الثلاثاء، 8 أكتوبر 2024

إياكم والتمادح / أسرع من تخسر من الأصدقاء

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيّاكُم والتّمَادُح، فإنّه ذَبحٌ لِصَاحِبه. رواه ابن ماجه.

أَثْنَى رَجُلٌ علَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: ويْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، مِرَارًا، ثُمَّ قالَ: مَن كانَ مِنكُم مَادِحًا أخَاهُ لا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ فُلَانًا، واللهُ حَسِيبُهُ، ولَا أُزَكِّي علَى اللهِ أحَدًا، أحْسِبُهُ كَذَا وكَذَا، إنْ كانَ يَعْلَمُ ذلكَ منه.

عن الصحابي أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه| رواه البخاري في صحيحه.


تَزكيةُ النَّاسِ بالخيرِ أو ذَمِّهم بالشَّرِّ أمرٌ خَطيرٌ، وقدْ وَضَعَ الإسلامُ ضَوابطَ لذلك، فجَعَلَ مَعرفةَ الموصوفِ مَعرفةً جيِّدةً شَرْطًا في وَصْفِه بالخيرِ أو الشَّرِّ، كما حذَّرَ مِن وصْفِ الإنسانِ بما ليس فيه، وغيرِ ذلك.

وفي هذا الحديثِ يَرْوي أبو بَكرةَ نُفيعُ بنُ الحارثِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رجُلًا مَدَح رَجلًا آخَرَ عندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ويلَك! -وهي كَلمةٌ لا يُرادُ بها الدُّعاءُ على الشَّخصِ، ولكِنْ يُرادُ بها الزَّجرُ أو الحثُّ على شَيءٍ معيَّنٍ، وهي كَلمةُ تَرحُّمٍ وتَوجُّعٍ تُقالُ لمَن وقَعَ في هَلَكةٍ لا يَستحِقُّها-.

قطَعتَ عُنُقَ صاحِبِك، أي: أهْلَكْتَه وأضرَرْتَ به، فربَّما جَرَّه ذلك المدحُ إلى العُجبِ والغُرورِ، فيُصبِحُ كالمقطوعِ الرَّأسِ المتوقِّفِ عن الحركةِ، يُكرِّرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذا القولَ كَثيرًا؛ تَحذيرًا وتَنبيهًا لهَولِ الكلمةِ.

ثمَّ بيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّه إذا كان لا بُدَّ مِن المدْحِ؛ لأنَّ المَقامَ يَقتضي الثَّناءَ عليه اقتضاءً شَرعيًّا، كتَزكيةِ الشَّاهدِ مَثلًا، أو لا بُدَّ مِن الثَّناءِ عليه لمَصلحةٍ مَشروعةٍ أُخرى، فلْيَقُلْ: «أحسِبُ فلانًا، واللهُ حَسيبُه، ولا أُزكِّي على الله أحدًا، أحسِبُه كذا وكذا، إنْ كان يَعلَمُ ذلك منه»، فلْيَقتصِرْ على وَصْفِه بما يَعلَمُ فيه مِن خِصالِ الخيرِ الموجودةِ، ويَقولُ أثناءَ وصْفِه له: أحسِبُه رجلًا عدْلًا، أو صالحًا، أو كَريمًا مَثلًا، فلا يَقطَعُ ولا يَجزِمُ بعاقبةِ أحدٍ بخَيرٍ أو غيرِه؛ لأنَّ اللهَ يَعلَمُ سِرَّه، وهو الذي يُجازِيه؛ إنْ خَيرًا فخَيرًا، وإنْ شرًّا فشَرًّا، ولا يَقُلْ: أتيقَّنُ ولا أتحقَّقُ أنَّه مُحسِنٌ، جازمًا به.

وفي الحديثِ: التَّحذيرُ مِن وصْفِ النَّاسِ بما لا يَعلَمُه الواصفُ.


أسرع من تخسر من الأصدقاء غالبًا هم الذين تمدحهم، فيتطاولون عليك، يتعاملون معك كالصبي الصغير أو كالمشاغب، ويقولون أنت تبالغ، مع أنك مدحتهم بعد حسن الظن بهم بما فيهم من صفات حسنة دون مبالغة ولا تملّق.

وبعضهم ينتظر مدحك له فيعرف أنك في هذا الوقت راض عنه فيخرج عليك العتاب غير المبرر ويحاسبك على صغائر الأمور ويجعلها كأنها عظيمة كالجبال.

ومع تكرّر مدحك له يكرّر تعامله السيء لك، فهي ليست حالًا وحيدة فردية قد تكون وقعت سهوًا! وإنما عادة وطبع وسجيّة فيه لن يتخلّص منها لأنها تكرّرت منه مرارًا، ودائمًا يقول لك "لن أزعلك بعد الآن" وسرعان ما ينسى ويعيدها.

لذا احترم نفسك، لا تمدحه! لأنه لا يحتمل المدح، لا ترفع من شأنه لأنه سيضع من شأنك، ولا تصغّره بل دعه بسلام وتمنّى له الخير وحسن الحال. 

من الطرق السليمة السريعة في اختباره وتجربة "هل فعلًا هو يحبك" ولن يعود لأذيّتك، أن تمدحه ثم ترجع في مدحه، وتنظر ماذا سيفعل؟ اكتبْ مدحَه في مشاركة عامة مثلًا ثم احذف بعضها، وانظر! هل استمر على الودّ والقرب منك، أم بادرك بالهجر والنكران؟!

والناس معادن، والتعامل معهم سلوكيات، فكن كريمًا في وصلك وهجرك.

والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى اللهُ وسلّم على سيدنا محمّد النبيّ الأمين.

ترك التمادح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم