قال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام بتصرف
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، فَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالنُّحَاةُ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَكْثَرُونَ .
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالنَّفْيِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْإِثْبَاتِ .
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالصِّحَّةِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ ، أَمَّا الْمَنْقُولُ ، فَمِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ ، وَالشِّعْرِ ، وَالنَّثْرِ .
أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) ، وَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي آيَةٍ أُخْرَى : ( إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) وَالْجِنُّ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ نَارٍ عَلَى مَا قَالَ : ( خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ) وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَلِأَنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ عَلَى مَا قَالَ - تَعَالَى - : ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ ) ، وَلَا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلَائِكَةِ فَلَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِمْ ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْهُمْ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوُّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) اسْتَثْنَى الْبَارِي - تَعَالَى - مِنْ جُمْلَةِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهَا ، وَالْبَارِي - تَعَالَى - لَيْسَ مِنْ جِنْسِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) اسْتَثْنَى الظَّنَّ مِنَ الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ) اسْتَثْنَى السَّلَامَ مِنَ اللَّغْوِ ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْبَاطِلِ ، وَقَدِ اسْتَثْنَاهَا مِنْهُ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا ) اسْتَثْنَى الرَّحْمَةَ مِنْ نَفْيِ الصَّرِيخِ وَالْإِنْقَاذِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ) وَمَنْ رَحِمَ لَيْسَ بِعَاصِمٍ ، بَلْ مَعْصُومٌ ، وَلَيْسَ الْمَعْصُومُ مِنْ جِنْسِ الْعَاصِمِ .
[ ص: 294 ] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ) اسْتَثْنَى الْخَطَأَ مِنَ الْقَتْلِ ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ .
وَأَمَّا الشِّعْرُ : فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ مِنْهُمْ :
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
[1] وَالْعِيسُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَنِيسِ .
وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ :
وَقَفَتْ فِيهَا أَصِيلًا لَا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
إِلَّا أُوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيَ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ
وَالْأَوَارِيُّ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَحَدِ .
وَقَالَ :
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
[2] وَلَيْسَ فُلُولُ السُّيُوفِ عَيْبًا لِأَرْبَابِهَا ، بَلْ فَخَرًا لَهُمْ ، وَقَدِ اسْتَثْنَاهَا مِنَ الْعُيُوبِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا .
وَأَمَّا النَّثْرُ فَقَوْلُ الْعَرَبِ : مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ ، وَمَا بِالدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا الْوَتِدُ ، وَمَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا عَمْرٌو .
اسْتَثْنَوُا النَّقْصَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالْوَتِدَ مِنْ أَحَدٍ ، وَعَمْرًا مِنْ زِيدٍ ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ .
[ ص: 295 ] وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَرْفَعُ جَمِيعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَصَحَّ ، كَاسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَبِالْعَكْسِ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم