تاريخ الحجر الأسود
يعتبر الحجر الأسود الذي يزيّن زاوية الكعبة المشرّفة، واحداً من أكثر الأشياء أهميةً في تاريخ الإسلام. فهو ياقوتة بيضاء من الجنة لكن لما تمسح به المشركون صار أسود.
وتعود قصته الى زمن سيدنا ابراهيم عليه السلام فعندما أكمل إبراهيم عليه السلام بناء الكعبة قال لابنه إسماعيل: “إيتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علمًا”، فأتاه جبريل عليه السلام بالحجر الأسود فأخذه ووضعه موضعه.
ولما بَلَغَ رَسولُ اللهِ ﷺ خمسًا وثلاثينَ سنةً كان بنيانُ الكعبةِ قد صَارَ ضعيفًا، فجددَت قريشٌ بناءَها فلما وصلُوا إلى مَوضِعِ الحَجَرِ الأَسودِ اختلفوا من يضعُ الحجرَ، فاتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخلٍ يدخلُ، فَدَخَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقالوا: هذا الأمينُ قد رضينا حُكمَهُ، فَبَسَطَ ثَوبَهُ وَوَضَعَ الحَجَرَ فيهِ وقال: ليأخذ رئيسُ كل قبيلةٍ بناحيةٍ من نواحيهِ وارفعوهُ جميعًا، ثم أخَذَ الحَجَرَ بِيَدِهِ ﷺ فوضعَهُ في مكانِهِ.
وهنا أظهر النبي ﷺ ذكاء عاليا في حل مشكلة كانت ستؤدي إلى القتال بين القبائل العربية بالخروج بالفكرة الفريدة التي تتجسد فيها معاني المشاركة والتعاون.
وإلى يومنا هذا، نشهد توافد الحجاج والمسلمين إلى مكة وحرص الكثير منهم على تقبيل الحجر الاسود والدعاء عنده فإنه محلّ تنزّل الرحمة كما قال المناوي في التيسير.
قال رسول الله ﷺ نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشدُ بياضًا من اللبن فسوّدَتْهُ خطايا بني ءادم. رواه الترمذي.
وصف الحجر الأسود
الحجر الأسود من أحجار الجنة كان مودعًا بجبل أبي قبيس، ووضع في مكة بالركن الشرقي من الكعبة المشرفة بأمر الله عز وجل لخليله إبراهيم عليه السلام في نهاية بنائه الكعبة ليكون للناس علما.
وهو الحجر الـمُثَبَّت في الركن الجنوبي للكعبة على ارتفاع (1.10م) من أرض المطاف، طوله (25 سم) وعرضه نحو (17 سم)، وهو مغروس في جدار الكعبة.
قال رسول الله ﷺ ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق. رواه البيهقي، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه. رواه البيهقي.
الدعاء عند الحجر الأسود
قال رسول الله ﷺ ما من أحد يدعو الله عند الركن الأسود إلا استجاب الله له. أخرجه القاضي عياض في كتاب الشفا.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما ما قال: استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، ثم التفتَ فإذا بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: “يا عمر ها هنا تسكب العَبَرات” رواه ابن خزيمة، أي عند الحجر. قال المناوي في التيسير: فإنه محلّ تنزّلات الرحمة.
وعن عمر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحط الخطايا حَطًّا”رواه أحمد.
وعنه أيضا: “على الركن اليماني ملكان يؤمنان على دعاء من مَرَّ بهما وإن على الحجر الأسود ما لا يحصى” كما في أخبار مكة للأزرقي، وقال ملا عليّ القاري في شرح مسند أبي حنيفة: (ومثال ذلك لا يقال إلا عن توقيفٍ فيكون في الحكم مرفوعًا). وروي نحوه عن ابن عبّاس كما أخرج أبو الشيخ بن حيّان.
بيان ما ورد عن سيدنا عمر رضي الله عنه عند تقبيله الحجر
وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قَبَّل الحجر الأسود ثم قال: (والله لقد علمت أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قَبَّلتُك)، وقرأ {لقد كان لكم في رسول الله أسوة}.
وإنما قال ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي أن يظن الجاهل أن استلام الحجر من باب عبادة الأحجار وتعظيمها كما كانت العرب تفعله في الجاهلية، فبيّن عمر أن استلامه اتباع لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لا أن الحجر يضر وينفع بذاته كما اعتقدته أهل الجاهلية في الأوثان، وفي قول عمر إشارة إلى التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتّباع ولو لم يعلم الحكمة فيه كما ذكر ابن حجر في فتح الباري.
وروي أنه لما قال ذلك، قال له أُبيّ بن كعب: إنه يضر وينفع، إنه يأتي يوم القيامة وله لسان زلق يشهد لمن قبله واستلمه رواه الشيخان.
وفي رواية أيضا: أن عليا كرم الله وجهه قال لعمر: بلى يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع وإن الله لما أخذ المواثيق على ولد ءادم كتب ذلك في رق وأَلْقَمَهُ الحجر، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يأتي الحجر الأسود وله لسان يشهد لمن قبله بالتوحيد” رواه الحاكم في المستدرك، فقال عمر: (لا خير في عيش قوم لستَ فيهم يا أبا الحسن، لا أحياني الله لمعضلة لا يكون فيها ابن أبي طالب). وفي رواية أخرى: (أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن).
استلام الحجر الأسود
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أكثروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفتقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذا أصبحوا وقد فقدوه، إن الله عز وجل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة” رواه السيوطي.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ما قال: (أن الله تعالى يرفع القرءان من صدور الرجال والحجر الأسود قبل يوم القيامة).
صفة استلام الحجر
أن يستقبل الحجر ويرفع يديه حذو أُذنيه ومنكبيه موجها باطنهما نحو الحجر، ويقول: بسم الله والله أكبر، ويهلل ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي، ويضع يديه على الحجر ويفرج بينهما، ويضع فمه بينهما بلا صوت ولا لحس باللسان وتكراره ثلاثا مستحب وإن لم يقدر على الاستلام يقوم بحذائه، ويرفع يديه حَذْوَ منكبيه مستقبِلا بباطنهما إيّاه مشيرا إليه كأنه واضع يديه عليه، ويكبر كما مر ويقبل يديه ولا يشير بالفم ولا بالرأس إلى القبلة.
من ءاداب الاستلام
عدم الإيذاء والمدافعة؛ لأن التقبيل سنة وترك الأذى عن الناس فريضة.
الإطار الفضي
إن عبد الله بن الزبير أول من ربط الحجر الأسود بالفضة ثم تتابع الخلفاء في عمل الأطواق من فضة على ما اقتضت الحاجة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم