على بعد (100) كيلومتر تقريبا من مكة.
والميقات المكاني لأهل نجد الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ ومن يمر بطريقهم قَرْنٌ أو قرن المنازل وهو مَكَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، ويقال له اليوم السيل الكبير على بعد (83) كيلومتر تقريبا من مكة.
والميقات المكاني لأهل الْمَشْرِقِ من الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ هو ذَاتُ عِرْقٍ وهو مكان عَلَى بعد مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ أَيْضًا، ويقال له اليوم الضريبة على بعد (110) كيلومتر تقريبا من مكة.
والميقات المكاني لِمَنْ لَا مِيقَاتَ بِطَرِيقِهِ إنْ حَاذَاهُ أَيْ مَرَّ بِطَرِيقِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ محاذتُه فيحرم إذا حاذى الميقات في بَرٍّ كانَ أَوْ بَحْرٍ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَحَرَّى واجتهد، ولو حَاذَى مِيقَاتَيْنِ كَأَنْ كَانَ طَرِيقُهُ بَيْنَهُمَا فيحرم عند مُحَاذَاةِ أَقْرَبِهِمَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَبْعَدَ إلَى مَكَّةَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ وإن حاذى الأقرب إليها أوّلًا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا فَميقاته المَكَانَي إذا كان على بعد مَرْحَلَتَانِ مِنْ مَكَّةَ.
وإن كان يسكن بعد كل المواقيت فميقاته بيته فيحرم منه.
الميقات المكاني للإحرام بالحج
من أراد الإحرام بالحج ولو مع العمرة إنْ كان بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ فميقاته مَكَّةُ، وإن لم يكن بمكة فميقاته مثل ميقات من أحرم بعمرة الذي سبق وذكرناه.
الدليل على المواقيت
روى الشيخان عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَقَالَ: ”هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَن أَتَى عَلَيهِنَّ مِن غَيرِ أَهلِهِنَّ مِمَّن أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمرَةَ وَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِن حَيثُ أَنشَأَ حَتَّى أَهلُ مَكَّةَ مِن مَكَّةَ“.
وروى الشافعي في الأم عن عائشة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةَ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.
كيفية الإحرام
الإحرام هو الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ للحج أو العمرة ولو بلا تلبية، والأفضل تعيين نسكه هل هو عن حج أو عمرة ليعرف ما دخل فيه بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: “مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَرَادَ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ“، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ القضاء أي نزول الوحي فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا.
فيقول في النية بقلبه ولسانه: (دخلت في النسك عن حج أو عن عمرة أو عن حج وعمرة لله تعالى) مثلا أو (نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها لله تعالى).
من السنن بعد الإحرام
يسن النطق بالتَلْبِيَةِ ولو كان إحرامه بعمرة، فَيَقُولُ بِلِسَانِهِ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالمُلكُ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: “إذَا تَوَجَّهْتُمْ إلَى مِنًى فَأَهِّلُوا بِالْحَجِّ” وَالْإِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، إلَا فِي الطَوَاف والسعي وَلَوْ طَوَافَ قُدُومٍ فلَا يُسَنُّ فِيهِمَا تَلْبِيَةٌ لِأَنَّ فِيهِمَا أَذْكَارًا خَاصَّةً.
وَيسُنُّ غُسْلٌ أَوْ تَيَمُّمٌ بِشَرْطِهِ وَلَوْ فِي حَيْضٍ أَوْ نَحْوِهِ للِإِحْرَامِ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْغُسْلِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقِيسَ بِالْغُسْلِ التَّيَمُّمُ.
وَسُنَّ تَطْيِيبُ بَدَنٍ وَلَوْ امْرَأَةً بَعْدَ الغسل وقبل الإحرام، لِلِاتِّبَاعِ فقد رَوَى الشَّيْخَانِ عن عائشة أنها قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وورد أن نساء النبي كن يتطيبن للإحرام ويراهن الرسول ﷺ ولا يُنكِرُ عليهن.
وسن لبس الرجل إزارًا أو رِدَاءً أَبْيَضَيْنِ جَدِيدَيْنِ أو مَغْسُولَيْنِ وَنَعْلَيْنِ.
وَسُنَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لِإِحْرَامٍ لِلرَّجُلِ وَغَيْرِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وتُغني عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَرِيضَةٌ وَنَافِلَةٌ أُخْرَى.
وَسُنَّ لِمَنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ أَوْ يَكْرَهُهُ أَنْ يَقُولَ “لَبَّيكَ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَةِ” حيث قاله ﷺ حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ ورأى جمع المسلمين رواه الشافعي وغيره عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا، وَقَالَهُ ﷺ فِي أَشَدِّ أَحْوَالِهِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمَطْلُوبَةَ الْهَنِيئَةَ الدَّائِمَةَ هِيَ حَيَاةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ من تلبيته يُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَيَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيَكُونُ صَوْتُهُ بِذَلِكَ أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِ التَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزَانِ.
دخول مكة ورؤية البيت الحرام
الْأَفْضَلُ لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ وَلَوْ مع عمرة دخول مَكَّةَ قَبْلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ اقْتِدَاءً بِالنبي ﷺ وبأصحابه وَلِكَثْرَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ السُّنَنِ
وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ لِقَاءِ الْكَعْبَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ وَاقِفًا: (اللَّهُمَّ زِد هَذَا البَيتَ تَشرِيفًا وَتَعظِيمًا وَتَكرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِد مَن شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّن حَجَّه أَو اعتَمَرَهُ تَشرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إنَّهُ مُنْقَطِعٌ.
ويقول: (اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ) قَالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَمَعْنَى السَّلَامِ الْأَوَّلِ ذُو السَّلَامَةِ مِنْ النَّقَائِصِ والثاني وَالثَّالِثِ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ.
فيَدْخُلُ المسجد الحرام مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وهو الباب الذي بمقابلة الحجر الأسود وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ إذَا خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ.
وَيسن أَنْ يَبْدَأَ بِطَوَافِ القدوم للاتباع رواه الشيخان والمعنى فيه أن الطواف تحية فَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ إلَّا لِعُذْرٍ.
يوم الزينة، السابع من ذي الحِجَّة
هو يوم السابع من شهر ذي الحجة، سمي بذلك لأن الناس كانوا يُزَيِّنُونَ فيه هَوَادِجَهُم وهو جمع هَودَجٍ وهو كالغرفة الصغيرة توضع فوق الإبل يركب فيها النساء عادة وقد يركب غيرهن.
يوم التروية، الثامن من ذي الحِجَّة
يوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، يقال إنه سمي بهذا الاسم لأن الناس كانوا يتروون من الماء فيه يُعِدُّونَه ليومِ عرفَة، ويقال لأن سيدنا جبريل أرى سيدنا إبراهيم مناسكه في هذا اليوم، وقيل غير ذلك.
بالنسبة للمحرم من الميقات فهو يبقى على إحرامه، أما من كان في مكة فيسن أن يُحرِمَ صباحا قبل الزوال، ويسن أن يتوجه بعد ذلك إلى مشعر منى لقضاء هذا اليوم والمبيت بها وهذا سنة وليس واجب كما ذكره في المجموع، فلو تقدم الحاج إلى عرفة ولم يبت في منى في ليلة التاسع فلا حرج عليه.
ومنى منطقة صحراوية تبعد حوالي (7) كيلومتر تقريبا شمال شرق مكة على الطريق الرابط بين مكة ومزدلفة، يقضي الحاج ليلته هناك ثم يخرج من منى متجها إلى عرفة لقضاء يوم الحج الأكبر.
يوم عرفة، التاسع من ذي الحِجَّة
إذا صلى الصبح بمنى وقف، فإذا طلعت الشمس على ثبير (وهو جبل كبير بمزدلفة على يمين الذاهب إلى عرفة) سار إلى عرفة، فإذا بلغ إلى وادي عرنة نزل بنمرة وهي وليست من عرفة، فإذا زالت الشمس (أي دخل وقت الظهر) سار إلى مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما روى جابر أن النبي ﷺ صلى الصبح بمنى، فلما بزغت الشمس رحل في أول بزوغها إلى عرفات، فلما بلغ إلى عرفة أمر فضربت له قبة من شعر اهـ.
ثم يقف بعرفة، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج فلا يصح الحج بدونه، وهو من أعظم أركانه لأن فوات الحج وإدراكه يتعلق به، قال ﷺ: “الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَن أَدرَكَ عَرَفَةَ فَقَد أَدرَكَ الحَجَّ، وَمَن فَاتَهُ عَرَفَةُ فَقَد فَاتَهُ الحَجُّ“.
وَسُمِّيَت عرفة؛ لوقوف الناس في موضع عال، والعرب تسمي العالي عرفة وأعرافا على أحد الأقوال، وقيل لأن آدم عرف فيها حواء.
ويستحب الاغتسال للوقوف بعرفة لأنه موضع يجتمع فيه الناس للعبادة، فسن فيه الاغتسال كالجمعة.
وحد عرفة ما بين الجبل المشرف على بطن عرفة إلى الجبال المقابلة يمينا وشمالا.
ويَقِفُ الحاج بِعَرَفَةَ إلَى الْغُرُوبِ، لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَيسن أَنْ يُكْثِرَ الذِّكْرَ مِنْ تَهْلِيلٍ أو غَيرِهِ وَالدُّعَاءَ إلَى الْغُرُوبِ، فقد رَوَى التِّرْمِذِيُّ خَبَرَ: “أَفْضَلُ الدُّعاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ: “اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي“.
وَالوَاجِبُ في الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ حُضُورُ الْمُحْرِمِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ وَلَوْ نَائِمًا أَوْ مَارًّا بعرفَةَ وَلَو بِجُزءٍ منها بَيْنَ زَوَالِ يومِ عرفَةَ وَفَجْرِ يَوْمِ النَّحْر، لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَمَّا مَن وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَلَم يَكُن أَهلًا لِلعِبَادَةِ كَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ وَمَجْنُونٍ فَلَا يُجْزِئُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَكِنْ يَقَعُ حَجُّهُمْ نَفْلًا كَحَجِّ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ.
وَلَوْ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الغُرُوبٍ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهَا سُنَّ لَهُ دَمٌ أمَّا إنْ عَادَ إلَيْهَا وَلَوْ لَيْلًا فلا يسن له الدم لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُسَنُّ لَهُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْمَوْقِفِ.
ليلة النحر التي قبل يوم العيد
بعد غروب شمس يوم التاسع (عرفة) يَقصِدُ الحاج مُزدَلِفَةَ وَيَذْهَبُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ فَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ.
فيَجِبُ بَعْدَ الخروج مِنْ عَرَفَةَ المَبِيتُ أَيْ المُكْثُ ولو لَحْظَةً وَلَوْ بِلَا نَوْمٍ بِمُزْدَلِفَةَ، لِلِاتِّبَاعِ، فَالْمُعْتَبَرُ المُكثُ فِيهَا لَحْظَةً مِنَ النِصفِ الثَاني مِنْ الليل فيَجُوزُ الخُرُوجُ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِهِ وَبَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ كَثِيرَةٌ شَاقَّةٌ فَسُومِحَ فِي التَّخْفِيفِ لِأَجْلِهَا.
وَمَن لَم يَمكُث لَحظَةً بِمُزدَلِفَةَ لَزِمَهُ دَمٌ لِتَركِهِ الوَاجِبَ، وَسُنَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَصَى رَمْيٍ يَوْمَ النَحْر لَيْلًا وَقيلَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ غَدَاةَ يَوْمِ النحر “التَقِط لِي حَصًى” قال فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف.
وَسُنَّ أَنْ يُقَدَّمَ نِسَاءٌ وَضَعَفَةٌ بَعْدَ نِصْفٍ مِنْ اللَّيْلِ إلَى مِنًى لِيَرْمُوا قَبْلَ الزَّحْمَةِ وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَوْدَةَ أَفَاضَتْ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالدَّمِ وَلَا النَّفَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا وَفِيهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
وَسُنَّ أَنْ يَبْقَى غَيْرُ الضَّعَفَةِ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ يوم النحر بِغَلَسٍ (والغلس الظلمة بعد الصبح) بِمزدلفة لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيَتَأَكَّدُ طَلَبُ التَّغْلِيسِ هُنَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ.
يوم النحر، العاشر من ذي الحِجَّة (يوم العيد)
بعد صلاة الصبح في مزدلفة يوم العيد يَقْصِدُ الحاج مِنًى وَشِعَارُهُمْ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ التَّلْبِيَةُ مع التكبير.
فَإِذَا بَلَغُوا الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَهُوَ جَبَلٌ فِي آخِرِ مُزْدَلِفَةَ يُقَالُ لَهُ قُزَحٌ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ وَوَقَفُوا عِنْدَهُ وَوُقُوفُهُمْ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ وُقُوفِهِمْ بِغَيْرِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَأفضل مِنْ مُرُورِهِمْ بِهِ بِلَا وُقُوفٍ، ثم يشتغلون بذكر الله تَعَالَى وَالدعاء إلَى الإسْفَار (وهو الضوء الذي يكون قبل طلوع الشمس) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَأَنْ يَقُولُوا: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَاَللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وللهِ الْحَمْدُ).
ثُم يَسِيرُ الحاج بِسَكِينَةٍ فَإِذَا وَجَدُ فُرْجَةً أَسْرَعُ وَإِذَا بَلَغ وادي مُحَسِّرٍ أسرَع الْمَاشِي وَحَرَّكَ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ وَذَلِكَ قَدْرَ رَمْيَةِ حجر حتى يقطعوا عرض الوادي.
ويدخل الحاج منى بعد طلوع الشمس فَيَرْمِي سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَيَقطَعُ التَّلبِيَةَ عِندَ ابْتِدَاءِ نَحوِ رَميٍ مِمَّا لَهُ دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ لِأَخذِهِ فِي أَسبَابِ التَّحَلُّلِ كَمَا أَنَّ المُعتَمِرَ يَفعَلُ ذَلِكَ عِندَ ابتِدَاءِ طَوَافِهِ، وَيُكَبِّرُ بَدَلَ التَّلْبِيَةِ مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا الرَّمْيُ تحية مِنًى فَلَا يَبْدَأُ بِغَيرِهِ وَيُبَادِرُ بِالرَّميِ.
ثم يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ تقربا إلى الله تعالى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَالْحَلْقُ أفضل للذَّكَرِ وَالتَّقْصِير أَفْضَلُ لِغَيْرِهِ، قَالَ تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ إذْ الْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ وَالْأَفْضَلِ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ: “اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ” فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ فَقَالَ: “اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ” قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: “وَالْمُقَصِّرِينَ” وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حلق وإنما عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ بل يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ الْحَلْقُ.
وَأَقَلُّ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إزالة ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعرِ الرَأسِ وَلَوْ مُسْتَرْسِلَةً عنه أو متفرقة، وَسُنَّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ إمْرَارُ المُوس عَلَيْهِ تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ.
وَيَدْخُلُ مَكَّةَ وَيَطُوفُ طواف الرُّكْنِ ويُسَمَّى طَوَافُ الرُّكْنِ طوافَ الإفاضَةِ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ وَطَوَافَ الْفَرْضِ وَطَوَافَ الصَّدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ.
ثم يَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، ثم يَعُودُ إلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا.
وَسُنَّ تَرْتِيبُ أَعْمَالِ يَوْمِ النَحْر بِلَيْلَتِهِ مِنْ رَمْيٍ وَذَبحٍ وَحَلقٍ أَوْ تَقصِيرٍ وَطَوَافٍ كَمَا ذَكَرَ وَلَا يَجِبُ، فقد رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: “ارْمِ وَلَا حَرَجَ” وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ (طاف طواف الإفاضة) قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ: “ارْمِ وَلَا حَرَجَ” وَرَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ ﷺ مَا سُئِلَ عَنْ شيء في ذلك اليوم قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.
وَيَدْخُلُ وَقْتُ هَذه الأعمال (إلَا الذَّبْح لِلْهَدْيِ تَقَرُّبًا) بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَحْر لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ الِاخْتِيَارِيِّ إلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَيحصل التحَلُّلُ الأول بِفعل اثْنَيْنِ مِنْ ثلاثة رَمْيِ يَوْمِ النَحْرِ وَالحَلْق أَوْ التَقْصِير وَالطَوَاف المَتْبُوع بِسَعْيٍ فيصير حلالا له أن يفعل مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ غَيْرَ نِكَاحٍ وَوَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَيحصل التحلل الثَّاني بفعل الثالث من الرمي والحلق أو التقصير والطواف، فإذا فعل الحاج كل هذه الأعمال لم يعد محرما بل صار حلالا يجوز له فعل ما يحرم بالإحرام.
أما الْعُمْرَةُ فَلَهَا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يَطُولُ زَمَنُهُ وَتَكْثُرُ أَفْعَالُهُ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَأُبِيحَ بَعْضُ مُحَرَّمَاتِ الحج فِي وَقْتٍ وَبَعْضُهَا فِي وقت آخَرَ.
أيام التشريق الثلاثة ولياليها، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحِجَّة
يَجِبُ المَبِيت بِمِنًى في لَيَالِي أَيَّامِ التَشْرِيق مُعْظَمَ اللَيْل، وَيَجِبُ رَمْيٌ في كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التشريق بعد الزوال إلَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَالْأُولَى مِن الجمرات هي التي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَهِيَ الْكُبْرَى، وَالثَّانِيَةُ الْوُسْطَى، وَالثَّالِثَةُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، ثم يعود ليبيت الليلة الثانية في منى، ثم يرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو الثاني عشر من ذي الحجة كما رمى في اليوم الأول.
فَإِنْ نَفَرَ (أي خرج من منى) فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَعْدَ رَمْيِهِ وَلَوْ كان خروجه بَعْدَ الْغُرُوبِ ولو عاد إلى منى لشغل وَكان قد بَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ قبله أو ترك مبيتها لِعُذْرٍ جَازَ خروجه وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
شروط صحة رمي الجمرات
شَرْطٌ لِصحة الرَّمْيِ تَرْتِيب الْجَمَرَاتِ بِأَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا إلَى الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ إلَى الْوُسْطَى ثُمَّ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وأن يرمي سَبْعَ حَصَيَاتٍ حصاة واحدة كل مَرَّةٍ فلو رماها كلها مرو واحدة أَوْ رمى حَصَاتَيْنِ مرة واحدة إحْدَاهُمَا بِيَمِينِهِ وَالْأُخْرَى بِيَسَارِهِ لَمْ يُحْسَبْ إلَّا وَاحِدَةٌ ولو رمى حصاة واحدة سبع مرات كفى وَلَا يَكْفِي وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَمْيًا وَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَارِدِ.
وَيشترط كَوْنُ الرمي بِيَدٍ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فَلَا يَكْفِي الرَّمْيُ بِغَيْرِهَا كَقَوْسٍ وَرِجْلٍ.
ويشترط كَوْنُ الرمي بِحَجَرٍ فيجزئ بِأَنْوَاعِهِ وَلَوْ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ الخواتم كَيَاقُوتٍ وَعَقِيقٍ وَبِلَّورٍ لَا غَيْرُهُ كَلُؤْلُؤٍ وَإِثْمِدٍ وَجِصٍّ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ.
وَيشترط قَصْدُ الْمَرْمَى فَلَوْ رَمَى إلَى غَيْرِهِ كَأَنْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَسَقَطَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُحْسَبْ.
وَيشترط تَحَقُّقُ إصَابَتِهِ بِالْحَجَرِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فيه كأن تدحرج وخرج منه كفى، فلو شك في إصابته لم يحسب.
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرمي (لعلة لا يرجى زوالها قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ) أَنَابَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ رَمْيُهُ عَنْهُ إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا وَقَعَ عَن نفسِهِ.
وَلَوْ تَرَكَ رَمْيًا مِنْ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي أيام التَشْرِيق وَلَيَالِيِهِ ويقع أَدَاءً.
وَيَدْخُلُ وقت رَمْيِ أيام التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ (بدخول وقت الظهر) وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا.
وداع مكة
ويجب على غير حائض ونفساء طواف وداع ويسمى بالصَّدَرِ أيضا عند فِرَاقِ مَكَّةَ وَلَوْ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَ حَاجٍّ ومعتمر أو فارقها بسفر قَصِيرٍ، وعلى قول لا يجب طواف الوداع بل يسن، وَيُجْبَرُ تَرْكُهُ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِدَمٍ “ لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا.
وَسُنَّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ (أي يكثر) مِنْهُ وأن يستقبل القبلة عند شربه، وَسُنَّ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ كما قال الشيخ زكريا في فتح الوهاب وغير الشيخ زكريا قال به أيضًا، وَذَلِكَ لِخَبَرِ: “مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجنة ومنبري عَلَى حَوْضِي“.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم