الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أود تسليط الضوء على ظاهرة لغوية متكررة في نتاجات بعض المترجمين مؤخرًا، وهي الإفراط في استخدام كلمة "خاصتك" أو "خاصتي" للتعبير عن الملكية، كبديل عن استخدام ضمائر الملكية المتصلة (كاف الخطاب وياء المتكلم).
نلاحظ كثيرًا عبارات مثل: "هذا الكتاب خاصتك" أو "تلك الفكرة خاصتي"، في حين أن البديل الأصيل والأكثر فصاحة هو ببساطة: "هذا كتابك" أو "تلك فكرتي".
لماذا يجب أن نتجنب "خاصتك" ونتمسك بالضمائر؟
لتعزيز هذه الفكرة، يمكننا الاستناد إلى النقاط التالية:
1- الإيجاز والرشاقة: اللغة العربية لغة إيجاز؛ فاستخدام حرف واحد (الكاف) يغني عن كلمة كاملة (خاصتك). هذا الإيجاز يمنح الجملة تدفقاً طبيعياً وجمالياً يفتقده الأسلوب المترجم حرفيًا.
2- تجنب "الترجمة البنيوية الحرفية" (Calque): كلمة "خاصتك" هي ترجمة حرفية للمصطلح الإنجليزي (Yours) أو التركيب (of yours). الإصرار على نقل هذا التركيب بحذافيره إلى العربية يُفقد النص هويته ويجعله يبدو غريبًا عن ذائقة القارئ العربي.
3- التخصيص مقابل الملكية: في لغتنا، تستخدم كلمة "خاصة" عادةً للتمييز أو التفرد (مثل: "ممتلكات خاصة")، أما في سياق الحديث العادي، فإن إضافة الضمير للاسم كافية تمامًا لإثبات الملكية دون حاجة لحشو لغوي.
4- البلاغة القرآنية والشعرية: لم يعرف العرب قديماً هذا التكلف؛ فكل نتاجنا الأدبي العظيم من معلقات وقرآن كريم اعتمد على الإضافة المباشرة (ربّي، كتابك)، وهي التي تمنح النص هيبةً وقوةً. مثلا:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
لاحظ كيف اتصلت الياء بكل اسم (صلاة، نسك، محيا، ممات) لتدل على الخصوصية والملكية دون حاجة لكلمات وسيطة.
بدلًا من "الكتاب خاصتك" أو "اسمك الخاص":
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].
استخدام "كتابك" و "نفسك" يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع المعنى بتركيز شديد.
ختامًا، إن دور المترجم ليس مجرد نقل الكلمات، بل إعادة صياغة روح النص بلغة الهدف. والعودة إلى استخدام الضمائر المتصلة هي خطوة نحو استعادة "عروبة" النصوص المترجمة بعيدًا عن الركاكة المعاصرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم