قال أحد المهتدين حفظه الله
من أهمّ الأسباب التي دفعتني إلى ترك الوهابية تقديسُهم لآرائهم وآراء شيوخهم، دون نظرٍ حقيقيٍّ إلى مدى انضباط استدلالاتهم بضوابط أصول الفقه المعتبرة. فهم يدّعون أنهم قد بلغوا الحقّ المطلق عبر ما يسمّونه فقه الدليل واتباع الدليل في كل مسألة عقدية أو فقهية، قديمة كانت أو نازلة، وهذا ما يجرّهم إلى التسرّع في تبديع المخالفين أو تكفيرهم، مهما بلغت منزلة ذلك المخالف وعظم قدره. ولو أدركوا حقيقة ما هم فيه من جهلٍ مركّب، لانصهروا حياءً. وهم يتعاملون مع النصوص القرآنية والسنّية على أنّها كلّها محكمة، وكلّها قطعية الدلالة، وفق المعاني التي توافق أهواءهم وفهومهم الخاصة. كما يزعمون أنّهم وحدهم أتباع القرآن والسنّة والسلف، وهي من أعظم المغالطات؛ إذ يفضي هذا الادّعاء ضمنًا إلى اتهام أهل السنّة والجماعة بعدم اتّباع القرآن والسنّة، وكأنّ أهل السنّة يتّبعون التوراة والإنجيل! وأمّا السلف، فإنّهم لم يتّفقوا على كل مسألة، بل وقعت بينهم خلافات اجتهادية معتبرة، فضلًا عن أنّ كثيرًا من المسائل المستجدّة في عصرنا لم يكن للسلف فيها قولٌ بعينه، وإنما تُردّ إلى أصولهم وقواعدهم وضوابط استنباطهم، لا إلى ادّعاء أن فهمًا واحدًا معيّنًا هو قول السلف بلا منازع. وهم في جهلٍ مركّبٍ لا يدركون أنّ كثيرًا من شعاراتهم جوفاء؛ يدّعون اتباع القرآن والسنّة وهم من أبعد الناس عن فهم الكتاب والسنّة، ويدّعون اتباع السلف والسلف منهم براء. فلا سند لهم إلى السلف، بل يحاربون مذاهب أهل السنّة في العقيدة والفقه، وهي المذاهب التي حفظت لنا مناهج السلف ومسائلهم، ويهاجمون أئمةً من كبار الحنابلة، كالقدومي والسفاريني والمواهبي وغيرهم، ممن قرروا بوضوح أن الأشاعرة والماتريدية، إلى جانب الحنابلة، كلّهم من أهل السنّة والجماعة.
والوهابية لا يدركون أن مشايخهم عوامّ وصحفيون لا يملكون منهجية علمية منضبطة؛ لأنهم لم يتلقّوا العلم عن أهله، وتكلّموا في غير فنونهم، فأتوا بالعجائب. فتجدهم في الحديث يأتون بالعجائب، وفي الفقه كذلك، وأعظم المصائب ما وقعوا فيه في باب العقيدة. وقد ضلّ الوهابية لأنهم بلا مشايخ، فتجرؤوا على الكلام والتصنيف في غير اختصاصهم، فكان من أخطر ما قدّموه للأمة توسيع دوائر التبديع والتكفير، حتى بدّعوا وكفّروا كل من خالفهم. وهم يرون أنفسهم أهدى وأعلم من علماء المذاهب السنية، بل يتّهمون المذاهب السنية بأنها لا تتبع الكتاب والسنة ولا فهم سلف الأمة، متجاهلين أن المذاهب السنية هي التي نقلت إلينا مناهج السلف ومسائلهم بالأسانيد المتصلة.
يتّهم الوهابيةُ المذاهبَ السنيةَ بأنها لا تتبع القرآنَ والسنةَ ولا فهمَ سلف الأمة، مع أن مشكلتهم الحقيقية تكمن في عدم التمييز بين نصوص الكتاب والسنة من جهة، وبين فهم البشر لها من جهة أخرى؛ إذ توهّموا أن فهمهم الخاص هو عينُ الوحي، كما وقع للخوارج حين لم يفرّقوا بين الوحي المعصوم والرأي البشري. فكما قال الخوارج قديمًا — عن جهلٍ وسوء فهم — إن الإمام عليًّا رضي الله عنه قد حَكَّم الرجال في دين الله، يقول الوهابية اليوم إن أتباع المذاهب الأربعة قد حَكَّموا أقوال الأئمة في دين الله. وعلى الوهابية أن يتقوا الله في المشايخ والأئمة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولم يكونوا يومًا أندادًا للوحي ولا مزاحمين له.
الفرقُ الضالّة كالوهابية ترى أن فهمها لكتاب الله وسنّة رسوله وحيٌ مُلزِمٌ لجميع الأمة، لا يجوز مخالفته ولا مناقشته، وبناءً على هذا التصوّر المنحرف يُكفّرون ويُبدّعون كل من خالفهم كائنًا من كان، سواء أكان المخالف بعضَ العلماء، أو المذاهبَ السنيةَ المعتبرة، أو حتى ما عليه اتفاقُ أهل السنة والجماعة. ففهمهم للكتاب والسنّة، بل وفهمهم لفهم السلف، عندهم مقدّسٌ معصومٌ مُقدَّمٌ على الجميع بلا استثناء، وسيفُ التبديع والتكفير عندهم مسلولٌ على كل من أنكر أو خالف أو ناقش. وهؤلاء إذا تكلّموا تصرّفوا وكأن القرآن هو الذي نطق، أو الحديث هو الذي تكلّم، أو السلف هم الذين عبّروا بألسنتهم، حتى كأن القرآن والسنّة والسلف قد تجسّدوا في ذواتهم وآرائهم. نعوذ بالله من هذا الغلوّ، ومن هذا التقديس الفاسد للآراء البشرية. وبعضُ الوهابية ما دخلوا قريةً إلا أفسدوها، وكان فسادهم ظاهرًا جليًّا، ولا سيما في المناسبات الدينية، ومن أوضح ذلك ما يقع قبيل صلاة عيد الفطر، حيث ينشغلون بتشويش الناس وإثارة الفتن، كمسألة تفسيق وتبديع من يرى إخراج زكاة الفطر نقدًا، فيطرحون بسطحيةٍ واستفزاز: أَنَتَّبِعُ الإمام أبا حنيفة أم حديث النبي ﷺ؟ وهذا الطرح لا ينبع إلا من سطحيةٍ في التفكير، وجهلٍ مركّبٍ في الفهم؛ إذ يتضمّن أولًا اتهامًا ضمنيًّا للإمام أبي حنيفة رحمه الله بعدم اتباع السنّة، ويتضمّن ثانيًا جهلًا بحقيقة الخلاف الفقهي، حيث يجهلون أن الإمام أبا حنيفة وغيره من العلماء إنما أجازوا إخراج زكاة الفطر نقدًا بناءً على استدلالٍ علميٍّ منضبط، ومراعاةٍ دقيقةٍ لمقاصد الشريعة، وجمعٍ بين الأدلة، لا اتباعًا للهوى ولا مخالفةً للسنّة كما يزعمون. وبعضُ الوهابية بلغ بهم الأمر إلى تبديع وتضليل أئمةٍ عظامٍ من أعلام الأمة، كالإمام الغزالي، والإمام النووي، والحافظ ابن حجر، والإمام السيوطي، لمجرد كونهم أشاعرة، مع إصرارهم على تبديع الأشاعرة رغم أن كبار الحنابلة يعدّون الأشاعرة من أهل السنة والجماعة. فقد كان الإمام أبو الفضل التميمي الحنبلي يُعظّم الإمام الباقلاني الأشعري، وكان الحنابلة يعتضدون بإخوانهم الأشاعرة في الرد على أهل البدع، كما اعترف بسنية الأشاعرة والماتريدية أئمةٌ من الحنابلة كالإمام القدومي، والإمام المواهبي، والإمام السفاريني، وغيرهم كثير. ومع ذلك فإن الوهابية اليوم لا يوقّرون حتى أئمة الحنابلة في هذا الاعتراف الصريح، لأنهم يرون الأشاعرة أهل بدعة، ثم يُلزمون المسلمين بهذا الحكم الباطل، فيبدّعون من لا يبدّع الأشاعرة، ويجعلون بدعتهم معيارًا للسنّة. والوهابية في منتهى السطحية في التفكير يرون أن التمذهب بالمذاهب الأربعة تعصّبٌ مذموم، وهذا أيضًا من الجهل المركّب، لأن المذاهب الأربعة قامت على الاحترام المتبادل، وإقرار الخلاف السائغ، والتعامل العلمي الرصين في المسائل الاجتهادية. فإن كان هناك تعصّبٌ مقيتٌ حقًّا، فهو تعصّب الوهابية أنفسهم، إذ يبدّعون كل من خالفهم في أي مسألة، عقديةً كانت أو فقهية، قديمةً كانت أو نازلة، دون اعتبارٍ لأقوال الأئمة، ولا لميزان الخلاف المعتبر، ولا لوحدة أهل السنة والجماعة.
منذ مرحلة الثانوية، كان ينتابني شعور دائم بوجود خلل عميق في المنهج الوهابي، لما كنت أراه من كثرة تفرّقهم وتناحر المنتسبين إليهم فيما بينهم؛ فهناك وهابية تعليمية، ووهابية مدخلية جامية، ووهابية سرورية، ووهابية قطبية، ووهابية جهادية، ووهابية حدّادية، والقائمة تطول. وكل فرقة من هذه الفرق تُبدّع الأخرى وتحاربها. غير أنني آنذاك، في مرحلة الثانوية، لم أكن أملك القدرة العلمية على تشخيص هذا الخلل أو التعبير عنه بدقة، لقلة علمي وضعف معرفتي. لكن عندما التحقت بالجامعة، وفي أول دراستي لمادة أصول الفقه، انكشف لي أصل الإشكال، وتبيّن لي موطن الخلل بوضوح، وهو أن الوهابية تتعامل مع النصوص القرآنية والحديثية على أنها كلّها قطعية الدلالة وفق أفهامهم هم، فيجعلون فهمهم للنص هو عين النص نفسه. وبناءً على ذلك، يرون أن أفهامهم ملزمة للأمة بأسرها، ومن لم يأخذ بها بدّعوه أو كفّروه. فهم لا يميّزون بين القطعي والظني في الدلالة، ويزعمون دائمًا أن معهم الدليل القطعي في كل مسألة، دون اعتبار أو مراعاة لوجود خلاف معتبر بين أهل السنة، أو لتحقّق إجماع، ولا يبالون بقاعدة: لا تقديس في الاجتهاد. كما أنهم يحرّفون معنى القاعدة المشهورة: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد إلا الوحي، فيجعلون معناها العملي أن المقصود بها غيرهم، وأنهم هم وحدهم الذين لا يجوز مخالفتهم، وكأن كلامهم وحيٌ منزل. ولا يدركون، بسبب ضعف عقولهم وسطحيّة تفكيرهم، أن مخالفيهم لا يخالفون النصوص الشرعية، وإنما يخالفون الفهم السقيم للوهابية للنصوص. ولذلك صاروا حربًا على العلماء، وعداءً للمذاهب السنية جميعًا. ويُحدثون الفوضى والبلبلة في المناسبات الدينية، كما يقع قبيل صلاة عيد الفطر، حين يطرحون سؤالهم الساذج القائم على الجهل المركّب: من نتبع؟ النبي أم أبا حنيفة في مسألة إخراج زكاة الفطر نقدًا؟، وكأنهم يتّهمون الإمام أبا حنيفة، ومن قال بجواز إخراجها نقدًا من العلماء، بمخالفة النبي ﷺ واتباع غير هديه! سبحان الله. بل تجاوزت حماقة بعض الوهابية، ولا سيما الحدّادية منهم، إلى تبديع أو تكفير أئمة كبار، فحول جهابذة من أعلام الأمة، كالإمام الجويني، والإمام الغزالي، والإمام فخر الدين الرازي، والإمام النووي، والإمام ابن حجر، والإمام السيوطي، وغيرهم، لمجرد كونهم أشاعرة. وهم يبدّعون الأشاعرة، ولا يحترمون حتى آراء أهل الحديث من الحنابلة الأثرية الذين صرّحوا بأن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة. بل إنهم لا يعترفون أصلًا بعلماء ومذاهب أهل السنة، كما يظهر ذلك جليًا في واقعهم المعاصر؛ فحتى إذا سُردت أقوال أئمة الحنابلة في عدّ الأشاعرة من أهل السنة، حكموا على أقوال هؤلاء الأئمة بالبطلان المحض. والسبب الجذري في كل ذلك أنهم حصروا الإسلام والسنة في الإمام ابن تيمية عامة، وفي محمد بن عبد الوهاب الخارجي خاصة، فجعلوا تبديعهم وتكفيرهم للأمة وحيًا معصومًا يجب على الجميع اتباعه، ومن خالفهم بدّعوه أو كفّروه، بل وبدّعوا أو كفّروا من لم يُبدّع أو يُكفّر من بدّعوه وكفّروه هم. ليت الوهابية يفتحون عقولهم، ويوسّعون آفاقهم، ويتباحثون بموضوعية وإنصاف في المسائل التي بدّعوا أو كفّروا فيها علماء الأمة وأتباع المذاهب السنية، كمفهوم البدعة، والتوسل، والتبرك، والاستغاثة، ومسائل الأسماء والصفات.
قال الشيخ الفقيه ابن عابدين الحنفي في حاشيته: "مطلب في اتباع ابن عبد الوهاب الخوارج في زماننا: كما وقع في زماننا في اتباع ابن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنهم اعتقدوا انهم هم المسلمون وان من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل اهل السنة وقتل علمائهم." [حاشية رد المحتار ج4 ص262، طبع دار الفكر]
__________
قال الإمام الصاوي المالكي فى تفسير قوله تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ) [فاطر 6]: "وقيل هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرّفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مُشَاهَدٌ الآن في نَظَائِرهم وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم الوهابية يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم." [حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، م5 ص78]
__________
وقال الشيخ أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية ورئيس المدرسين في مكة أيام السلطان عبد الحميد:" وكان محمد بن عبد الوهاب يقول:"إني أدعوكم إلى التوحيد وترك الشرك بالله وجميع ما هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق ومن قتل مشركًا فله الجنة" [الدرر السنية في الرد على الوهابية ص46]
__________
قال مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد النجدي المتوفى (ت 1225) عن محمد بن عبد الوهاب: "فإنّه كان إذا باينه أحد وردَّ عليه ولم يقدر على قتله مجاهرةً يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلاً لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله." [السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة ص276]
__________
قال العلامة أبو الفداء إسماعيل التميمي (ت 1248): "الوهابية يصدر منهم في أثناء منعهم من التوسل وطلب الشفاعة والزيارة النبوية؛ من سقط الكلام: ما هو صريح في تنقيص الرسول عليه السلام".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم