الأَرْبَعُـونَ
الْهَـرَرِيَّـــةُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
يَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعنَى، إِنَّمَا الضَّرَرُ هُوَ
تَغيِيرُ الْمَعنَى، وَعلَى هَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ. وَمِنْ هُنَا
مَنْشَأُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ. أَمَّا القُرْءَانُ لاَ
يُتلَى إِلاَّ بِاللَّفْظِ الوَارِدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّخصُ لا يَحْفَظُ
الآيةَ فَيقُولُ: «وَرَدَ فِي القُرءَانِ مَا مَعْنَاهُ»، فَهَذَا جَائِزٌ، وَلا
نَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالَى كَذَا وَكَذَا» وَنُورِدُ أَلفاظًا لَيسَتْ مِنْ
أَلفْاظِ الْقُرْءَانِ، أَيْ عَلَى وَجْهٍ يُوهِمُ أَنَّ هذَا مِنْ أَلْفَاظِ
الْقُرْءَانِ. فَهَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ مَا جَاءَ عَنْ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ
مِنْ قَوْلِهِ :
وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ
عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيسَ بِهِ خَفَاءُ
مَعْنَاهُ اللَّهُ قَالَ فِي
الْقُرْءَانِ: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [سُورَةَ
الأَحْزَاب].
وَأَمَّا الْحَدِيثُ القُدْسِيُّ
يَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرْءَانِ،
أَنَّ الْقُرْءَانَ يُتَعَبَّدُ بِهِ، لَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ الشَّخْصُ لِلْحِفْظِ
أَوْ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ. أَمَّا الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ
لِذَلِكَ لا يُتَعَبَّدُ بِهِ. وَالْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ يُبْدَأُ بِقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الأَوَّلُ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ
مِنْ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ فَتَقَعُ فِي كَفِّ
الرَّحْمٰنِ، فَيُرَبِّيْهَا لَهُ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى
تُصْبِحَ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ».
مَعنَاهُ إِذَا تَصَدَّقَ الْعَبْدُ بِصَدَقَةٍ مِنْ حَلالٍ، وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الْحَلالَ، تَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحْمٰنِ، أَيْ تَقَعُ مَوْضِعَ القَبُولِ. وَأَمَّا قَولُهُ: «فَيُرَبِّيْهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تُصْبِحَ كَالْجَبَلِ العَظِيمِ» فَمَعنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تعَالَى يُضاعِفُ حَسَنَاتِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ حَتَّى تَكُونَ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، أَيْ كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ جَبَلٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْمَالُ الْمَشْبُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْفَضْلُ الْعَظِيمُ، وَأَمَّا الْفَلُوُّ فَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: رَوَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَفِقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ
أَلْفِ عَابِدٍ».
مَعنَاهُ إِنْسَانٌ تَعَلَّمَ
العَقِيدَةَ وَعَلِمَ الأَحْكَامَ، هَذَا أَشَدُّ عَلَى الشَّيطَانِ مِنْ أَلْفِ
عَابِدٍ، يَعنِي مِنْ أَلْفِ إِنْسَانٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ، يَصُومُ
رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ، وَيَقُومُ اللَّيَالِيَ، وَالنَّاسُ نَائِمُونَ، لَكنَّهُ
لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ، إِنَّمَا هَمُّهُ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّلاةِ
وَالصِّيَامِ، وَيُكْثِرَ التَّرَدُّدَ إِلَى الْمَسَاجِدِ. أَهْمَلَ التَّعَلُّمَ
مِنْ أَهْلِ الْمَعرِفَةِ وَتَرَكَهُ. فَيُفْهَمُ مِن هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ
الفَقِيهَ، أَيِ العَالِمَ، يَسُدُّ عَلَى نَفسِهِ مَدَاخِلَ الشَّيْطَانِ
لإِفْسَادِ عِبَادَتِهِ عَلَيْهِ، أَمَّا الْجَاهِلُ يُمَشِّي عَلَيهِ الشَّيطَانُ
دَسَائِسَهُ، فَيَفْعَلُ الْعِبَادَةَ وَقَدْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ مَا
يُفْسِدُ عِبَادَتَهُ وَهُوَ لا يَدْرِي.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رَوَى البُخَارِيُّ وَغيْرُهُ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ
رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ جُنْحُ
اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبيَانَكُمْ، فَإِذَا مَضَتْ سَاعَةٌ فَخَلُّوهُمْ، فَإِنَّ
الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ».
الْمَعنَى أَنَّهُ يَنْبَغِي مَنْعُ
الصِّبيَانِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِلِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، إِلَى أَنْ
تَمْضِيَ سَاعَةٌ، لأَنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ فِي
الشَّوَارِعِ وَفِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، فَإِذَا صَادَفُوا الصِّغَارَ يَكُونُ
ذَلِكَ سَبَبًا لأِذَاهُمْ، وَهُمْ عَلَى أَذَى الصِّغَارِ أَقْوَى مِنْ أَذَى
الْكِبَارِ، هَذَا أَدَبٌ مِنَ الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ.
وَمِنَ الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ
تَسْمِيةُ اللَّهِ عِنْدَ رَدِّ الْبَابِ أَوْ إِطْبَاقِهِ أَوْ إِغْلاقِهِ.
وَمِنَ الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ تَغْطِيَةُ الأَوَانِي وَتَسمِيَةُ اللَّهِ عِنْدَ
ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يُغَطِّهِ يَجْعَلُ أَعْلاهُ أَسْفَلَهُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غَطُّوا الإِنَاءَ
وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّهُ يَنْزِلُ لَيْلَةً مِنَ السَّنَةِ وَبَاءٌ، لا
يَمُرُّ بِـإِنَاءٍ لَمْ يُغَطَّ، وَلا بِسِقَاءٍ لَمْ يُوْكَأْ، إِلاَّ وَقَعَ
فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ». وَالسِّقَاءُ هُوَ مَا يُوضَعُ فِيهِ
اللَّبَنُ أَوِ الْمَاءُ. وَذَلِكَ لأِنَّ الْوَبَاءَ يَطْلُبُ الإِنَاءَ الَّذِي
هُوَ مَفْتُوحٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ عَلَّمَنَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ عِنْدَ إِطْفَاءِ
السِّرَاجِ أَيِ الضَّوْءِ : «بِسْمِ
اللَّهِ» كُلُّ هَذَا مِنَ الآدَابِ
الَّتِي عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا
يَنْفَعُنَا فِي مَعِيشَتِنَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي ذَلِكَ عَوْنٌ
لأُمُورِ ءَاخِرَتِنَا أَيْضًا. فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي كُلِّ
سَنَةٍ وَبَاءٌ، وَهُوَ الْمَرَضُ الْمُنْتَشِرُ، فَإِذَا وَجَدَ إِنَاءً غَيْرَ
مُغَطًّى أَوْ سِقَاءً غَيْرَ مُوْكَإٍ، أَيْ غَيْرَ مَرْبُوطٍ فَمُهُ، أَيِ
الْكِيسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، نَزَلَ فِيهِ. وَلَمْ يُعَيِّنِ الرَّسُولُ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَيَنْبَغِي الاِحْتِيَاطُ
طِيلَةَ أَيَّامِ السَّنَةِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ
الأَوَّلُ فَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى، هَلْ
مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابَ لَهُ».
هَذِهِ الرِّوَايَةُ صحِيحَةُ الإِسْنَادِ فَسَّرَتِ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا
«يَنْزِلُ رَبُّنَا»، وَالَّتِي هِيَ أَشْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ الأُولَى،
وَهَذَا يُقَالُ لَهُ مَجَازُ الْحَذْفِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ، حَذْفُ
لَفْظِ الْمَلَكِ لأَنَّهُ يُفْهَمُ. وَمَعنَى «شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ»
أَيِ النِّصْفُ الأَوَّلُ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْزِلُ مَلَكٌ بِأَمْرِ
اللَّهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، مِمَّا فَوْقَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا، فَيُنَادِي، فَمَنْ وَافَقَ دُعَاؤُهُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي
يُنَادِي فِيهَا الْمَلَكُ فِي اللَّيْلِ، اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، إِنْ
شَاءَ، لأِنَّهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يُوجَدُ وَقْتٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ.
الدِّيَكَةُ عِنْدَمَا تَصِيحُ بِاللَّيْلِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا رَأَتِ
الْمَلائِكَةَ، فَالدُّعَاءُ تِلْكَ السَّاعَةَ فِيهِ فَائِدَةٌ. وَقَدْ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ
الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا»
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الْحَدِيثُ السَّادِسُ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَاهِرُ
بِالْقُرْءَانِ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْءَانَ
وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ وَيُتَعْتِعُ فِيهِ لَهُ أَجْرَانِ» [رَوَاهُ
مُسْلِمٌ]. الْمَاهِرُ مَعْنَاهُ الَّذِي يُكْثِرُ قِرَاءَةَ الْقُرْءَانِ وَلا
يَشُقُّ عَلَيْهِ، لأِنَّ اللَّهَ سَهَّلَهُ عَلَيْهِ، أَمَّا الَّذِي يَقْرَأُ،
وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، فَهُوَ الَّذِي يَقْرَأُ وَيُصَحِّحُ الْقِرَاءَةَ،
لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ، هَذَا لَهُ أَجْرَانِ. أَمَّا الْمَاهِرُ مَعَ
الْمَلائِكَةِ الْبَرَرَةِ مَعْنَاهُ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ ذَاكَ. وَأَمَّا
حَدِيثُ: «كَمْ مِنْ قَارِئٍ لِلْقُرْءَانِ وَالقُرْءَانُ يَلْعَنُهُ»
فَهُوَ ضَعِيفٌ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ
وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَزُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى
يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا
أَبْلاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ
أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ». الأَنْبِيَاءُ لا يُسْأَلُونَ هَذِهِ
الأَسْئِلَةَ الأَرْبَعَةَ إِنَّمَا يُسْأَلُونَ لإِظْهَارِ شَرَفِهِمْ : «هَلْ
بَلَّغْتُمْ». الْمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ لا تَزُولُ قَدَمَاهُ عَنْ مَوْقِفِ
الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، يُسْأَلُ عَنْ
عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، أَيْ مَاذَا عَمِلْتَ مُنْذُ بَلَغْتَ [وَأَصْبَحْتَ
فِي دَائِرَةِ التَّكْلِيفِ]، أَدَّيْتَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ
وَاجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكَ؟ فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ نَجَا
وَسَلِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلَكَ، وَيُسْأَلُ عَنْ جَسَدِهِ
فِيمَا أَبْلاهُ، فَإِنْ أَبْلاهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سَعِدَ وَنَجَا مَعَ
النَّاجِينَ، وَإِنْ أَبْلَى جَسَدَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ خَسِرَ وَهَلَكَ،
وَيُسْأَلُ عَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، أَيْ يُسْأَلُ هَلْ تَعَلَّمْتَ
عِلْمَ الدِّينِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لأِنَّ الْعِلْمَ الدِّينِيَّ
قِسْمَانِ، فَمَنْ تَعَلَّمَ الْقِسْمَ الضَّرُورِيَّ وَعَمِلَ بِهِ سَعِدَ
وَنَجَا، وَمَنْ أَهْمَلَ الْعَمَلَ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَ خَسِرَ وَخَابَ وَهَلَكَ،
وَكَذَلِكَ مَنْ لا يَتَعَلَّمُ فَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ عَلِيٌّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَيْلٌ لِمَنْ لا يَعْلَمُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ عَلِمَ ثُمَّ
لَمْ يَعْمَلْ». وَالْوَيْلُ هُوَ الْهَلاكُ الشَّدِيدُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ».
فَمَعْنَاهُ أَنَّ الإِنْسَانَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِ الْمَالِ
الَّذِي فِي يَدِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ
الْحَرَامِ، لا يَكُونُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا
أَنْفَقَهُ فِيهِ أَمْرٌ أَبَاحَهُ الشَّرْعُ. فَالنَّاسُ فِي أَمْرِ الْمَالِ
ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ: اثْنَانِ هَالِكَانِ وَوَاحِدٌ نَاجٍ. فَالْهَالِكَانِ
أَحَدُهُمَا الَّذِي جَمَعَ الْمَالَ مِنْ حَرَامٍ وَالآخَرُ الَّذِي جَمَعَهُ
مِنْ حَلالٍ ثُمَّ َصَرَفَهُ فِي الْحَرَامِ، وَكذَلِكَ الَّذِي يَصرِفُهُ
فِي الْحَلالِ لِلرِّيَاءِ هَالِكٌ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ
الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ».
مَعنَاهُ يَخْفِضُونَ أَجْنِحَتَهُمْ تَوَاضُعًا لَهُ، لأَنَّهُم يُحِبُّونَ
الَّذِي يَخْرُجُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنَ الشَّأْنِ الْعَظِيمِ
الَّذِي يَكُونُ لَهُ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ
عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ].
مَعْنَاهُ تَحَفَّظُوا مِنَ الْبَوْلِ أَيْ لا يُلَوِّثِ الْبَوْلُ جِلْدَكُمْ،
إِلاَّ مَحَلَّ الْخُرُوجِ، أَيْ لا يَجُوزُ أَنْ تَتْرُكَ الْبَوْلَ يَنْتَشِرُ
وَيُلَوِّثُ مَا يَلِي مَحَلَّ الْخُرُوجِ إِلاَّ الْقَدْرَ الَّذِي لا يُمْكِنُ
التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَخْرَجُ.
الْحَدِيثُ العَاشِرُ: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
وَالبَيْهَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ (أَيْ
مُجَابِ الدَّعْوَةِ، وَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ دَعَوَاتُهُمْ مُجَابَةٌ): الزَّائِدُ
فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ
اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْمُتَسَلِّطُ
بِالْجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ،
وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي».
اللَّعْنُ هُوَ الإِبْعَادُ مِنَ
الْخَيْرِ. الْمَعْنَى أَنَّ هَؤُلاءِ السِّتَّةَ مُبْعَدُونَ مِنَ الْخَيْرِ.
أَوَّلُهُمْ «الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ»، وَالزِّيَادَةُ أَنْوَاعٌ
مِنْهَا أَنْ يَزِيدَ الشَّخْصُ بِنِيَّةِ أَنْ يُوهِمَ النَّاسَ أَنَّ هَذَا
قُرْءَانٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنَ القُرْءَانِ، فَهَذَا أَشَدُّهُمْ إِثْمًا، فَمَنْ
زَادَ شَيْئًا فِي القُرْءَانِ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ، فَقَدْ كَفَرَ.
وَالثَّانِي هُوَ مَنْ
يَزِيدُ حَرْفًا مِنْ أَجْلِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ عَمْدًا، لَيسَ عَلَى اعْتِقَادِ
أَنَّهُ مِنَ القُرْءَانِ، فَهَذَا أَقَلُّ إِثْمًا، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ عُصَاةِ
الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّالِثُ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ حَرْفًا مِنْ دُونِ تَعَمُّدٍ،
إِنَّمَا جَهْلاً مِنْهُ بِالتِّلاوَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيِّ،
فَهَذَا أَقَلُّ إِثْمًا مِنَ الأَوَّلَيْنِ، كَمَنْ يُوَلِّدُ حَرْفًا بَيْنَ
الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ فَيَقُولُ: (إِيْنَّا)، بَدَلَ (إِنَّا)،
وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُه بَعْضُ الْعَجَمِ مِنْ زِيَادَةِ وَاوٍ أَمَامَ حَرْفِ
الْغُنَّةِ إِذَا سَبَقَهُ ضَمَّةٌ، يَقُولُونَ: (مَا هُوْنَّ)، لأَنَّهُ لَيْسَ
فِي لُغَتِهِمْ غُنَّةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ خَصَائِصِ لُغَةِ الْعَرَبِ.
وَكَذَلِكَ يَزِيدُونَ أَلِفًا جَوْفِيَّةً، وَيُقَالُ لَهَا الأَلِفُ اللَّيِّنَةُ،
بيْنَ الْحَرْفِ الَّذِي قَبْلَ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَبيْنَ النُّونِ
الْمُشَدَّدَةِ، يَقُولُونَ: (ءَانَّ لَهُمُ النَّارَ) وَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: «الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ». فَلا
يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَنَّنَ فِيهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ أَوْ تَغْيِيرِ
حَرْفٍ، وَلَوْ أَتَى بِالْمَعْنَى الَّذِي يُوَافِقُ مَعْنَى الآيَةِ.
أَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى، وَهَذَا
أَمْرٌ شَائِعٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى الصَّحَابَةُ مَا كَانُوا
مُلْتَزِمِينَ أَنْ يَرْوُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِاللَّفْظِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِهِ، بَلْ كَانُوا يَسْتَجِيزُونَ
أَنْ يَرْوُوا بِالْمَعْنَى، إِنَّمَا الضَّرَرُ هُوَ تَغيِيرُ الْمَعنَى، وَعَلَى
هَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثينَ، وَمِنْ هُنَا مَنْشَأُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ
بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ.
أَمَّا الْقُرْءَانُ أُنْزِلَ
لِتَحَدِّي الْمُعارِضِينَ، أَيْ لإِعْجَازِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا
يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ
يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَلا بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ، مَعَ
أَنَّهُ كَانَ عَصْرًا بَلَغَتْ فِيهِ الْبَلاغَةُ وَالْفَصَاحَةُ الْقِمَّةَ،
وَمَعَ أَنَّ الْقُرْءَانَ أُنْزِلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ
تِلاوَةُ الْقُرْءَانِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى مَعَ تَرْكِ اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ لا يَحْفَظُ الآيَةَ يَقُولُ
«وَرَدَ فِي الْقُرْءَانِ مَا مَعْنَاهُ»، فَهَذا جَائِزٌ، وَلا نَقُولُ «قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا» وَنُورِدُ أَلفَاظًا لَيسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ
الْقُرْءَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ» فَالْمُرَادُ بِهِ
الْمُعْتَزِلَةُ، وَيُقَالُ لَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ، وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ،
فَهَؤُلاءِ ضَلُّوا بِقَوْلِهِمْ «اللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الأَجْسَامِ فَقَطْ
دُونَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالإِدْرَاكَاتِ وَالْعُلُومِ»، وَقَالُوا
إِنَّمَا هُوَ يَخْلُقُ فِيهِمُ الْحَرَكَاتِ، الَّتِي لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً
لَهُمْ، كَحَرَكَاتِ الْعُرُوقِ النَّابِضَةِ. وَقَالُوا: «إِنَّ الْمَعَاصِيَ
الَّتِي يَفْعَلُهَا الْعِبَادُ لَيْسَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَحْصُلُ إِنَّمَا
الْعِبَادُ أَدْخَلُوهَا فِي الْوُجُودِ»، علَى زَعْمِهم يُنَزِّهونَ اللَّهَ عَنِ
الْجَوْرِ. قَالُوا: «فَإِنْ خَلَقَ الْعِبَادُ الْحَسَنَاتِ اسْتَحَقُّوا عَلَى
اللَّهِ أَنْ يُثِيبَهُمْ، قَالُوا: وَاجِبٌ عَلَيهِ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ
ذَلِكَ يَكُونُ ظَالِمًا وَإنْ أَساءَ الْعِبَادُ بِكُفْرٍ أَوْ بِمَا دُونَهُ
اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ لأِنَّهُمْ هُمْ خَلَقُوا ذَلِكَ أَمَّا إِنْ لَمْ
يَكُونُوا هُمْ خَالِقِيهَا لا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ». وَمِنَ الدَّليلِ
عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الشَّرِّ وَقَدَّرَ حُصُولَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿إنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ»، مَعْنَاهُ أَنَّ
الَّذِي يَسْتَرْسِلُ فِي الْمَعَاصِي الكَبِيْرَةِ فِي حَرَمِ اللَّهِ، أَيْ
حَرَمِ مَكَّةَ وَحَرَمِ الْمَدِينَةِ مَلْعُونٌ. وَالْحَرَمُ هُوَ مَا حَدَّدَهُ
إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، نَصَبَ أَعْلامًا حَتَّى
تُعْرَفَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَكُونُ فِي عَصْرِهِ وَبِالنِّسْبَةِ لِمَنْ
يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ. فَالَّذِي يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى بِبَعْضِ أَنْوَاعِ
الْمَعَاصِي وَالظُّلْمِ فِي الْحَرَمِ يُضَاعَفُ ذَنْبُهُ، وَلَيْسَ هَذَا
عَامًّا لِكُلِّ الْمَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هُنَاكَ.
وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ
بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ حَسَنَةَ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَسَيِّئَةَ
الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِنَّمَا الصَّحِيحُ
الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ
الصَّلاةَ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى تُضَاعَفُ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ باِلنِّسْبَةِ
لِغَيْرِه مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ صَلاةٍ فِي غَيْرِهِ، أَيِ الْمَسْجِدِ
الأَقْصَى، وَأَنَّ الصَّلاةَ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِي غَيْرِهِ،
أَيْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ. الْمَعْنَى أَنَّ الصَّلاةَ فِي الْمَدِينَةِ
بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ ضَرْبِها
بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَتَكُونُ الْمُضَاعَفَةُ بَلَغَتْ خَمْسِينَ أَلْفَ مِلْيُون.
وَمُضَاعَفَةُ الثَّوَابِ تَحْصُلُ لِمَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فِي
الْقَدْرِ الَّذِي يَصِحُّ الطَّوَافُ فِيهِ مَعَ الزِّيَادَةِ الَّتِي أُضِيفَتْ
مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ إِلَى أَيَّامِنَا لِلصَّلاةِ فِيهَا، وَعِنْدَ كَثِيرٍ
مِنَ الْفُقَهَاءِ تَحْصُلُ الْمُضَاعَفَةُ فِي كُلِّ الْحَرَمِ الَّذِي حَدَّدَهُ
إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهُوَ مِسَاحَةٌ وَاسِعَةٌ. (أَكْثَرُ مِنْ
عِشْرِينَ كِيلُو مِتْرًا).
وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ فَلا
يُضَاعَفُ شَىْءٌ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ،
إِلاَّ مَنْ عَمِلَ ظُلْمًا كَبِيرًا مَثَلاً كَقَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ بِغَيْرِ
حَقٍّ، أَوْ قَطْعِ الطَّرَفِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، أَوْ فَقْءِ عَيْنٍ ظُلْمًا
وَعُدْوَانًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ﴾،
يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يَجْنِي جِنَايَةً، أَيْ يَظْلِمُ ظُلْمًا كَبِيرًا فِي
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُنَفِّذْ، لَكِنَّهُ أَرَادَ، اللَّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ جَزَاءَهُ عَذَابًا أَلِيمًا.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِالْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ لأَنَّهُ لا يَجُوزُ صَيْدُ الْمَأْكُولِ البَرِّيِّ فِيهِ، وَلا
قَطْعُ شَجَرِهِ النَّابِتِ فِيهِ، [أَمَّا لأِكْـلِهَا أَوْ لِلتَّدَاوِي أَوْ
لإِطْعَامِ الْبَهِيمَةِ يَجُوزُ]، بِخِلاَفِ الْمُسْتَنْبَتِ الْمَجْلُوبِ مِنْ
خَارِجٍ وَيُزْرَعُ فِيهَا. وَمِنْ جُمْلَةِ أَحْكَامِ الْحَرَمِ وَخَصَائِصِهِ
أَنَّهُ لا يَجُوزُ الْقِتَالُ فِيهِ إِلاَّ أَنْ يَبْدَأَ الْمُشْرِكُونَ
الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ، هُنَاكَ عِنْدَئِذٍ مِنْ بَابِ الدِّفَاعِ يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ».
فَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي يَعْتَدِي عَلَى عِتْرَةِ الرَّسُولِ، أَيْ أَهْلِ
بَيْتِهِ مَلْعُونٌ. وَالْعِتْرَةُ هُمْ كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَمَنْ كَانَ
فِي مَعنَاهُمَا. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْفَضْلَ دُونَ غَيْرِهِمْ
بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ
اللَّهُ ويُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ». فَهُمْ هَؤُلاءِ الْمَتَجَبِّرُونَ
الَّذِينَ يَقْهَرُونَ النَّاسَ وَيَظْلِمُونَهُمْ وَيَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ، إِنْ
كَانُوا مُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي». فَمَعْنَاهُ مَنْ خَالَفَ
الصَّحَابَةَ وَخَرَجَ عَنْهُمْ فِي الْمُعْتَقَدِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّ مَنْ
لَمْ يَعْمَلْ مَا كَانَ الرَّسُولُ يَفْعَلُهُ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ
يَكُونُ مَلْعُونًا. فَمَنْ خَرَجَ فِي الاِعْتِقَادِ عَنْ مُعْتَقَدِ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي هِيَ سُنَّةُ رَسُولِ
اللَّهِ، أَيْ طَرِيقَتُهُ، فَهَذَا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِتِلْكَ اللَّعْنَةِ
الكَبِيرَةِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ]. فَالْمُرَادُ
بِهِ مَنْ غَيَّرَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَنَسَبَهُ لِلرَّسُولِ، وَنَحْوُهُ،
كَالَّذِي يَكْذِبُ عَلَيْهِ بِنِسْبَةِ النَّقَائِصِ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لا
يَجُوزُ الْكَذِبُ بِنِيَّةِ رَفْعِ شَأْنِ الرَّسُولِ وَالتَّنْوِيهِ بِهِ،
فَالرَّسُولُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يُكْذَبَ لَهُ، وَشَرْعُ اللَّهِ
غَنِيٌّ عَنْ أَنْ يُكْذَبَ لهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: وقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيرُهُمَا]. الْعَجْزُ الْمُرَادُ بِهِ
الْبَلادَةُ، وَالْكَيْسُ هُوَ الْفَطَانَةُ وَالذَّكَاءُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّ
ءَادَمَ احْتَجَّ عَلَى مُوسَى فِي الْمُخَاطَبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَهُمَا
فِي الْبَرْزَخِ، أَيْ بَعْدَ أَنْ مَاتَا، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ:
«أَنْتَ ءَادَمُ الَّذِي أَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ»، أَيْ أَنْتَ
تَسَبَّبْتَ، فَأَجَابَهُ ءَادَمُ بِقَوْلِهِ: «أَنْتَ وَجَدْتَ فِي التَّوْرَاةِ
بِأَنَّ هَذَا شَىْءٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ»، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُجَّةَ لآدَمَ فِي هَذِهِ الْمُحَاوَرَةِ،
قَالَ:«فَحَجَّ ءَادَمُ مُوسَى»، أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ. (وَقَوْلُ مُوسَى
لآدَمَ: «خَيَّبْتَنَا» عَلَى وَجْهِ الْمُبَاسَطَةِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ
التَّأْنِيبِ).
وَمِمَّا يُـحَجُّ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هَلِ
اللَّهُ كَانَ عَالِمًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ إِبْلِيسَ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ
غَاوِيًا مُغْوِيًا أَمْ لا؟ فَإِنْ قالُوا: كَانَ عَالِمًا، فَقَدْ شَهِدُوا
عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ «إِرَادَةُ القَبِيحِ قَبِيحٌ مِنَ
اللَّهِ» بَاطِلُ، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، فَقَدْ نَسَبُوا
الْجَهْلَ إِلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ.
وَمِمَّنْ نَقَلَ تَكْفيرَ الْمُعْتَزِلِيِّ القَائِلِ بِأَنَّ
العَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ، الإِمَامُ شَيْخُ الإِسْلامِ البُلْقِيْنِيُّ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِمَّا يُوهِمُ عَدَمَ كُفْرِهِمْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى
الصِّنْفِ الآخَرِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، كَالَّذِينَ يَقْتَصِرُونَ عَلَى قَوْلِ
إِنَّ اللَّهَ لا يُرَى فِي الآخِرَةِ، وَإِنَّ القُرْءَانَ مَخْلُوقٌ،
وَيَعْنُونَ بِالقُرْءَانِ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ، وَالقَوْلِ بِأَنَّ صَاحِبَ
الكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ كَسَائِرِ
الْكُفَّارِ.
وَقَدْ قِيلَ لِسَيِّدِنَا
عَلِيٍّ إِنَّ فُلانًا يَنْسُبُ القَدَرَ لِنَفْسِهِ، أَيْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ
مُسْتَقِلاًّ لِمَشيئَةِ أَفْعَالِهِ عَنِ اللَّهِ، فَكَلَّمَهُ سَيِّدُنَا
عَلِيٌّ وَكَسَرَهُ بِالْحُجَّةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «إِنْ عُدْتَ إِلَى هَذَا
لأَقْطَعَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ». مَعنَاهُ أَقْطَعُ رَأْسَكَ، فَتَابَ
ذَلِكَ الرَّجُلُ.
وَمِمَّنْ حَذَّرَ مِنَ
الْمُعْتَزِلَةِ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ رُفِعَ إِلَيْهِ أَمْرُ
رَجُلٍ مِنْ رُؤُوسِهِمْ يُقَالُ لَهُ غَيْلانُ أَبُو مَرْوَانَ، فَاسْتَدْعَاهُ
وَاسْتَتَابَهُ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، لَكِنَّهُ عَادَ، بَعْدَمَا مَاتَ عُمَرُ
بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى غَيِّهِ وَضَلالِهِ. وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ كَانَا يُنْكِرَانِ عَلَى
الْمُعْتَزِلَةِ عَقِيدَتَهُمُ الفَاسِدَةَ.
وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ
الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الإِمَامُ الْجَلِيلُ الْمُجْتَهِدُ حَذَّرَ
مِنْ ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ الَّذِي هُوَ مِنْ رُؤُوسِ
الْمُعْتَزِلَةِ كَذَلِكَ. فَقَالَ فِي التَّحْذيرِ مِنهُمَا وَمِنْ أَمْثَالِهِمَا:
أَيُّهَا الطَّالِبُ
عِلْمًا
إِيْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
فَاطْلُبَـنَّ العِلْمَ مِنْهُ
ثُمَّ قَـيِّـدْهُ
بِقَيْـدِ
لاَ كَثَوْرٍ لاَ كَجَهْمٍ
لا كَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ
وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مِنَ
الأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ. مَعنَاهُ، يَا طَالِبَ الْعِلْمِ اعْتَنِ
بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ مِنْهُ وَاحْذَرْ أُوْلَئِكَ.
جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أَتْباعُهُ
يُقَالُ لَهُمُ الْجَهْمِيَّةُ وَالْجَبْرِيَّةُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ
بِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَمِنْ ضَلالاتِ الْجَهْمِيَّةِ
قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الْعَبْدَ لا فِعْلَ لَهُ الْبَتَّةَ وَلا اخْتِيَارَ، جَعَلُوهُ
كَالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ فِي الوَادِي، هَذَا الْمَاءُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ
وَفِعْلِهِ يَحْصُلُ مِنْهُ هَذَا السَّيْلُ، إِنَّما يُقَالُ سَالَ الوَادِي،
لأَنَّه مَظْهَرُ السَّيَلانِ، لَيْسَ لأَنَّه يُحْدِثُ هَذَا السَّيْلَ.
وَجَهْمُ بنُ صَفْوَانَ
التِّرْمِذِيُّ قَتَلَهُ سَلْمُ بْنُ أَحْوَزَ عِنْدَمَا عَلِمَ بِفِتْنَتِهِ،
فَخَفَّتْ فِتْنَتُهُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: وَأَمَّا حَرَمُ
الْمَدِينةِ فَهُو مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
حَدِيثِهِ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ مَنْ أَحْدَثَ
فِيهَا حَدَثًا أَوْ ءَاوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. مَا
بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ مِنَ الْمِسَاحَةِ، مَنْ قَتَلَ إِنْسَانًا ظُلْمًا
أَوْ قَطَعَ طَرَفًا ظُلْمًا، أَوْ ءَاوَى جَانِيًا، لِيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ، تُصِيْبُهُ تِلْكَ اللَّعْنَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّسُولُ أَيْضًا
أَنَّ الَّذِي يُخِيفُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يُذِيبُهُ اللَّهُ كـَمَا يَذُوبُ
الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، كَـمَا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ جَيْشِ يَزِيدَ بَعْدَمَا
ارْتَكَبُوا تِلْكَ الْجِنَايَةَ الْفَاحِشَةَ فِي الْمَدِينَةِ انْتَقَمَ اللَّهُ
مِنْهُمْ فِي الدُّنيَا. وَكَذَلِكَ يَزِيدُ مَا عَاشَ طَوِيلاً بَعْدَ ذَلِكَ،
لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَجَّهَهُمْ لِيَنْتَقِمُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
غَضَبًا، لأَنَّهُم أَرَادُوا خَلْعَهُ مِنَ الْخِلافَةِ، لأَنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهَا،
لأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَفْسَقِ النَّاسِ، إِنَّمَا أَبُوهُ رَتَّبَ لَهُ، صَارَ
يُكَلِّمُ هَذِهِ الْقَبِيلَةَ وَهَذِهِ الْقَبِيلَةَ، أَنِ اسْتَخْلِفُوا ابْنِي
بَعْدِي، مَعَ وُجُودِ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ كَعَبْدِ
اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ
الزُّبَيْرِ الَّذِي كَانَ مِنَ الْقَانِتِينَ الْخَاشِعِينَ مِنْ فُقَهَاءِ
الصَّحَابَةَ، وُهُوَ الَّذِي حِيْنَ تَوَجَّهَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى غَزْوِ
إِفْرِيقْيَا، قَتَلَ جِرْجِيرَ. كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَافِرٌ يُقَالُ لَهُ
جِرْجِيرُ أَوْ (ڠِرْڠِيْرُ) بِلُغَةِ الْعَجَمِ، هُوَ عَجَمِيٌّ، لَمَّا
وَاجَهَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَصَمَّمَ عَلَى قِتَالِهِمْ وَعَدَمِ مُصَالَحَتِهِمْ،
قَالَ لِلْمُقَاتِلِينَ مِنْ جَيْشِهِ: »أَيُّكُمْ قَتَلَ أَمِيْرَ الْمُسْلِمِينَ
فَإِنِّي أُزَوِّجُهُ بِنْتِي هَذِهِ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ«، وَقَدْ
كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ فَائِقَةُ الْجَمَالِ، وَعَلَيْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ
الشَّىْءُ الْكَثِيرُ. ثُمَّ قَائِدُ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا قَالَ:
»أَيُّكُمْ صَدَقَ فِي لِقَاءِ هَؤُلاءِ الكُفَّارِ فَقَتَلَ جِرْجِيرَ، فَإِنِي
أُعْطِيهِ بِنْتَهُ«، فَعَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ هُوَ كَانَ صَاحِبَ
الْحَظِّ، هُوَ مَا قَتَلَهُ لأَجْلِ البِنْتِ، بَلْ بِقَصْدِ نُصْرَةِ
الإِسْلامِ. ثُمَّ بَعْدَمَا قَتَلَ هَذَا الْمَلِكَ الْكَافِرَ انْكَسَرُوا
وَأُسِرَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَفِيهِمُ الْبِنْتُ. هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ
الزُّبَيْرِ مَا أَبْرَزَ نَفْسَهُ، مَا قَالَ أَنَا قَتَلْتُهُ، بَلْ أَخْفَى
نَفْسَهُ، لأَنَّهُ لِوَجْهِ اللَّهِ عَمِلَ، فَقَالَ قَائِدُ الْمُسْلِمِينَ:
»إِنِّي أَعْزِمُ عَلَى أَيِّكُمْ قَتَلَ جِرْجِيرَ إِلاَّ وَأَبْرَزَ نَفْسَهُ«،
فَلَمْ يُبْرِزْ نَفْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْبِنْتِ: »تَعْرِفِيْنَ قَاتِلَ
أَبِيكِ؟« قَالَتْ: »نَعَمْ«، فَصَارَتْ تَتَصَفَّحُ الْوُجُوهَ، فَقَالَتْ
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: »أَنْتَ«، فَأَعْطَاهُ الْبِنْتَ. جَيْشُ
يَزِيدَ ظُلْمًا قَاتَلُوهُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَهْلاً لِلْخِلافَةِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ
هُوَ الَّذِي وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّهُ شَرِبَ دَمَ النَّبِيِّ بَعْدَما أُخِذَ
مِنَ النَّبِيِّ دَمُ الْحِجَامَةِ، فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ
التَّبَرُّكِ بِهَذَا الدَّمِ أَخَذَهُ وَشَرِبَهُ خُفْيَةً، فَكَانَ فِيهِ
الْجُرْأَةُ وَالْقُوَّةُ الشَّىْءُ الْغَرِيبُ مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ الدَّمِ.
[قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ
الزُّبَيْرِ: «وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ». وَكَذَلِكَ
أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بنُ حَرَشَةَ الأَنْصَارِيُّ شَرِبَ دَمَ حِجَامَةِ
النَّبِيِّ].
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ
الصَّلاةِ فَقَالَ لَهُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ»، ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا افْتَرَضَ
اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَامِ فَقَالَ لَهُ: «صِيَامُ رَمَضَانَ»، ثُمَّ
سَأَلَهُ عَمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ فَأَخْبَرَهُ
بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، ثُمَّ عَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسْلامِ أَيْ
عَلَّمَهُ مَا هُوَ الْفَرْضُ فِي دِينِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا هُوَ
الْمُحَرَّمُ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ
بِالْحَقِّ لاَ أَتَطَوَّعُ وَلا أُنْقِصُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ
شَيْئًا». حَلَفَ هَذَا الرَّجُلُ أَنَّهُ لاَ يَعْمَلُ شَيْئًا مِنَ النَّوَافِلِ
وَلا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ»، وَفِي
رِوَايَةٍ: «دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ».
فَأَفْهَمَنَا الرَّسُولُ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثِهِ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ
السُّنَّةِ هُوَ مَنْ خَالَفَهُ فِي الْمُعْتَقَدِ، كَالْمُعْتَزِلَةِ
وَالْخَوَارِجِ القَائِلِيْنَ بِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ فِي
النَّارِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يُسَمُّونَهُ فَاسِقًا وَلا يُسَمُّونَهُ
كَافِرًا، هُوَ عِنْدَهَمْ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ،
أَمَّا الْخَوَارِجُ فَالأَمْرُ عِنْدَهُمْ أَشَدُّ لأِنَّهُم يَعْتَبِرُونَهُ
كَافِرًا. وَكِلا الْفَرِيقَيْنِ ذَمَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي
كِتَابِ الآدَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«مَنْ ضَمِنَ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ».
الْمَعنَى أَنَّ مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، أَيْ لِسَانَهُ، وَمَا بَيْنَ
رِجْلَيْهِ، أَيْ فَرْجَهُ، يَضْمَنُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكَرَ اللِّسَانِ لأَنَّهُ
أَكْثَرُ الْجَوَارِحِ ذُنُوبًا.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: وَقَدَ رَوَى
التِّرمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«مَنْ صَمَتَ نَجَا». أَيْ مَنْ أَطَالَ السُّكُوتَ عَنْ كَلامِ النَّاسِ نَجَا،
أَيْ سَلِمَ مِنَ الْمَهَالِكِ. وَإِلاَّ فَالسُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ
مَطْلُوبًا، بَلِ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُشْغِلَ الإِنْسَانُ لِسَانَهُ بِذِكْرِ
اللَّهِ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى النِّسَاءَ بِالتَّسْبِيحِ
وَالتَّقْدِيسِ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَعَقِّدْنَ
بِالأَنَامِلِ»، أَيِ اعْدُدْنَ التَّسْبِيحَ وَالتَّقْدِيسَ بِأَنَامِلِكُنَّ،
قَالَ: «فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ». أَيْ يَومَ الْقِيَامَةِ
تُسْأَلُ الأَنَامِلُ وَتُسْتَنْطَقُ، أَيْ يُجْعَلُ فِيهَا النُّطْقُ،
فَتَتَكَلَّمُ بِمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ فِي الدُّنْيَا.
وَالتَّسْبِيحُ هُوَ قَولُ سُبْحَانَ
اللَّهِ، أَمَّا التَّقْدِيسُ فَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ
اللَّهِ، كَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَفْضَلُ التَّقْدِيسِ «لا
إِلَـٰهَ إِلاَّ اللَّهُ» ثُمَّ بَعْدَهُ «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: لِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ
الْكَلامِ مَا اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ
وَبِحَمْدِهِ». هَذِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهَا وَبِحَمْدِهِ
يَكُونُ الثَّوَابُ أَعْظَمَ، فَمَنْ قَالَهَا يُغْرَسُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ
شَجَرَةُ نَخْلٍ سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ، لأَنَّ كُلَّ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ
سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ، مَنْظَرُهَا شَىْءٌ يَمْلأُ النَّظَرَ سُرُورًا.
الْحَدِيثُ الْعِشرُونَ: وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ
هَالَهُ اللَّيْلُ أَنْ يُكَابِدَهُ، وَبَخِلَ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ،
وَجَبُنَ عَنِ الْعَدُوِّ أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ
اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ». الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُقَصِّرُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ،
وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجُبْنُ، فَلَيْسَ لَهُ إِقْدَامٌ عَلَى الْجِهَادِ
ضِدّ الْعَدُوِّ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ سَخَاءٌ وَكَرَمٌ، فَيُقَصِّرُ فِي
الصَّدَقَاتِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ تَكُونُ جَبْرًا لِمَا يُفَوِّتُ الْمُؤْمِنُ
مِنْ بَعْضِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. ثُمَّ هِيَ سَبَبٌ لِتَيْسِيرِ
الرِّزْقِ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي
وَالْعِشْرُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَبْرُ إِمَّا رَوْضَةٌ
مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَإِمَّا حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيْرَانِ».
الْمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا دُفِنَ، فإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَالَتُهُ
حَالَةً طَيِّبَةً هَنِيئَةً، لاَ يَلْقَى فِي قَبْرِهِ شَيْئًا مِنَ
الْمُزْعِجَاتِ، كَالْهَوَامِّ، كَالنَّمْلَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، بَلْ
يَكُونُ أَنْعَمَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْقَبْرَ، أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ فِي حَالِ
صِحَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالَةِ شِدَّةٍ وَنَكَدٍ، لا
يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إِلاَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عِيسَى
عَلَيْهِ السَّلامُ حِكَايَةٌ تُقَوِّي يَقِينَ الْمُؤْمِنِ: كَانَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَقَفُوا
عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ الَّذِينَ مَعَ سَيِّدِنا عِيسَى: «مَا أَضْيَقَهُ»،
مَعنَاهُ الْقَبْرُ بُقْعَةٌ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ
السَّلامُ: «بُطُونُ الأُمَّهَاتِ الَّتِي كُنْتُمْ فِيهَا أَضْيَقُ مِنْ هَذَا،
وَإِنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ»، أَيِ هَذَا الْقَبْرُ الَّذِي
تَرَوْنَهُ مِسَاحَةً ضَيِّقَةً يُوَسِّعُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي
وَالْعِشْرُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ
مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَالتِّرْمِذِيُّ]. يُونُسُ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ
فِي الْبَحْرِ، فَمَكَثَ فِي بَطْنِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قِيْلَ ثَلاثَةَ
أَيَّامٍ، وَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَهْلِكَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ
الْحُوتُ مِنْ جَوْفِهِ فَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا.
ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ ابْتِلاءً لَهُ
عَلَى شَىْءٍ فَعَلَهُ مِنْ دُونِ إِذْنٍ سَمَاوِيٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ غَضِبَ عَلَى
قَوْمِهِ فَتَرَكَهُمْ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ
تَفْضِيلُ نَبِيٍّ عَلَى نَبِيٍّ بِلا دَلِيلٍ. مَعنَاهُ، هَذَا يُونُسُ، الَّذِي
حَصَلَ لَهُ هَذَا الاِبْتِلاءُ فِي الدُّنْيَا، لا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ
الوَاحِدُ عَنْهُ إِنَّ فُلانًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْهُ، لأَنَّ
ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ بَعضٍ مِنْهُم، لأَنَّ الأَنْبِيَاءَ
كُلَّهُم كَامِلُونَ مَا فِيهِمْ نَبِيٌّ نَاقِصٌ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ
الأَنْبِيَاءَ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ
الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّنْ كَلَّمَ اللَّهُ
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [سُورَةَ البَقَرةِ] وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: »خِيَارُ الأَنْبِيَاءِ خَمْسَةٌ: مُحَمَّدٌ
وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٌ، وَخِيَارُهُمْ مُحَمَّدٌ«. [رَوَاهُ
الْحَاكِـمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ].
فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ
الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِحَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ
تَرْكَ تَعْيِينِ اسْمِ يُونُسَ بنِ مَتَّى فِي التَّفضِيلِ أَيْ فِي كَوْنِهِ
أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِلاَّ فَالرَّسُولُ لا يَنْهَانَا عَنِ اعتِقَادِ أَنَّهُ
خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى، وَلَكِنَّهُ نَهَى عَنِ التَّسْمِيَةِ
بِالتَّعْيِينِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ
وَالْعِشْرُونَ: عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى
رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» [رَوَاهُ أبُو
دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ]. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُجَدِّدِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا عِنْدَ
تَمَامِ الْقَرْنِ، مَعَ كَوْنِهِ بِصِفَةِ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى، ذَابًّا عَنِ
السُّنَّةِ، قَامِعًا لِلْبِدْعَةِ، يَنْفَعُ النَّاسَ بِبَيَانِهِ، يُبَيِّنُ
الضَّلالاتِ وَيُحَذِّرُ مِنْهَا، وَيُبَيِّنُ السُّنَنَ وَيَحُثُّ عَلَيهَا.
وَالسُّنَنُ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مِنْ فَرَائِضَ وَغَيْرِ فَرَائِضَ.
وَأَوَّلُ مُجَدِّدٍ كَانَ فِي
هَذِهِ الأُمَّةِ هُوَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، الَّذِي كَانَ حَاكِمًا
عَدْلاً. وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُجَدِّدِينَ أَنْ
جَمَعَ بَيْنَ صِفَةِ الْمُجَدِّدِيَّةِ وَالْحُكْمِ. ثُمَّ بَعْدَهُ الإِمَامُ
مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ تُوُفِّيَ بَعْدَ تَمَامِ
الْقَرْنِ الثَّانِي بِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ
الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَبُو الطَّيِّبِ
سَهْلُ بنُ مُحَمَّدٍ الصُّعْلُوكِيُّ. ذَكَرَ هَذَا التَّرْتِيبَ الْحَافِظُ
الْحَاكِمُ صَاحِبُ كِتَابِ الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ فِي هَذَا الأَخِيرِ:
وَالرَّابِعُ الْمَشْهُورُ سَهْـلُ مُحَمَّــدٍ أَضْحَى
إِمَامًا عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّـدِ
وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ
أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَجَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ
الإِسْلاَمِ خَيْرًا. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الإِمَامُ
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: »لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ
بِحُجَجِهِ«. أَيْ مِنْ مُجْتَهِدٍ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ
وَالْعِشرُونَ: رَوَى
الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ صَادَفَ رَجُلاً مِنَ الصَّحَابَةِ يُسَمَّى حَارِثَ، وَفِي لَفْظٍ
حَارِثَةَ، فَقَالَ لَهُ: «كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟»، قَالَ: «أَصْبَحْتُ
مُؤْمِنًا حَقًّا» قَالَ: «انْظُرْ يَا حَارِثَةُ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ
حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ مَقَالِكَ؟»، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَزَفْتُ
نَفْسِيَ عَنِ الدُّنْيَا، أَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي
بِعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا،
وَكَأَنِّي بِأَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا».
قَوْلُهُ:
«عَزَفْتُ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا»، مَعنَاهُ قَطَعْتُ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا،
أَيْ لا أُعْطِي نَفْسِي شَهَوَاتِهَا، لا أَتْرُكُهَا تَسْتَرْسِلُ فِي
مَلَذَّاتِهِا، لَيْسَ مَعنَاهُ أَنَا أُحَرِّمُ التَّنَعُّمَ، التَّنَعُّمُ
ضِمْنَ الْحَلالِ لَيسَ حَرَامًا، إِنَّمَا شَأْنُ الصُّوفِيَّةِ أَنْ يَمْنَعُوا
أَنْفُسَهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْحَلالِ. لا يُعْطُونَهَا إِلاَّ القَدْرَ
الَّذِي لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ: مِنَ النَّوْمِ يُعطُونَهَا الْقَدْرَ الَّذِي
يُحْفَظُ بِهِ صِحَّةُ الْجَسَدِ، وَمِنَ الأَكْلِ كَذَلِكَ، وَمِنَ الشَّرَابِ
كَذَلِكَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: «وَكَأَنِّي
بِعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا»، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ صَارَ عِنْدِي مِنَ الْيَقِينِ،
بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، بِحَيْثُ إنِّي كَأَنِّي أُعَايِنُ
الْعَرْشَ مُعَايَنَةً، مَعَ بُعْدِ مَسَافَتِهِ عَنَّا، أَرَاهُ بَارِزًا،
وَصَارَ عِنْدِي مِنْ شِدَّةِ الْيَقِينِ، بِحَيثُ إِنِّي كَأَنِي أُشَاهِدُ
أَهْلَ الْجَنَّةِ وَهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، يَجْلِسُونَ عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ، وَقَدْ وَصَلْتُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا وَرَدَ عَنْ جَهَنَّمَ
كَأَنِّي أُشَاهِدُهَا عِيَانًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «عَرَفْتَ فَالْزَمْ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الإِيْمَانَ فِي
قَلْبِهِ». هَذَا هُوَ التَّصَوُّفُ.
وَالصُّوفِيَّةُ هُمْ كَـمَا قَالَ
إِمَامُهُمُ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا أَخَذْنَا
التَّصَوُّفَ بِالْقَالِ وَالْقِيلِ، بَلْ أَخَذْنَاهُ بِالسَّهَرِ وَالْجُوعِ
وَتَرْكِ الْمَأْلُوفَاتِ وَالْمُسْتَحْسَنَاتِ». مَعْنَاهُ لَيْسَ التَّصَوُّفُ
بِإِيرَادِ الْحِكَايَاتِ: قَالَ الشَّيخُ فُلانٌ كَذَا، وَقَالَ الشَّيْخُ فُلانٌ
كَذَا، يَعنِي قَطَعْنَا أَنْفُسَنَا عَنْ شَهَوَاتِهَا، لأَن التَّصَوُّفَ
صَفَاءُ الْمُعَامَلَةِ، كَمَا قَالَ حَارِثَةُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ
وَالْعِشرُونَ: رَوَى
الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: «إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ
لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ»، أَيْ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
وَالتَّنَعُّمُ هُوَ الاِسْتِمْرَارُ
بِالتَّلَذُّذِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمَفَاخِرِ الثِّيَابِ وَنَحْوِ
ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ
اللَّذِيذَ، أَوْ يَلْبَسُ اللِّبَاسَ الْجَمِيلَ، لاَ بَأْسَ، هَذَا لا يكُونُ
تَنَعُّمًا. وَكَذَلِكَ إِذَا أَكَلَ اللَّحْمَ فِي بَعضِ الأحْيَانِ لِحِفْظِ
بَدَنِهِ، هَذَا لا يُنَافِي تَرْكَ التَّنَعُّمِ. ثُمَّ إِنَّ تَرْكَ
التَّنَعُّمِ عَمَلُ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِياءِ، لأَنَّهُم يَنْظُرُونَ إِلَى
رَاحَةِ مُسْتَقْبَلِهِمْ، وَهَذَا مَقَامٌ كَبِيرٌ يَصْعُبُ عَلَى النَّفْسِ،
وَذَلِكَ لأَنَّ التَّنَعُّمَ يَحُوْلُ بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ تَقْدِيْمِ مَا
يَنْفَعُهُ لآخِرَتِهِ، وَيكُونُ لَهُ ذُخْرًا، لأَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ
التَّنَعُّمَ فِي عِيشَتِهِ، نَفْسُهُ تَمْنَعُهُ عَنْ تَقدِيْمِ مَا يَكُونُ
ذُخْرًا لَهُ فِي الآخِرَةِ، تَقُولُ لَهُ: «إِذَا قَدَّمْتَ هَذَا، تَنْقُصُ
عَلَيْكَ وَسَائِلُ التَّنَعُّمِ»، فَيَمْنَعُهُ عَنْ تَقدِيْمِ هَذَا الْعَمَلِ،
الَّذِي هُوَ عَمَلُ بِرٍّ وَإِحْسَانٍ.
حُبُّ الدُّنْيَا إِذَا اسْتَوْلَى
عَلَى القَلْبِ هَانَ عَلَى صَاحِبِهِ كُلُّ الْمَفَاسِدِ. عِيسَى عَلَيْهِ
السَّلامُ كَانَ يَلْبَسُ الشَّعَرَ، أَيِ الصُّوفَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ
الْغَنَمِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْسَجَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ،
أَيْ مِنْ بُقُولِ الأَرْضِ، مِنْ نَحْوِ الْمُلُوخِيَّةِ وَالْهِنْدِبَاءِ
وَالْخُبَّيْزَةِ مِنْ دُونِ طَبْخٍ. يَبِيتُ حَيْثُ يُدْرِكُهُ الْمَسَاءُ، كَانَ
يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ، كَانُوا يُسَمُّونَهَا بِيعَةً، أَوْ يَبِيتُ فِي
الْبَرِيَّةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ. والرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَبِيتُ اللَّيْلَةَ ثُمَّ يَشْرَبُ مِنهُ،
ثُمَّ اللَّيلَةَ الثَّانِيَةَ يَشْرَبُ وَالثَّالِثَةَ يَشْرَبُ، ثُمَّ قَدْ
يَسْقِيهِ غَيْرَهُ أَوْ يَشْرَبُهُ، أَوْ يُرْمَى، لأِنَّهُ فِي الْبِلادِ
الْحَارَّةِ يُخْشَى أَنْ يَصِيرَ خَمْرًا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَوِ
الْخَامِسِ. فَالَّذِي يَتْرُكُ التَّنَعُّمَ أَقْرَبُ إِلَى مُوَاسَاةِ
الْغَيْرِ، لِذَلِكَ تَرْكُ التَّنَعُّمِ طَرِيقٌ إِلَى تَنْوِيرِ الْقَلْبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿وَلا
تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾ فَمَعْنَاهُ لا تَنْسَ أَنْ تَتَزَوَّدَ مِنْ
دُنْيَاكَ لآخِرَتِكَ. الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ
يَمْضِي عَلَيْهِ الشَّهْرُ ثُمَّ الشَّهْرُ وَلا يُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ،
كَانَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَالْمَاءَ، التَّنَعُّمُ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ
الأَنْبِيَاءِ.
اعْلَمْ، رَحِمَكَ اللَّهُ، أَنَّ
الْعِلْمَ الإِسْلامِيَّ نُشِرَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ بِشِدَّةِ الْهِمَّةِ،
لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرَّاحَةِ، فَمِنْ حَيْثُ الرَّاحَةُ، كَانُوا أَقَلَّ مِنَّا
بِكَثِيْرٍ، الْفَقِيرُ مِنَّا الْيَوْمَ، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، يَعِيشُ
عِيشَةَ الْمُلُوكِ، كَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ، نَاحِيَةَ الْمَدِينَةِ،
أَغْلَبُ قُوتِهِمُ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، أَمَّا الضَّوَاحِي الَّتِي هِيَ بِلادٌ
زِرَاعِيَّةٌ، يَقتَاتُونَ بِالْقَمْحِ وَالشَّعِيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ
والعِشرُونَ: رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا
فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».
الْعَرَّافُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسْرُوقِ أَوْ عَنِ
الضَّالَةِ، أَيْنَ هِيَ، وَمَنْ هُوَ وَمَا صِفَتُهُ، فَالَّذِي يَذْهَبُ
إِلَيْهِ لِيَسْأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ، لِيُخْبِرَهُ عَنْ مَكَانِ هَذَا الشَّىْءِ
الْمَسْرُوقِ أَوِ الْمَفْقُودِ أَوِ الضَّائِعِ، لاَ يُقْبَلُ لَهُ صَلاةُ
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَيْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَوْقَ الذَّنْبِ الَّذِي
يُكْتَبُ عَلَيْهِ، يُحْرَمُ ثَوَابَ صَلاةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنَ
الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ. وَيَدْخُلُ فِي هَؤُلاءِ الْعَرَّافُ الَّذِي
يَعْتَمِدُ عَلَى فِنْجَانِ الْبُنِّ أَوْ غَيْرِهِ، فِي التَّحَدُّثِ عَنْ مِثْلِ
ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ
والعِشرُونَ: رَوَى التِّرمِذِيُّ فِي
جَامِعِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا
تَثَآءَبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلْ: «ءَاهٍ» أَوْ «هَاهٍ»، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
يَضْحَكُ مِنْ جَوْفِهِ»، الْمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا قَالَ عِنْدَمَا
يَتَثَآءَبُ: «ءَاهٍ» أَوْ «هَاهٍ» وَفَتَحَ فَاهُ، الشَّيْطَانُ يَضْحَكُ،
لأَنَّهُ يَسْخَرُ مِنْ مَنْظَرِ ابْنِ ءَادَمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَدْخُلُ
إِلَى جَوْفِهِ إِهَانَةً لَهُ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ «ءَاهٍ» لَيْسَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ
اللَّهِ، وَأَنَّ مَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الطُّرُقِ مِنْ
ذَلِكَ كَذِبٌ. وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ حَذْفُ أَلِفِ الْمَدِّ مِنْ كَلِمَةِ
«اللَّه» كَمَا ذَكَرَ ذلِكَ اللُّغَوِيُّ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ. وَقَدْ
تَوَاتَرَ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَتَثَاءَبْ قَطُّ. قَالَ الْعُلَمَاءُ عِنِ
التَّثَاؤُبِ: «الأَصْلُ أَنْ لا يَفْتَحَ الشَّخْصُ فَمَهُ، [يَغْلِبُ نَفْسَهُ]،
ثُمَّ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ يَفْتَحُ لَكِنْ يُغَطِّي فَمَهُ بِالْيَدِ، لا
بَأْسَ لَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى عَلَى فَمِهِ». وَقَدْ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَى فَٱدْعُوهُ بِهَا
وَذَرُوا ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ فَالَّذِينَ يَقُولُونَ: «ءَاه»،
بِنِيَّةِ أَنَّهُم يَذْكُرُونَ اللَّهَ، هَذَا حَرَامٌ، لأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ
يَدُلُّ عَلَى الضَّعْفِ وَالنَّقْصِ وَالْعَجْزِ. وَهُوَ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ
لِلشِّكَايَةِ وَالتَّوَجُّعِ وَالتَّأَسُّفِ، بِإِجْمَاعِ اللُّغَوِيِّينَ.
فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ
اعْتَبَرَهُ اسْمًا مِنْ أَسْمَآءِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، لأَنَّهُ انْتَقَصَ
اللَّهَ وَجَعَلَهُ مَخْلُوقًا. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَلا
يَكْفُرُ.
وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ قَالَ: «الْعُطَاسُ مِنَ اللَّهِ وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ،
فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، وَإِذَا قَالَ:
«ءَاهٍ ءَاهٍ» فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ فِي جَوْفِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: «ءَاهٍ
ءَاهٍ» إِذَا تَثَاءَبَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ فِي جَوْفِهِ».
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ
والْعِشْرُونَ: رَوَى
الإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «لَوْ كَانَ الْعِلْمُ فِي الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَتْهُ رِجَالٌ مِنْ
فَارِسَ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَهُمْ حَظٌّ وَافِرٌ مِنَ
الْعِلْمِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ، لا عَشَرَةً وَلا
عِشْرِينَ، وَمِمَّنْ بَرَزَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الإِمَامُ
أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَالثُّرَيَّا مَجْمُوعَةُ
نُجُومٍ مَعْرُوفَةٍ فِي السَّمَاءِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ
والْعِشْرُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ
يَرَى ءَاثَارَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَحَسَّنَهُ]. مَعْنَاهُ يُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النِّعْمَةِ لَيْسَ مِنْ
أَهْلِ الْبُؤْسِ، حَتَّى يَقْصِدَهُ النَّاسُ لِحَاجَاتِهِمْ. كَذَلِكَ يُقَالُ
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ إِذَا كَانَ لا
يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الرِّيَاءَ وَالْعُجْبَ.
الْحَدِيثُ الثَّلاثُونَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]:
«اخْشَوْشِنُوا وَتَمَعْدَدُوا، وَإِيَّاكُمْ وَزِيَّ الْعَجَمِ». مَعْنَاهُ
خُذُوا بِسِيرَةِ مَعَدِّ بنِ عَدْنَانَ، أَحَدِ أَجْدَادِ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ
كَانَ يَعِيشُ مَعِيشَةَ الْخُشُونَةِ، وَلا تَتَشَبَّهُوا بِالإِفْرَنْجِ.
أَمَّا قَوْلُ: «فَإِنَّ النِّعَمَ
لا تَدُومُ». فَلَيْسَ حَدِيثًا وَلا مِنْ كَلامِ عُمَرَ.
الزِّيُّ الْعَرَبِيُّ أَنْفَعُ
لِرُكُوبِ الْخَيْلِ، وَلِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَسْتَرُ. الْعَرَبُ قُمْصَانُهُمْ
وَسَرَاوِيلُهُمْ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ كَانَتْ.
عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ هُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ
وَأَحَدُ أَوْلِيَائِهِمْ، كَانَتْ تَزُورُهُ الْمَلائِكَةُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ
الْكَيَّ مِنْ أَجْلِ الْبَوَاسِيرِ، فَانْقَطَعَتْ عَنْهُ الْمَلائِكَةُ، ثُمَّ
بَعْدَ بُرْهَةٍ عَادُوا لِزِيَارَتِهِ.
أَمَّا أَبُو الأَسْوَدِ
الدُّؤَلِيُّ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، أَخَذَ الْحَدِيثَ
عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَ هُوَ
أَوَّلَ وَاضِعٍ لِلنَّحْوِ بِإِشَارَةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ. ثُمَّ إِنَّ عِمْرَانَ
بْنَ الْحُصَيْنِ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَشْهُورِينَ
بِالْعِلْمِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْبَصْرَةَ أَفْقَهُ مِنْهُ،
أَيْ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ الْبَصْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ فَعِمْرَانُ
أَفْقَهُهُمْ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي
وَالثَّلاثُونَ: رَوَى
مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ حَدِيثِ
عَقِيلِ بنِ يَعْمَرَ عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ
الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
: «أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ (أَيْ
يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ) أَشَىْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ
قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ
وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟» قَالَ: فَقُلْتُ: «بَلْ شَىْءٌ قُضِيَ
عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ»، قَالَ: «أَفَلاَ يَكُونُ ظُلْمًا؟» (أَرَادَ أَنْ
يَزِيدَ فِي امْتِحَانِهِ فَقَالَ: «أَفَلاَ يَكُونُ ظُلْمًا؟» الْمَعْنَى إِنْ
كَانَ الإِنْسَانُ يَعْمَلُ فِيمَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى، يَعْمَلُ عَلَى حَسَبِ
مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ ثُمَّ حَاسَبَهُ فِي الآخِرَةِ عَلَى هَذَا
الْعَمَلِ فَعَاقَبَهُ أَلاَ يَكُونُ ظُلْمًا؟» قَالَ: «فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ
فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْتُ: «كُلُّ شَىْءٍ خَلْقُهُ وَمِلْكُ يَدِهِ (أَيْ
مِلْكُهُ)، لاَ يُسْأََلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ». (اللَّهُ أَلْهَمَ
أَبَا الأَسْوَدِ الصَّوَابَ، فَأَجَابَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لاَ
يَحْكُمُهُ أَحَدٌ، هُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، جَعَلَ الأَعْمَالَ أَمَارَاتٍ
أَيْ عَلامَاتٍ، وَوَفَّقَ بَعْضَ النَّاسِ بِأَنْ يَخْتَارُوا الْهُدَى
وَالصَّالِحَاتِ مِنَ الأَعْمَالِ وَيَنْسَاقُوا إِلَيْهَا بِاخْتِيَارِهِم، عَلَى
حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ، فَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ،
وَأَنْ يَنْسَاقَ قِسْمٌ مِنْهُم بِاخْتِيَارِهِم إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ،
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ، فَإِذَا حَاسَبَ
الْعُصَاةَ وَعَاقَبَهُمْ لا يَكُونُ ظَالِمًا، لأَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ لَيْسَ
لَهُ حَاكِمٌ، هُوَ الآمِرُ لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ، تَصَرَّفَ فِيمَا لَهُ وَلَمْ
يَتَصَرَّفْ فِيمَا لَيسَ لَهُ. وَأَمَّا الظُّلْمُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَهُوَ
أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَا لَيْسَ لَهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى، كُلُّ شَىْءٍ خَلْقُهُ
وَمِلْكُهُ). قَالَ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ»، (فَلَمَّا وُفِّقَ لِلْجَوَابِ
الصَّحِيحِ دَعَا لَهُ وَصَوَّبَ جَوَابَهُ) إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ
إِلاَّ لأَحْزِرَ عَقْلَكَ (أَيْ أَرَدْتُ أَنْ أَمْتَحِنَ فَهْمَكَ لِلدِّينِ)
إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالاَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ
النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ (أَيْ يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ، أَيْ
أَعْمَالَهُم حَرَكَاتِهِم أَوْ سَكَنَاتِهِم) أَشَىْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى
عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا
أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِم (مَعناهُ هَلْ هُوَ
شَىْءٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَحْصُلُ مِنْهُمْ، أَيْ
بِاخْتِيَارِهِم وَمَشِيئَتِهِمُ الْحَادِثَةِ بَعدَ مَشِيئَةِ اللَّهِ
الأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ، أَمْ شَىْءٌ جَدِيدٌ لَمْ
يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي الأَزَلِ أَنَّهُ يَحْصُلُ
مِنْهُمْ، إِنَّمَا هُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ
لِلَّهِ تَصَرُّفٌ فِيهِ يَعْمَلُونَ، أَوْ هَلْ هُم لَيسَ لَهُمُ اخْتِيَارٌ، بَل
هُمْ مَسْلُوبُو الاِخْتِيَارِ بِالْمَرَّةِ) وَأَمَّا قَوْلُهُمَا «مِمَّا
أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ» (مَعْنَاُه مَا
جَاءَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ، نُرِيدُ مِنْكَ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي
جِئْتَ بِهَا، وَبِهَا تَثَبُتُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّمَا قَالُوا «مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ» لأَنَّ
الرَّسُولَ نَبِيُّ النَّاسِ، لِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا مِمَّا أَتَيْتَ بِهِ)،
قَالَ: «بَلْ شَىْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِم (مَعنَى «قُضِيَ علَيهِم» أَيْ شَاءَ
اللَّهُ تعَالَى أَنْ يَفْعَلُوهُ بِاخْتِيَارِهِمْ) وَمَضَى عَلَيْهِم»،
وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُوَرَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا
يَعْمَلُ الْعِبَادُ مِنْ حَرَكَاتٍ وَسُكُونٍ، حَتَّى النَّوَايَا وَالْقُصُودِ،
عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ، ثُمَّ
رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ، جَزَآءً لَهُمُ، الْحَسَنَاتِ بِالثَّوَابِ،
وَالسَّيِّئَاتِ بِالْعِقَابِ. وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اسْتَدَلَّ بِالآَيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَيَّدَ جَوَابَهُ لَهُمَا، لأَنَّ
اللَّهَ أَقْسَمَ بِالنَّفْسِ وَمَا سَوَّاهَا، عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ
وتَعَالَى هُوَ الَّذِي يُلْهِمُ النُّفُوسَ فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، أَيْ
أَنَّهُ لا يَكُونُ شَىْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا إِلاَّ
بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ ذَلِكَ.
فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ كُلَّهَا خَلْقٌ
لِلَّهِ تَعَالَى وَكَسْبٌ لِلْعِبَادِ أَيْ نَحْنُ نُوَجِّهُ إِلَيْهَا الْقَصْدَ
وَالإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ الَّتِي هِيَ حَادِثَةٌ، وَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ
الشَّىْءِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَةِ/ ٢٨]. الْمَعْنَى أَنَّ
الْعِبَادَ يُثَابُونَ عَلَى كَسْبِهِمْ لِلْحَسَنَاتِ، وَيُعَاقَبُونَ عَلَى
كَسْبِهِمْ لِلسَّيِّئَاتِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: «إِذَا كَانَ اللَّهُ شَاءَ
لَنَا أَنْ نَفْعَلَ كَذَا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي فَمَاذَا نَفْعَلُ؟»
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: «الْمُسْتَقْبَلُ غَيْبٌ عَنَّا، مَا بَعْدَ هَذِهِ
اللَّحْظَةِ غَيْبٌ عَنَّا، فَالَّذِي عَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى لأَنْ نَكُونَ
قَائِمِينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ الَّتِي أَمَرَنَا
بِهَا، وَنَعْتَقِدُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ
وَشَاءَ أَنَّنَا نَسْعَى لِلْخَيْرَاتِ، كَانَ ذَلِكَ عَلاَمَةً عَلَى أَنَّنَا
مِنَ الَّذِينَ شَاءَ اللَّهُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ
الْمُقِيمِ فِي الآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنَا ذَلِكَ، فَلاَ نَكُونُ
مِنْ أُوْلَئِكَ، فَلا نَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، بَلْ نَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِنَ
الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ أَنَ يَكُونُوا مِنْ أَهلِ العَذَابِ الْمُقِيمِ،
كَمَا أَنَّ الإِنْسَانَ يَبْذُرُ الْبَذْرَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ عِلْمَ يَقِينٍ
أَنَّهُ يُدْرِكُ مَحْصُولَ هَذَا الزَّرْعِ، فَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ،
وَإِمَّا أَنْ تَحْدُثَ ءَافَةٌ عَاهَةٌ لِهَذَا الْبَذْرِ فَتُتْلِفَهُ،
فَتُفْسِدَهُ، فَلا يُدْرِكُ الاِنْتِفَاعَ بِهَذَا الزَّرْعِ، إِنَّمَا نَشْرَعُ
فِيهِ عَلَى الأَمَلِ، أَيْ عَلَى احْتِمَالِ أَنَّنَا نَعِيشُ حَتَّى يُدْرَكَ
[يَنْضِجَ] هَذَا الْبَذْرُ فَيَصِيْرُ حَبًّا، قُوتًا، أَوْ ثِمَارًا يُنْتَفَعُ
بِهَا، كَذَلِكَ أَحَدُنَا إِذَا أُصِيبَ بِمَرَضٍ يَتَدَاوَى عَلَى الأَمَلِ، لاَ
يَقْطَعُ بِأَنَّهُ يَتَعَافَى بِهَذَا الدَّوَاءِ، بَلْ يَقُولُ: «يَحْتَمِلُ
أَنْ أَتَعَافَى بِهَذَا الدَّوَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لا أَتَعَافَى بِهِ»،
وَهَذِهِ أُمُورُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، الْعَوَاقِبُ عَنَّا مَسْتُورَةٌ، مَحْجُوبَةٌ،
إِنَّمَا نَعْلَمُ مَا حَصَلَ قَبْلَ هَذَا، فَنَقُولُ هَذَا حَصَلَ بِمَشِيئَةِ
اللَّهِ، أَمَّا مَا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، فَإِنَّهُ غَيْبٌ عَنَّا، وَكَمَا لا
يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْعُدَ وَيَقُولَ: «مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لا
بُدَّ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِي»، وَلا يَسْعَى بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ بَلْ
يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِلتَّلَفِ بِالْجُوعِ، كَذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ
الإِنْسَانُ: «أَنَا إِنْ كَانَ اللَّهُ كَتَبَ أَنِّي سَعِيدٌ، لا بُدَّ أَنْ
أَكُونَ سَعِيدًا، وَإِنْ كَانَ كَتَبَ لِي غَيْرَ ذَلِكَ لا أَكُونُ سَعِيدًا،
ثُمَّ يَقعُدُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْعَى لأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ.
ثُمَّ يُقَالُ: فِعْلُ اللَّهِ لا يُقَاسُ عَلَى فِعْلِ الْمَخلُوقِ.
أَمَامَنَا أَمْرٌ يُوَافِقُ عَلَيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْمُلْحِدُ، وَذَلِكَ
الاِنتِفَاعُ بِهَذِهِ الْبَهَائِمِ، هَذِهِ الْبَهَائِمُ خَلْقٌ كَمَا أَنَّنَا
خَلْقٌ هِيَ تُحِسُّ بِاللَّذِةِ وَالأَلَمِ كَمَا أَنَّنَا نُحِسُّ بِاللَّذَةِ
وَالأَلَمِ، فَهَلْ يَعْتَرِضُ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى ذَبْحِ هَذِهِ الذَّبَائِحِ
لِلانْتِفَاع ِبِهَا؟ هَلْ هُوَ مَحَلُّ اعْتِرَاضٍ، هَل يَقُولُ أَحَدٌ مِنَّا
أَوْ مِنْكُمْ: «هَذِهِ البَهَائِمُ لَهَا أَرْوَاحٌ كَمَا أَنَّ لَنَا أَرْوَاحًا
وَتُحِسُّ بِأَلَمٍ كَمَا أَنَّنَا نُحِسُّ بِأَلَمٍ، فَإِذًا لا يَجُوزُ لَنَا
أَنْ نَقْضِيَ علَيْهَا لِلْوُصُولِ إِلَى لَذَّاتِنَا؟» فَيُقَالُ لَهُم: «كَمَا
أَنْ لا اعْتِرَاضَ لَكُم فِي هَذِهِ، لَيْسَ لَكُمُ اعْتِرَاضٌ عَلَى أَنَّ
اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ،
فَيَكُونُ الَّذِينَ وَفَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي
الآخِرَةِ، وَيَكُونُ الَّذِينَ لَمْ يُوَفِّقْهُمْ، بَلْ خَذَلَهُم، مِنْ أَهْلِ
العَذَابِ الْمُقِيمِ. أَمْرُ الدِّينِ لا يَتِمُّ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ،
أَمَّا أَنْ يُقَاسَ الْخَالِقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ، فَهَذَا ضَلالٌ وَخُسْرَانٌ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي
وَالثَّلاثُونَ: رَجُلٌ
يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ الْفَجْرِ قَالَ: «مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟» وَفِي لَفْظٍ: «مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟». فقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى
اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: »كُتِبْتُ نَبِيًّا وَءَادَمُ بَيْنَ الرُّوحِ
وَالْجَسَدِ«. [حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. الْمَعنَى أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ
يُرَكَّبَ فِي سَيِّدِنَا ءَادَمَ الرُّوحُ، أَيْ قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ خِلْقَتُهُ،
أَيْ قَبلَ أَنْ يَتِمَّ تَكوِينُ هَيْكَلِهِ، كَانَ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ نَبِيًّا،
أَيْ كَانَ مُشْتَهِرًا بَيْنَ الْمَلائِكَةِ بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ
وَالرِّسَالَةِ.
الْمَلائِكَةُ كَانُوا يَعرِفُونَ أَنَّهُ سَيَأْتِي نَبِيٌّ اسْمُهُ
مُحَمَّدٌ، بِاعتِبَارِ هَذَا الوَصْفِ، كَانَ الرَّسُولُ نَبِيًّا. »وَءَادَمُ
بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ«، لا بِمَعْنَى أَنَّ سَيِدَنَا مُحَمَّدًا كَانَ
مَخْلُوقًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. أَمَّا رُوحُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، فَيَجُوزُ
أَنْ يَكُونَ خُلِقَ قَبْلَ رُوحِ ءَادَمَ، أَمَّا هَيْكَلُهُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ
جَسَدِهِ وَرُوحِهِ، هَذَا بَعْدَ ءَادَمَ، بَعدَ ارتِفَاعِ الْمَسِيحِ إِلَى
السَّمَاءِ بِمَا يَقْرُبُ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ لا يَكُونُ كَافِرًا
لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلاً مُهَاجِرًا
مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا جَزِعَ مِنهُ لَم يَصْبِرْ، فَقَطَعَ بَرَاجِمَهُ
بِحَدِيدَةٍ، فَصَارَ الدَّمُ يَشْخَبُ، أَيْ يَسِيلُ، فَمَاتَ، ثُمَّ رَءَاهُ
رَفِيقُهُ الَّذِي هَاجَرَ مَعَهُ فِي الْمَنَامِ بِهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَرَءَاهُ
مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهَ: »مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟« قَالَ: »غَفَرَ
لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ«. قَالَ لَهُ: »فَمَا لِيَدَيْكَ؟« قََالَ:
»قِيلَ لِي إِنَّا لا نُصْلِحُ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ». ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ
قَصَّ عَلَى النَّبِيِّ الرُّؤْيَا، فَقَالَ الرَّسُولُ: »اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ
فَاغْفِرْ«. الدَّلِيلُ هُنَا الرَّسُولُ صَدَّقَهُ وَأَقَرَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا.
وَفِيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ لَمَّا قَالَ: »اللَّهُمَّ
وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ«. عَرَفْنَا أَنَّهُ غُفِرَتْ لَهُ تِلكَ الْجَرِيْمَةُ.
(الْبَرَاجِمُ مَفَاصِلُ الأَصَابِعِ، وَهِيَ رُؤُوسُ السُّلامِيَّاتِ مِنْ ظَهْرِ
الْكَفِّ، إِذَا قَبَضَ الشَّخْصُ كَفَّهُ نَشَزَتْ وَارْتَفَعَتْ)
[وَالسُّلامِيَّاتُ عِظامٌ صِغَارٌ طُولُ إِصْبَعٍ أَوْ أَقَلَّ فِي اليَدِ
وَالرِّجْلِ].
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا لا يَكُونُ
كَافِرًا لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ قِصَّةُ الإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ. سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَ أَصحَابَهُ، بِالْوَحِيِ
الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيهِ، أَنَّ هَذَا الإِسْرَائِيلِيَّ كَانَ قَتَلَ
مِائَةَ نَفْسٍ ظُلْمًا، ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَةَ، قَالَ لَهُ عَالِمٌ مِنْ
عُلَمَاءِ ذَلِكَ الْعَصْرِ لَمَّا سَأَلَهُ: »هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟» قَالَ
لَهُ »وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، اذْهَبْ إِلَى أَرْضِ كَذَا
فَإِنَّ بِهَا قَوْمًا صَالِحِيْنَ»، فَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ قَتْلِ
تِلْكَ الأَنْفُسِ الْمِائَةِ، وَهُوَ كَانَ لا يَعْرِفُ أَقْرِبَاءَ
الْمَقْتُولِيْنَ. فَفِي هَذِهِ الْحَالِ يَكفِيهِ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى
أَنْ لا يَعُودَ. وَتَوَجَّهَ إِلَى تِلْكَ الأَرضِ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي
مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ وَمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ،
هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ، وَهَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ،
فَاخْتَصَمُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا بِصِفَةِ رجُلٍ مِنْ بَنِي ءَادَمَ،
فَحَكَمَ بَيْنَهُم، قَالَ لَهُمْ: »قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى
أَيِّهِمَا وَجَدْتُمُوهُ أَقْرَبَ فَهُوَ لَهَا»، فَقَاسُوا، فَوَجَدُوا هَذَا
الشَّخْصَ أَقْرَبَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي هُوَ ذَاهِبٌ إِلَيْهَا بِشِبْرٍ.
قَالَ الرَّسُولُ: »فَغُفِرَ لَهُ«، فَأَخَذَتْهُ
مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ.
الْحَدِيثُ الْثَّالِثُ
وَالثَّلاثُونَ: رَوَى
البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ
فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا
مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ
يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». هَذَا
الْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى الْكَافِرِ، فَالكَافِرُ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عَلَى كُفْرِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ، فَهَذَا الكَافِرُ الَّذِي قَتَلَ نَفسَهُ
بِتِلكَ الْحَدِيدَةِ يُعَذَّبُ بِتِلكَ الْحَدِيدَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى
الدَّوَامِ، عَلَى الدَّوَامِ يُطْعَنُ بِتِلْكَ الْحَدِيدَةِ فِي بَطْنِهِ،
كَذَلِكَ الْكَافِرُ الَّذِي قَتَلَ نَفسَهُ، بِأَنْ رَمَى بِنَفسِهِ مِن شَاهِقِ
جَبَلٍ حَتَّى مَاتَ بِهَذَا التَّرَدِّي، يُفْعَلُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ مِثْلُ مَا
فَعَلَ بِنَفْسِهِ، هَذَا لِلْكَافِرِ، أَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي قَتَلَ
نَفْسَهُ، فَهُوَ يُعَذَّبُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِمَا قَتَلَ بِهِ نَفسَهُ
بُرهَةً، ثُمَّ يَنتَهِي، فَيخْرُجُ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ.
وَمِنَ الْمُسلِمِينَ الَّذِينَ يَقتُلُونَ أَنفُسَهُم مَنْ يُسامِحُهُمُ اللَّهُ،
فَلا يُدخِلُهُمْ جَهَنَّمَ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ شَامِلٌ
لِلْمُسْلِمِ وَالكَافِرِ الَّذِي يَقتُلُ نَفْسَهُ وَهُوَ حَدِيثٌ ءَاخَرُ
صَحِيحٌ أَيضًا: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهَ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ»
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. هَذَا يَشْمَلُ الْمُنْتَحِرَ الْمُسلِمَ وَالْمُنْتَحِرَ
الكَافِرَ، لأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
الْحَدِيثُ الْرَّابِعُ
وَالثَّلاَثُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الصَّالِحِيْنَ
مَنْ فَرَحُهُمْ بِالْبَلآءِ أَشَدُّ مِنْ فَرَحِ النَّاسِ بِالْعَطَآءِ».
مَعنَاهُ مِنْ شِدَّةِ مَا تَمَكَّنَ فِي نُفُوسِهِمُ الرِّضَى عَنِ اللَّهِ
يَفْرَحُونَ بِالْبَلاءِ أَكثَرَ مِمَّا يَفرَحُ النَّاسُ بِالعَطاءِ لأَنَّ
هَؤُلاءِ مِنَ الذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم وَرَضُوا
عَنْهُ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَةِ]. مَعنَاهُ يُسَلِّمُونَ لِلَّهِ تَسلِيمًا كَامِلاً
مَهمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ فَإِنَّهُمْ لا يَخْرُجُونَ عَنِ الرَّضَى
عَنِ اللَّهِ، الرِّضَى عَنِ اللَّهِ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ لا يَصِلُ
إِلَيْهَا إِلاَّ القَلِيلُ مِنْ عِبَادِهِ. فيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ
الْمُصِيبَةَ إِنْ أَصَابَتِ الْمُسْلِمَ فَهِيَ عَلامَةُ خَيْرٍ لَهُ كمَا ذُكِرَ
ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيْرَةٍ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَعضِ الآيَاتِ مِمَّا
يُوْهِمُ خِلاَفَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مَعنَاُه كَمَا يُظَنُّ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ
وَالثَّلاَثُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لأَمْرِ
الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلاَّ
لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّآءُ شَكَرَ فَكَانَتْ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ
أَصَابَتْهُ ضَرَّآءُ صَبَرَ فَكَانَتْ خَيْرًا لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الكَامِلَ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى خَيْرٍ هُوَ
عِنْدَ اللَّهِ إِنْ أَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ بَسْطٌ وَرَخَاءٌ فِي الرِّزْقِ
وَغَيْرُ ذَلِكَ يَشْكُرُ اللَّهَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ أَيْ بَلِيَّةٌ
وَمُصِيبَةٌ يَصْبِرُ وَلا يَتَسَخَّطُ عَلَى رَبِّهِ بَلْ يَرضَى بِقَضَاءِ
رَبِّهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ بِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ. وَمَعْنَى الشُّكْرِ هُوَ
أَنْ يَصْرِفَ الإِنْسَانُ النِّعَمَ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ فِيمَا يُحِبُّ
اللَّهُ، لَيْسَ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَيْسَ الشُّكْرُ أَنْ يَفرَحَ
الإِنْسَانُ بِالنِّعَمِ الَّتِي يَنَالُهَا وَيَقُولَ إِذَا فَرِحَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ، لا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهَذَا شَاكِرًا لِلَّهِ.
فَمَنْ صَرَفَ الْمَالَ فِيمَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ
وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِيْنَ وَغَيْرِ
ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَهَذَا شَكَرَ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ.
الْحَدِيثُ الْسَّادِسُ
وَالثَّلاثُونَ: رَوَى
مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى»
فُسِّرَ الْغِنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِغِنَى النَّفْسِ.
الْحَدِيثُ الْسابِعُ
وَالثَّلاثُونَ: وَرَوَى
مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ
اجْعَلْ رِزْقَ ءَالِ مُحَمَّدٍ قُوْتًا». أَيْ قَدْرَ السُّتْرَةِ قَدْرَ
الْكِفَايَةِ وَمَا قَالَ: اجْعَلْ رِزْقَ ءَالِ مُحَمَّدٍ بُحْبُوحَةً. فَسَّرَهُ
بِغِنَى النَّفْسِ الْمُنَاوِيُّ.
الْحَدِيثُ الْثَّامِنُ
وَالثَّلاثُونَ: وَوَرَدَ
حَدِيثٌ ءَاخَرُ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ: «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ
الْعَرَضِ وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ». وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُهُ
الْحَدِيثُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ الرِّزْقِ مَا كَفَى». (وَخَيْرُ الذِّكْرِ
الْخَفِيُّ)
الْحَدِيثُ الْتَّاسِعُ
وَالثَّلاَثُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي
رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَآءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي
وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي
أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ
الآدَابِ]. رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِأَنَّهُ
ضَامِنٌ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا أَيْ لِمَنْ تَرَكَ
الْجَدَلَ الَّذِي لا يَعُودُ لِمَصْلَحَةٍ فِي الدِّينِ أَيْ لا يَعُودُ إِلَى
إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَلا إِبْطَالِ الْبَاطِلِ إِنَّمَا مُجَرَّدُ مُجَادَلَةٍ فِي
الأُمُورِ التَّافِهَةِ وَنِزَاعٍ يَقُولُ: هَذَا الأَمْرُ كَذَا، وَيَقُولُ
الآخَرُ: لا لَيْسَ هَكَذَا بَلْ كَذَا، بِأَنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ بَيْتًا فِي
رَبَضِ الْجَنَّةِ أَيْ أَطْرَافِهَا، وَالْجَنَّةُ قَدْرُ مِتْرٍ مِنْهَا خَيْرٌ
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَالَ: «وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ
تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا» قَالَ أَنَا كَافِلٌ وَضَامِنٌ بِبَيْتٍ
فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَلَوْ كَانَ مَازِحًا. الكَذِبُ
حَرَامٌ فِي الْمَزْحِ وَالْجِدِّ، بَعْضُ النَّاسِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ
يَظُنُّونَ أَنَّ الْكَذِبَ فِي الْمَزْحِ جَائِزٌ، وَهَذَا غَلَطٌ كَبِيْرٌ
يَكَادُ يَكُونُ كُفْرًا اعتِقَادُهُ. (مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْكَذِبَ فِي الْمَزْحِ
جَائِزٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَانِدًا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَذِبِ إِضْرَارٌ
بِمُسْلِمٍ لا يَكْفُرُ.
الْحَدِيثُ الأَربَعُونَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلامُ: «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ لا يَصْلُحُ لا فِي
الْجِدِّ وَلا فِي الْهَزْلِ». وَلْيُعْلَمْ أَنَّ البَيْتَ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ
أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَطْرَافِهَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ
الْجَنَّةِ وَلَوْ مِقْدَارَ ذِرَاعَيْنِ مَثَلاً خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا
فِيهَا، وَالْجَنَّةُ مِسَاحَةٌ وَاسِعَةٌ جِدًّا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْوَاحِدُ
مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَقَلُّهُمْ مَنْزِلَةً لَهُ مِثلُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ
أَمْثَالِهَا لا يَمُوتُونَ أَبَدًا، وَلا بُدَّ أَنْ يَصِلُوا إِلَى كُلِّ جُزْءٍ
وَيَنْتَفِعُوا بِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ هَذِهِ الْمِسَاحَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ
عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ
حَسَّنَ خُلُقَهُ» فَهَذَا هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَكُونُ أَعْلَى أَجْزَاءِ
الْجَنَّةِ، وَقَدْ ضَمِنَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ، وَحُسْنُ
الْخُلُقِ هُوَ أَنْ يُحْسِنَ إِلَى النَّاسِ يَبذُلُ مَعرُوفَهُ أَيْ يَعْمَلُ
مَعْرُوفًا مَعَ النَّاسِ أَيِ الَّذِينَ يَعرِفُونَ لَهُ مَعرُوفَهُ وَالَّذِينَ
لا يَعرِفُونَ وَلا يَجْعَلُ مَعْرُوفَهُ خَاصًّا بِالَّذِينَ يُعَامِلُونَهُ
بِالْمِثْلِ وَالْمَعْرُوفُ هُوَ أَنْ يَعْمَلَ خَيْرًا مَعَ النَّاسِ، يُحْسِنُ
إِلَيْهِمْ بِمَا يَستَطِيعُ مِنْ إِعْطاءٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ مُعَامَلَةٍ
حَسَنَةٍ وَإِدْخَالِ السُّرورِ عَلَى النَّاسِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهَذَا
الأَمْرُ يَكُونُ أَوْكَدَ بِالنِّسْبَةِ لِلأَرْحَامِ فَالَّذِي يَصِلُ رَحِمَهُ
الَّتِي تَصِلُهُ وَرَحِمَهُ الَّتِي تَقْطَعُهُ فَهَذَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ
حُسْنِ الْخُلُقِ. وَالأَمْرُ الثَّانِي أَنْ يَتَحَمَّلَ أَذَى النَّاسِ أَيْ
يَصْبِرَ عَلَى أَذَى النَّاسِ. وَالأَمْرُ الثَّالِثُ هُوَ كَفُّ أَذَاهُ عَنِ
النَّاسِ أَي لا يُؤْذِيهِمْ لا يَلْتَزِمُ أَنْ يُؤْذِيَ مَنْ يُؤْذِيهِ كَمَا
يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَا أُؤْذِي مَنْ يُؤْذِينِي، يَعْتَبِرُونَ هَذَا
قُوَّةً وَشَجَاعَةً، وَهَذَا جَهْلٌ. يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلامُ إِخْوَتُهُ
الَّذِينَ ءَاذَوْهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ ثُمَّ أَحَدُهُمْ خَالَفَ فَقَالَ: لا
نَقْتُلُهُ بَلْ نَرْمِيهِ فِي جُبٍّ فَرَمَوْهُ فِيهِ فَلَمْ يَمُتْ، اللَّهُ
تَعَالَى سَلَّمَهُ ثُمَّ بَعْدَ ثَمَانِيْنَ عَامًا اجْتَمَعَ بِإِخْوَتِهِ
وَبِأَبَوَيْهِ، اللَّهُ جَمَعَ الْجَمِيعَ فَسَيِّدُنَا يُوسُفُ مَا ءَاذَاهُمْ
مَا قَالَ هَؤُلآءِ تَآمَرُوا عَلَيَّ لأَنْتَقِمَنَّ مِنْهُمْ، بَلْ قَالَ لَهُمْ
سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي:﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سُورَةَ يُوسُفَ] وَذَلِكَ بَعدَ أَنْ عَرَّفَهُم بِأَنَّهُ هُوَ
أَخُوهُمْ يُوسُفُ الَّذِي فَعَلُوا بِهِ تِلْكَ الأَفَاعِيْلَ الْقَبِيحَةَ.
فَقَوْلُ يُوسُفَ لإِخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ﴾ مَعْنَاهُ بَعْدَ هَذَا أَنتُمْ حَسِّنُوا عَمَلَكُم تُوبُوا
إِلَى اللَّهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي فَعَلْتُمُوهَا لأَنَّهُم ظَلَمُوا يُوسُفَ
حَسَدًا وَءَاذَوْا أَبَاهُمْ نَبِيَّ اللَّهِ يَعْقُوبَ، وَيُقَالُ لَهُ
إِسْرَائِيلُ، مَعَ كُلِّ ذَلِكَ وَمَعَ أَنَّ سَيِّدَنَا يُوسُفَ كَانَ فِي
ذَلِكَ الْوَقْتِ مَلِكًا عَلَى مِصْرَ وَكَانَ فِي مَقْدِرَتِهِ أَنْ
يُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ لَكِنَّهُ مَا فَعَلَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ بَلْ أَحْسَنَ
إِلَيْهِم وَأَكْرَمَهُم وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ. هَكَذَا حَالُ كُلِّ الأَنْبِيآءِ
وَهُوَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ إِلَى كُلِّ مَنْ أَسَآءَ إِلَيْهِم، وَلا
يَجْعَلُونَ الاِنْتِقَامَ مِنَ النَّاسِ عَادَةً لَهُم، وَإِنَّمَا الأنْبِيَاءُ
يَنْتَقِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لأَجْلِ الدِّينِ. فَعَلَيْكُمْ
بِالعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَفُوزُونَ بِخَيْرٍ عَظِيمٍ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي
وَالأَربَعُونَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ
النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ]
وَذَلِكَ لأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفَسَادِ وَالْمَعَاصِي يَحْدُثُ مِنْ عَدَمِ
كَظْمِ الْغَيْظِ، وَحُبِّ الاِسْتِعْلاءِ عَلَى النَّاسِ، وَحُبِّ قَهْرِ
النَّاسِ. فَإِذَا شَخْصٌ عَوَّدَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَصْبِرَ وَيَكْظِمَ
الْغَيْظَ، وَلا يُبَالِي بِأَنْ يُقَالَ فِيهِ هَذَا عَاجِزٌ، هَذَا شُتِمَ
فَلَمْ يَرُدَّ، ضُرِبَ فَلَمْ يَضْرِبْ، الَّذِي لا يُبَالِي بِهَذَا، هَذَا
عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ، هَذَا الْقَوِيُّ عِنْدَ اللَّهِ.
وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ
الْمُرْسَلِينَ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ
ق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم