الاثنين، 25 يوليو 2022

أحكام ترخص العاصي في السفر / نية المعصية في السفر

 قيل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فليعلم أولا أن ترخص العاصي بسفره، محل خلاف بين العلماء، فأجازه الحنفية والظاهرية، ومنعه الجمهور.

وحجة الجمهور أن إباحة الترخص له إعانة على المعصية، فعلى القول بالإباحة، فلا إشكال، وعلى قول الجمهور بالمنع فإنه لو قصد معصية بسفره، وقصد معها أمرا آخر، لم يمنع ذلك كونه عاصيا بسفره، وامتنع عليه الترخص.

 قال العبادي في حاشيته على التحفة: (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ: لَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ) يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ قَصَدَ بِسَفَرِهِ الْمَعْصِيَةَ وَغَيْرَهَا، كَأَنْ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَزِيَارَةَ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا بِسَفَرِه. انتهى.

 وأما العاصي في سفره -وهو من عرضت له المعصية في السفر، ولم ينشئ السفر لأجلها- فهذا يترخص بلا إشكال.

قال في تحفة المحتاج في شرح المنهاج -وهومن كتب الشافعية-: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ، وَهُوَ مَنْ يَقْصِدُ سَفَرًا مُبَاحًا فَيَعْرِضُ لَهُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ فَيَرْتَكِبُهَا، فَيَتَرَخَّصُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تَرَخُّصِهِ مُبَاحٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا. انتهى.

والله أعلم.

قيل

من كتاب البيان للعمراني، يحيى بن سالم أبي الخير بن أسعد ابن يحيى، أبو الحسين العمراني، ولد سنة (489 هـ) كان شيخ الشافعية في بلاد اليمن. وتوفي بذي سفال باليمن سنة (558هـ).

قد ذكرنا أن المسافر للمعصية لا يترخص بشيء من رخص المسافر، ومضى الخلاف فيه، فإن أبق عبد من سيده، أو نشزت المرأة من زوجها، أو هرب من عليه حق، وهو قادر على أدائه، من الحق الذي عليه لم يجز لواحد منهم أن يترخص بشيء من رخص المسافر؛ لأنهم عصاة، فإن سافر بنية تجوز له القصر، ثم أحدث نية المعصية في أثناء سفره، فهل تمنعه هذه النية من الترخص برخص المسافر؟ فيه وجهان: حكاهما الشيخ أبو حامد في "التعليق".

أحدهما: له أن يترخص؛ لأن بإنشاء سفره، كان يباح الرخصة، فلا يضره ما اعترض بعد ذلك من نية المعصية.

والثاني: لا يجوز له الترخص؛ لأنه عاص في سفره، فهو كما لو أنشأ السفر بهذه النية.

وتشبه هذه المسألة: إذا كان له مقصد صحيح، ثم أحدث نية في أثناء السفر، أنه إذا استقبلني فلان انصرفت، فهل تمنعه هذه النية من القصر؟ فيه وجهان، حكاهما في "الإبانة" [ق \ 86]:

أحدهما: تمنع، كما لو أنشأ السفر على هذه النية.

قال القفال: فإن عرف أنه لا يستقبله ما لم يمض ستة عشر فرسخًا فله القصر، وإن سار ابتداء على هذه النية.

والوجه الثاني: له أن يقصر، اعتبارًا بإنشاء سفره، ولا اعتبار بالنية الحادثة، وهذا هو القياس؛ لأن الشافعي نص في "الأم" [1/165] (إذا سافر إلى بلد، فمر في بلد، وأقام بها يومًا، ونوى: إن لقي فلانًا، أو قدم فلان أقمت أربعًا، أو أكثر، فله أن يقصر ما لم يلق فلانًا؛ لأنه لم يوجد شرط الإقامة).

قال الشافعي: (فإذا لقي فلانًا أتم الصلاة؛ لأن الإقامة والنية وجدتا جميعًا).

قال الشيخ أبو حامد: وهذا يدل على أنه إن لقي فلانًا، وهو مستصحب للنية، عازم عليها، فإن لقي فلانًا، ثم بدا له ألا يقيم قال الشافعي: (لم يكن له أن يقصر؛ لأنه قد صار مقيمًا، فما لم يخرج لم يقصر).

قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون إذا بدا له قبل لقاء فلان، أن له القصر، إذا لقيه؛ لأنه لم تحصل نية الإقامة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم