إنَّ اللهَ تعالى قدْ بيّن في شرعهِ الذي أوحاهُ إلى سيّدنا محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلّم طريقًا واضحًا للدخولِ في الإسلامِ وهوَ أنْ يقولَ الإنسانُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ معَ اعتقادِ معنى هاتينِ الشهادتينِ جازمًا بقلبهِ، فمَن نطقَ بلسانهِ ولم يصدّقْ بقلبهِ فهوَ منافقٌ، لكننا نحكمُ بإسلامهِ لخفاءِ ما يُبطنُ علينا ونعاملهُ معاملةَ المسلمِ أخذًا بظاهرِ حالهِ وأما عندَ اللهِ فهوَ كافرٌ خالدٌ في النارِ إنْ ماتَ منْ غيرِ التوبةِ كما قالَ ربُّنا تباركَ وتعالى ﴿إنَّ المنافقينَ في الدَّركِ الأسفلِ منَ النارِ﴾ ومَن صدَّقَ بقلبهِ ولم يَنطقْ بلسانهِ فهوَ أيضًا كافرٌ عندَنا وعندَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وممن نقل الإجماع على أن الرجوع إلى الإسلامِ يكون بالشهادتين الحافظ المجتهد محمد بن إبراهيم بن المنذر المتوفى 318 هـ في كتابه الإجماع طبع دار الجنان الطبعة الأولى (1406 – 144) والحافظ المجتهد أبو الحسن علي بن القطان الفاسي المتوفى 628 هـ في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع طبع دار القلم دمشق (1927 – 4).
قال الحافظ المجتهد أبو الحسن علي بن القطان في الإقناع في مسائل الإجماع (ذكر صفة كمال الإيمان) وأجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأتبرأ من كل دين خالف الإسلام. وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدًا.
وَفي شَرْح صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا) (ومذهب أهل السنة أن المعرفةَ مُرْتَبطةٌ بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجى من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر عليها من آفة بلسانه أو لم تمهله المدةُ لقولها حتى اختُرِم) وقال رحمه الله تعالى (فنُقرّر أولاً أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الإيمان وشهد مخلصاً من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصى والتبعات دخل الجنة برحمة ربه وحُرّم على النار بالجملة).
وقالَ النوويُّ في شرحه على مسلم (وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَنِ اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ اعْتِقَادًا جَازِمًا خَالِيًا مِنَ الشُّكُوكِ وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَصْلًا إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ أَوْ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِمُعَاجَلَةِ الْمَنِيَّةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا).
وما تقدَّم لا يعني أنهُ يُشترطُ الإتيانُ بلفظِ (أشهدُ) لا غير بلْ نصَّ العلماءُ على أنَّ مَن نطقَ بمعنى الشهادتينِ صحَّ إسلامهُ وإن لم يأتِ بلفظِ أشهدُ.
وقالَ الحليميُّ في كتابه المنهاج (ولا خلاف أن الإيمان يصح بغير كلمة لا إله إلا الله حتى لو قال لا إله غير الله أو لا إله سوى الله أو ما عدا الله أو ما من إله إلا الله أو لا إله إلا الرحمن فكقوله لا إله إلا الله).
وقالَ الأردبيليّ في الأنوارِ (ويصح الإسلام بجميع اللغات) وقال (وقوله أحمد أو أبو القاسم رسول الله كقوله محمد رسول الله).
وقال النووي الشافعي في الروضة (وقال أي الشافعي في موضع إذا أتى بالشهادتين صار مسلما).
وقال في كتاب الكفارات (المذهب الذي قطع به الجمهور أن كلمتي الشهادتين لا بد منهما ولا يحصل الإسلام إلا بهما).
وكذلك توبة المرتد هي الإقلاع عن الكفر فورا والنطق بالشهادتين بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ولا ينفعه قول أستغفر الله قبل الشهادتين، كما نقل الإجماع على ذلك الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه الإجماع.
وقال الفقيه الحنبلي منصور بن إدريس البهوتي في كشاف القناع عن متن الإقناع ما نصه (وتوبة المرتد إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله…. وهذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذا المرتد).
وأما الأعجميُّ الذي لم يتعوّدْ إخراجَ حرفِ الحاءِ صحيحًا وإنما يخرجهُ هاءً أو غيرَها منَ الحروفِ الأخرى فإنهُ إذا أرادَ الدخولَ في الإسلامِ ولم يحسنِ النطق بلفظ محمد صحيحًا يقال له قل أبو القاسم رسول الله ويعلّم أن المراد بأبي القاسم هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إن فُرض عدم معرفته بذلك فإن لم يحسن ذلك يُعلّم فإن عجز مع ذلك عن النطق بالاسم صحيحًا أو لم يوجد من يعلمه كانت حاله حالاً خاصة به مختلفة عن الحال المذكورة في أصل المسئلة بحيث لا يشترط منه الاتيان بالشهادة الثانية عندئذ ليكون مؤمنا عند الله تعالى، ولا يُحمل عليها الحكم العام، هذا كله في الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام وأما المسلم المولود بين أبوين مسلمين فلا يلزمه النطق بالشهادتين ليحكم بإسلامه وإذا حرّف اسم النبيّ صلى الله عليه وسلم أُرشِد إلى التلفظ به على الوجه الصحيح كما لو حرّف اسم الله تعالى، ولا يخفى أن (أبا القاسم) مشهور كونه علمًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم كمحمد وأحمد وقد صحت النصوص الدالة على ذلك بلا خلاف وانتشر ذلك بين المسلمين.
وروى مسلم عن جابر قال ولد لرجل منا غلام فسماه محمدا فقال له قومه لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بابنه حامله على ظهره فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ولد لي غلام فسمّيته محمدا فقال لي قومي لا ندعك تسمي باسم رسول لله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تسمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم أقسم بينكم).
وروى ابن ماجه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، فنادى رجل رجلا يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إني لم أعنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي)، وروى الشيخان وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (أنا محمد وأحمد) ولا يخفى أيضًا أن أئمة المساجد الكثيرين وأساتذة المدارس الشرعية والمؤذنين المنتشرين في بلاد المسلمين كلها عربية وغير عربية كانوا وما زالوا يُقرئون القرءان ويدرّسونه ويؤمون في الصلاة ويعلمون قراءة الفاتحة ويؤذنون متلفظين بحرف الحاء صحيحًا في ذلك كله ويبيّنون سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكرون أسماءه وشمائله الشريفة في دروسهم وعظاتهم وخطبهم كما في ذكرى المولد وغيرها من المناسبات الدينية والاحتفالات العظيمة فمن أراد أن يتعلم اللفظ الصحيح فالباب واسع مفتوح أمامه والله الموفق وعليه التُّكلانُ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم