الثلاثاء، 4 مارس 2025

حكم خروج المرأة من بيتها متعطرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

ليس كل امرأة خرجت من بيتها متعطرة تكون عاصية، وإنما العاصية هي تلك التي أرادت من تعطّرها استمالة الرجال إليها.


فخروج المرأة متعطرة له ثلاث حالات :


الحالة الأولى : أن تعلم وتتحقق أنها إن خرجت متعطرة مرت بالرجال وافتتنوا بها ، فخروجها حينئذ متعطرة حرام لا يجوز وقيل كبيرة والله أعلم.


الحالة الثانية : أن يغلب على ظنها أنها ستمر برجال ويفتتنون بها، فيكون خروجها محرماً، وليس بكبيرة .


الحالة الثالثة : أن يكون الأمر مجرد خشية أن تمر برجال يجدون ريحها والغالب على ظنها غير ذلك، كأن تخرج في سيارتها أو مع محرم إلى مجلس النساء، والغالب على ظنها عدم المرور برجال، فيكون خروجها متعطرة مكروها وليس محرماً، وقد أشار إلى الحالات الثلاث الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الزواجر عن اقتراف الكبائر بعد أن عنون بقوله : ( الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين : خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة ولو بإذن الزوج ) وذكر مجموعة من الأحاديث التي فيها الزجر عن خروج المرأة متعطرة ومن ذلك :


ما أخرجه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا . يعني زانية .


وما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما : أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية . ورواه الحاكم وصححه .


ثم قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله بعد أن ساق جملة من الأحايث : تنبيه : عد هذا ــ أي عد التعطر مع الخروج كبيرة ــ هو صريح هذه الأحاديث ، وينبغي حمله ليوافق قواعدنا على ما إذا تحققت الفتنة ، أما مع مجرد خشيتها فهو مكروه ، أو مع ظنها فهو حرام غير كبيرة كما هو ظاهر . اهـ


حديث النبي ﷺ  : “أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية”.. العلماء الذين بحثوا في فقه النص قالوا إن اللام في كلمة “ليجدوا” للتعليل لا للعاقبة، وقالوا إن المعنية بالنص هي المرأة المتعطرة (لأجل) أن يجد الرجال ريحها، ويدخل في المحظور (نية) لبس المرأة لعباءتها؛ وإن لم تتعطر، ودليلهم ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها  : “أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ثم يحرمن ثم يعرقن فيسيل على وجوههن فيرى ذلك رسول الله ﷺ  فلا ينكره”.


وخلاصة الفهم الصحيح للنصّين هو أن على المرأة إن خرجت لمجامع الناس، وغلب على ظنها المرور بالرجال عدم التعطر بما ينفذ ريحه إلى الأنوف، بدليل قوله ﷺ : “إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا”، أما عكس ذلك فيجوز لها ـ المرأة ـ الطيب إذا كان خروجها إلى مجمع نسائي لا تمر في الطريق على الرجال.

أما إزالة رائحة العرق، وغير ذلك مما يشبهه فلا شك أنه لا خلاف في لزومه؛ ونصوص الفقهاء دالة على “سنية قطع الرائحة الكريهة” المنبعثة من الجسم نفسه، أو من الملابس المصنوعة من الألياف الصناعية، أو التعرض للزحام، أو الأجواء المشمسة، أو ارتفاع معدَّل السموم بالجسم، أو تناول بعض الأنواع من الأطعمة والأدوية وغير ذلك.

لام العاقبة هي اللام التي يأتي ما بعدها مناقض لما قبلها، كما في قوله سبحانه وتعالى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (سورة القصص، ٨-٩).

هم التقطوه أي لموسى عليه السلام ليكون لهم عونا وفرحا،  ولكنه كان لهم عدوا وحزنا، فاللام في ليكون لام العاقبة ما بعدها مناقض لما قبلها. 

وفي الحديث ليجدوا ريحها ليست للعاقبة وإنما للتعليل، معناه ليس كل امرأة متعطرة خرجت من بيتها متعطرة تكون عاصية، وإنما تلك التي أرادت استمالة الرجال إليها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم