الحمدُ للهِ الملكِ القديمِ الواحد، العزيزِ العظيمِ سامعِ ذكرِ الذاكرِ وحَمْدِ الحامد، وعالمِ ضميرِ المريدِ ونيةِ القاصد، لعظمتِه خضَعَ الراكعُ وذلَّ الساجد، تنزّهَ عن شريكٍ مشاققٍ أو نِدٍّ معاند، وعزَّ عن ولدٍ وجلَّ عن والد، أقسمَ على وحدانيَّتِه وما يُنكرُ إلا معاند، أحمدُه تعالى على الرخاءِ والشدائد، وأُقِرُّ بتوحيدِه إقرارَ عابد، وأصلي على رسولِه الذي كان لا يُخيبُ السائلَ القاصد، اللهم صلّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه ما رضيَ راضٍ أو عاندَ معاند.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”(ءال عمران:102). وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى:” وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ”(البقرة:235).
إخوة الإيمانِ والإسلام: يقول الله تبارك وتعالى:“إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ”(سورة ءال عمران:96). فأوّلُ بيتٍ جُعِلَ لعبادةِ اللهِ تعالى هي الكعبةُ المشرفةُ ، وأوّلُ من بنى الكعبةَ المشرفةَ هو أوّلُ رسولٍ ونبيّ سيدُنا ءادمُ عليه السلام، ثم إنها انهدمتْ بالطُّوفانِ الذي حصلَ في زمنِ سيدِنا نوحٍ عليه السلام، والذي عمَّ كلَّ الأرضِ، فأمرَ اللهُ تعالى نبيَّهُ إبراهيمَ عليه السلام ببناءِ الكعبةِ المشرفة، وأرشدهُ إلى مكانِ البيتِ الحرام، يقول ربُّ العزةِ في محكمِ كتابِه: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”(١) (سورة البقرة:127). وبعد أن فَرَغَ سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام من بناءِ الكعبةِ المشرّفةِ مع ولدِه إسماعيل أمرهُ اللهُ أن يؤذِّنَ في الناسِ بالحجِّ قال تعالى: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ” (سورة الحج:27)، وقد روى الحاكمُ والنَّسائيُّ والبيهقيُّ واللفظ له عن الصحابيِّ الجليل عبدِ اللهِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:” لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ : رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ فَقَالَ(٢): أَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ : رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِى قَالَ أَذِّنْ وَعَلَىَّ الْبَلاَغُ(٣) قَالَ : رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ حَجُّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ يُلَبُّونَ”(٤). فكتبَ أي أوجب اللهُ علينا الحجّ بشروطِهِ؛ لما فيه من الرسائلِ والحكمِ العظيمةِ، وهو عنوانُ خطبتِنا بإذن الله تعالى.
إخوة الإسلام: إنَّ لأَعمالِ الحجِّ وشَعَائِرِهِ فَوائِدَ وَحِكَمًا عظيمَةً ومَزايَا جَليلَةً، لو أدرَكَ كثيرٌ من المسلمينَ مَغْزاها لَتَسابَقُوا إِلَيْها؛ فالحجُّ اجتماع سَنَوِيٌّ كبيرٌ يَجْتَمِعُ فيهِ مئَاتُ الآلافِ من المسلمينَ على كلمَةِ لا إلهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، وهناكَ يَدْعونَ رَبَّهُم وخالِقَهُم ويتعارَفُونَ وَيَأْتَلِفُون، هناكَ في تلكَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ يَتَذَكَّرُ المسلِمُ أَخَاهُ المسلِمَ وَمَا لَهُ مِنْ حُقُوقٍ، فتتَجَلَّى معانِي الأُخُوَّةِ بَيْنَ المسلمينَ في أَجْلَى صُوَرِها، فَالحجَّاجُ جميعُهُم قد لَبِسُوا لباسَ الإِحرامِ قائِلِينَ: “لَبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك، لبيْكَ لا شريكَ لَكَ لبيك، إِنَّ الحمدَ والنعمةَ لَكَ وَالملك، لا شريكَ لكَ“. وهم مُتّجَرِّدونَ من مباهِجِ الحَياةِ الدنيا الفانيةِ، صغيرُهُم وكبيرُهُم، غَنِيُّهُم وفقيرُهُمْ كلُّهُم سَوَاءٌ لا يَتَفاضَلُونَ إلاَّ بالتَّقوَى.
والحَجُّ تَمْرِينٌ عَمَلِيٌّ لِلإِنسانِ عَلَى الصَّبرِ وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ والمصاعِبِ لِمُواجَهَةِ مَشاكِلِ الحيَاةِ وَلِنَيْلِ الدَّرجاتِ العُلَى وَالفَوْزِ بِجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وليس الحجُّ موعدا لمعصيةِ الله تعالى، وسبِّ المسلمين، والاعتداءِ عليهم وترك الصبرِ على أذاهم، وقد روى البخاريُّ في صحيحِه عن الصحابيِّ الجليلِ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:”مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”. فمن لم يرفُثْ أي لم يُجَامِعْ وهو في الإِحْرَامِ، ولَم يَفْسُقْ أي تَجَنَّبَ الكَبَائِرَ كسِبَابِ المسْلِمِ وضَرْبِهِ ظُلْمًا، ونَحوِ ذلك، رجع كيومَ ولدتْهُ أمُّه، أي غفرت له الكبائرُ والصغائر، ولكن لا يعني هذا أن يترك قضاءَ صلاةٍ أو صيامٍ أو دَينٍ أو نحوِ ذلك. وليُنتبهْ من أنه حَتَّى يُكَفِّرَ الحَجُّ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ وَيَجْعَلَ الإِنْسَانَ بِلَا ذَنْبٍ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، لا بدَّ من شروطٍ قد يَغْفُل عَنْهَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمِنْ ذَلِكَ أن يكونَ حجُّه صحيحًا. وأَنْ تَكُوْنَ نِيَّتُهُ خَالِصَةً للهِ تَعَالَى، وأن يكونَ المالُ الذي تزوّدَ به لحجِّهِ طيبًا حلالًا، بخلافِ من يقصِدُ الحجَّ بمالٍ حرامٍ كمالِ الرّبا أو غيرِه مما يُحصِّلُهُ كثيرٌ من الناسِ اليومَ بطرقٍ فاسدةٍ خارجةٍ عن قانونٍ الشرعِ فلا تكونُ له هذه المزيةُ. وقد قال العالمُ الجليلُ عبدُ الله الحدادُ الحضرميُّ:”إن من تكلّف الحجّ شوقًا إلى بيت الله وحرصًا على إقامة الفريضةِ إيمانُه أكملُ وثوابُه أعظمُ وأجْزَلُ، لكنْ بشرطِ أن لا يُضيِّعَ بسببِهِ شيئًا من الفرائِضِ، وإلا كان ءاثمًا واقعًا في الحرجِ كمن بنى قصرًا وهدم مِصرًا“(٥)، وهذا كمن يُضيِّعُ النفقةَ الواجبةَ عليه. نسأل الله تعالى أن يرزقَنا الوقوفَ على عرفاتٍ قبلَ الممات، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
إخوةَ الإسلام: تدخلُ علينا أيام العشرِ من ذي الحجةِ المباركةِ يومَ الأربعاءِ أو الخميسِ القادم، ورسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: “إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ؛ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئاً”رواه الإمام مسلم. فيُسنُّ ويستحبُّ لمن أرادَ أن يضحيَ أن لا يأخذَ شيئًا من شَعَرِهِ من ليلةِ اليومِ الأوّلِ من ذي الحجةِ إلى الفراغِ من ذَبحِ الأضحية، سواءٌ شعرَ رأسِهِ أو غيرِه، وسواءٌ أكان الأخذُ بقصٍّ أم نتفٍ أم غيرِه، وكذلك لا يأخذُ شيئًا من ظُفْرِهِ، إلا أنه لو فعل شيئا من ذلك فلا إثمَ عليهِ؛ بل يُكره ذلك عندَ السادةِ الشافعيةِ وأضحيتُهُ صحيحةٌ. والحكمةُ من ذلك أن يبقى كاملَ الأجزاءِ ليُعتَقَ كلُّه من النار، وأما التطيّب أو معاشرةُ الزوجةِ فلا تحرم ولا تكره، نسألُ اللهَ تعالى أن يُعتقَنا من النار، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:“إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ”لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ.
اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
١. روى البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:” قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ”. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ناقلا عن الحافظِ ابن الجوزي في كيف يجاب على ما ورد في الأحاديث من أن سيدنا إبراهيم هو أول من بنى الكعبة المشرفة، وسليمان هو أول من بنى بيت مقدس، ما نصه:” وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن”.
٢. أي اللهُ عز وجلّ، وكلام الله تعالى صفته أزليٌّ لا أول له، أبديٌّ لا نهاية له، فلا يُبتدأ ولا يُختتم.
٣. جاء في بعض الروايات، كما عند الحافظ البيهقي في شعب الإيمان والحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن الله تعالى أسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء قول سيدنا إبراهيم عليه السلام، فأجابه من آمن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
٤. صححه الحاكم في المستدرك، وحسنه وقوّاه الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
٥. كتاب النصائح الدينية والفوائد الإيمانية، للعالم عبد الله الحداد الحضرمي.
=======================
الحج رحلة المواقف والعبر
رحلة تتوق إليها قلوب المؤمنين، باذلين الغالي والنفيس، هاجرين الأهل والأوطان، ملبّين نداء المولى عزّوجل في القرءان شاهدين خيرات ومنافع لهم. قال تعالى وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. سورة آل عمران: ءاية 97.
وَعَى المؤمنون عظيم مكانة الحج وأداء هذه الفريضة، ففاضت بهم الأشواق وحثتهم على تحمل الصعاب، تَحلّوَا بالعزم وانقطعوا عن العلائق المانعة، شَرَوا ثياب الإحرام وهيّأوا الزاد والراحلة، ثم ساروا في البوادي حتى بلغوا الميقات فأحرموا بالتلبية، ثم دخلوا مكة ووقفوا على عرفات وباتوا بمنى ومزدلفة ورموَا الجمار وطافوا بالبيت العتيق وذبحوا الهدي والأنعام وزاروا مدينة خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام.
آيات بيّنات ومحطات متتاليات من تفكّر بها وتأمل في عميق معناها، استخلص العبر والمواعظ، فتعال معي أخي القارئ ننهل من معانيها ما يحملنا على التقوى ويثبتنا على طريقها، وما يُهذِّب نفوسنا ويسمو فيها.
الشوق
إن الوصول إلى رضا الله تعالى غاية المأمول، وطريقه تعلم علم الدين والعمل به ويعين على ذلك الكف عن الشهوات وتجرد القلب من علائق الدنيا وهذه أساس زاد الحاج لبيت الله الحرام، فبعد العلم بفرضية الحج وعظيم جزائه، تشوّقت النفوس لهذه الرحلة المباركة فإن المحب لله يحب ويشتاق إلى كل ما له عند الله منزلة وإلى كل عمل يحبه الله، والكعبة المشرفة أضافها الله اليه إضافة التشريف والتعظيم فقال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [سورة الحج: ءاية36] فمن اشتاق إلى بيت الله حريّ به الشوق إلى رب هذا البيت.
العزم
ومن تمكن بقلبه الشوق لما يحب الله يُنبت بقلبه العزم للوصول إليه، فترى الحاج بعزمه قاصدا إلى مفارقة الأهل والوطن ومهاجرا للشهوات واللذات متوجها إلى زيارة بيت الله، معظما له كما أمر الله مستحضرا عظمة البيت ورب البيت، وكذا حري بنا أن نشتاق لأداء جميع أوامر الله والانتهاء عما نهى عنه ونتحلى بالعزم في ذلك فلئن كان الحج مرة في العام فأداء ما أوجب الله مطلوب منا سائر العام.
قطع العلائق
لا يصل الحاج إلى مقصده إلا إن انقطع عن العلائق المانعة ومن جملتها رد المظالم والتوبة إلى الله تعالى عن جملة المعاصي، فكأن حال المظلوم عندك ممسك بتلابيب ثوبك يناديك بلسان حاله ويقول: إلى أين تتوجه أتقصد بيت ملك الملوك وأنت مضيع أمره في منزلك هذا مهمل له؟! أو لا تستحي أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك؟! وكذا ينقطع الحاج عن العوائق من تعلق القلب بالأهل والولد والعمل وينطلق بالعزيمة نحو مقصده ومن هذا نتعلم أن من كان راغبا القبول عند الله في الآخرة يتب إلى الله تعالى من جميع الذنوب ويتذكر كما يقطع الحاج العلائق لسفره فلنقطع العلائق لسفر الآخرة فإن ذلك بين يديه على القرب.
الزاد والراحلة ومفارقة الأهل
نتفكر بأن الحاج يطلب زاده ويحرص على أن يكون حلالا، ولا يستكثر منه ويتحرى ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغير ولا يفسد قبل بلوغه المقصد، ويتخيّر من الدواب ما يخفف عنه المشقة ويتحمل عنه الأذى ويصبر على مفارقة الأهل والأوطان ويحتمي من الأخطار التي قد تواجهه في الطريق، فليتذكر الواحد منا أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر وقد ينتهي الأجل في أي لحظة فلا بد من الزاد لهذا السفر وأن خيره التقوى وأن ما عداه يتخلف عنه عند موته فلا يبقى معه ويتذكر اخر مركب يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يُحمَلُ عليها، ولينظر أيصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادا له لذلك السفر على ذلك المركب؟ فما أقرب ذلك منه، وما يدري الواحد منا لعل الموت قريب ويكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للجمل وركوب الجنازة مقطوع به وتيسر أسباب السفر مشكوك فيه فكيف يُحتاط في أسباب السفر المسكوك فيه ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن؟ وكما في طريق الحج مخاطر قد يواجهها العبد من سباع وهوام وانقطاع الماء والزاد كذا في طريق الاخرة ما يكون خطيرا على العبد إن لم يرع نفسه ويأخذ بأسباب الحماية كالرياء والغفلة والجهل والشهوة. وفي القبر والآخرة من أنواع العذاب ما يكون من نحو العقارب والحيات ونحوها من الأهوال فحري بنا تهيئة الزاد ليوم المعاد.
ثياب الاحرام والتلبية
يشتري الحاج ثوبين أبيضين إزار ورداء يتجرد من ثيابه كلها ممتثلا أمر الله من خلع المخيط المحيط وينبهنا هذا إلى ثوب الكفن وكلاهما لا مخيط فيهما حيث يُلف الميت بعد تجريده من ثيابه ويمضون به إلى قبره فالحاج يقبل إلى بيت الله مجردا من زخارف الدنيا فمن أراد النجاة يوم القيامة فلا يلقى الله عزوجل أي بالموت إلا في زي مخالف لزي أهل الدنيا ظاهرا وباطنا.
ويرفع حجاج بيت الله الحرام أصواتهم بالتلبيات مستجيبين نداء مولاهم {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [سورة الحج: ءاية 27] لبيك اللهمَّ لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا اله إلا أنت، توحيد وتنزيه إقرار وشكر، بين رجاء القبول وخيفة الحرمان، فما أعظمها من نداءات وأسماها من جُمَل، وليكن لسان حالنا اتجاه جميع أوامر الله حال الحجاج لبيك اللهم لبيك وفي هذا إظهار العزيمة من العبد والانقياد لأوامره مع الاعتراف بوحدانيته وتنزهه عن الشريك والشبيه والمثيل مقرين بنعمه شاكرين عليها. ونحافظ على هذا العهد بالثبات فمن توجه لله قلبه وسمت عن العوالق نفسه لا ينبغي له بعد ذلك أن ينقض عهد توبته وينكب معرضا بوجهه.
الوقوف بعرفات
ما أعظمه من موقف مهيب حيث يجتمع فيه المؤمنون على اختلاف أجناسهم عربي وعجمي، وألوانهم الأبيض والأسود، ومراتبهم الأمير والمأمور، بزي واحد وقلب واحد ونداء واحد وهدف واحد، تشرق بهذه الصورة أبهى مظاهر الوحدة والاجتماع والتي نحن بأمس الحاجة إليها في زماننا مع تفرق الكلمة وتشعب الآراء واختلاف المصالح فمتى نتعظ؟ ونرجع كالبنيان المرصوص متوحدين على التوحيد والكلمة الطيبة والنهج المعتدل والمشرب الصافي متعاونين على نشر الخير والفضيلة بين الناس حتى نلقى الله وهو راض عنا.
ونعتبر أيضا من هذا الموقف وقد اختلفت أحوال الناس فيه بين الداعي والراجي، كل جماعة خلف قائدهم يرددون ويدعون ويسيرون، يذكرنا هذا بمواقف القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة واقتفاء كل أمة نبيها طامعين في شفاعتهم، وقد دُعي كل أناس بإمامهم، فاحرص على أن تكون من الناجين في تلك المواقف خلف إمام الهدى محمد عليه الصلاة والسلام وخلف من جاء بعده من الأئمة الأعلام حماة الإسلام ويكون ذلك بالتمسك بالجماعة والبعد عن الفرقة وأداء الواجبات واجتناب المحرمات.
الطواف بالبيت
يطوف الحجاج ببيت الله الحرام كما أمر الله وكأن لسان الحال يدعو ويقول يا رب أنا حيثما كنت وكيفما اتجهت فقلبي دائما متوجه إليك ساعين في مرضاتك متوكلا عليك لا يؤخرني عن طاعتك تعب ولا مشقة ولا يبعدني عن طريق مرضاتك لهو ولا شهوة، نسأل الله الثبات.
رمي الجمار
اتباعا لأمر الله واقتداء بنبيه إبراهيم عليه السلام حيث رجم إبليس حينما ظهر له محاولا ثنيه عما عزم عليه من تنفيذ أمر الله وفي هذا العمل إظهار تمام انقياد العبد لمولاه فإن هذا الفعل تعبدي نؤديه انتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ النفس، وفيه من العبر بعد إظهار الانقياد لله بامتثال أمره قصم ظهر الشيطان إذ يحصل إرغام أنفه بامتثالك لأوامر الله، فكن مرغما له في جميع أحوالك وأفعالك وفي أي بلد كنت.
زيارة مدينة رسول الله ﷺ وقبره الشريف
تقع أبصار الزائرين على جدران وطرقات مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدمع عيونهم شوقا إليه مع اقترابهم من قبره الشريف متذكرين رسولهم صلى الله عليه وسلم وأماكن جلوسه وقعوده وحيث صلى وحيث خطب وكل هذا يفجر الأشواق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيحدو بنا الشوق إلى التمسك بنهجه أكثر وأكثر واتباع سنته والثبات عليها.
قال رسول الله ﷺ مَنْ حَجَّ، فلَمْ يَرْفُثْ، وَلم يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدْتُهُ أُمُّهُ. متفق عليه.
حج مبرور وسعي مشكور وتجارة لن تبور، بعد تكبد عناء السفر، وخطورة الطريق، والبعد عن الأهل والأوطان، وتحمّل الصعاب، البشرى لمن قًبل منه عمله، ونحن جميعا في الدنيا كعابري السبيل فمن تعب بها بطاعة الله وجد وثبت يلقى الجزاء الحسن حيث ينسى تعبه ومشقته ويجد الثواب الجزيل ولا يضيع عند الله مثقال ذرة من خير. فكن على استعداد لما هو آت وإن لم تكن بين الحجيج ملبيا فكن بقلبك لله دائما ملبيا خاضعا متذللا متجردا من شهوات النفس وزخرفة الدنيا تلق حسن الجزاء.
ق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم