تعطير الأنفاس في بيان توسل عمر بالعباس:
لقد توسل سيدنا عمر بسيدنا العباس - رضي الله عنهما – في عام الرمادة؛ فأخرج البخاري في صحيحه بسنده: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْن».
وهذا الأثر لا يدل أبدًا على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته - كما ادعى ابن تيمية والألباني ومن تبعهما- وذلك للأسباب الآتية:
أولا: أن سيدنا عمر نفسَه أقرَّ بلال بن الحارث المزني الذي ذهب إلى القبر الشريف متوسلا بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث مالك الدار، وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن عمر لا يرى منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: أراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبين جواز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الصلاح ممن ترجى بركته. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن حجر - وغيره من شراح البخاري كالكرماني والبرماوي والعيني والقسطلاني وزكريا الأنصاري-: «ويستفاد من قصة العباس استحبابُ الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة».
رابعا: فِعل الصحابة نوعًا من التوسل ليس منعًا من الأنواع الأخرى الثابتة، ولو صحت هذه الدعوى لكان تركهم التوسل بأسماء الله - في هذه الحادثة - دليلاً على المنع، ولا أحد يقول ذلك، بل المدار على ثبوت الدليل، وقد ثبت حديث الضرير، وبطل تأويلهم له.
خامسا: كما أن العدول عن الأفضل إلى الفاضل ليس دليلاً على منع التوسل بالأفضل، فقد تركوا التوسل بالعشرة المبشرين، وهم أفضل من العباس، فهل يدل على منع التوسل بهم؟
سادسا: إنما لجأ الصحابة إلى التوسل بالعباس؛ لأن من السنة عند انقطاع المطر صلاةَ الاستسقاء، وصلاةُ الاستسقاء سنتها أن يدعوَ أحد المصلين، فهذا هو سبب الطلب من العباس رضي الله عنه، فلا يدل على أنه لا يجوز الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى كل حال فالعلماء متفقون على أن فعل أحد الأمرين المشروعين الثابتين لا يمنع من الآخر، وهذا بدهي!!!.
سابعا: والخلاصة أن - كما قال الإمام الكوثري -: «من حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الاستسقاء قد حاول المحال، ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال، فضلا عن ينطق به، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصحيحة الصريحة، بالرأي».
للاستزادة والاستفادة انظر:
"الرد المحكم المتين"، و"إرغام المبتدع الغبي على جواز التوسل بالنبي" صلى الله عليه وسلم، و"إتحاف الأذكياء بجواز التوسل بالأنبياء والألياء"، والثلاثة للحافظ عبد الله بن الصديق الغماري.
و"محق التقول في مسألة التوسل"، للعلامة محمد زاهد الكوثري.
ربيع الأبرار.. في توثيق «مالك الدار».. وإبطال دعوى ابن تيمية والألباني بعدم وقوع التوسل في عصر الصحابة والتابعين الكبار.
ذكرنا سابقا أن التوسل بالأنبياء والصالحين هو ما عليه معتمد المذاهب الأربعة الفقهية وجماهير الأمة. وذكرنا حديث توسل الضرير الذي صححه خمسة عشر حافظا من حفاظ الحديث، وبينا أن الحديث عام في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، وعلى هذا جرى عمل المحدثين في كتبهم، وأنه لم يرد أي دليل على تخصيصه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط.
وذكرنا وقوع التوسل في عهد الصحابة والقرون الفاضلة، وأوردنا قصة ذهاب بلال بن الحارث المزني إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتوسله به وإقرار سيدنا عمر لذلك. وأن هذه القصة صححها كبار الحفاظ كابن كثير في البداية والنهاية، وابن حجر في فتح الباري.
وبقي أن نرد بالدليل العلمي على تضعيف الألباني لها في كتابه عن التوسل، وقد دفع الألباني لذلك أنه تابع ابن تيمية في دعواه بنفي وقوع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في القرون الفاضلة مطلقا، وهو القول الذي لا يزال كثير من شبابنا وإخوتنا المنتمين للتيارات السلفية وغيرهم يرددونه ويغترون به. وسوف نبين لك بالدليل العلمي خطأ هذا وبطلانه فنقول:
قال الألباني: في كتابه "التوسل أنواعه وأحكامه" (ص: 119): «بل الأثر ضعيف من أصله لجهالة مالك الدار كما بيناه».
وكلام الألباني هذا خطأ من وجهين:
الوجه الأول: أن الصواب في حال «مالك الدار» تعديله، وليس ضعيفا بسبب جهالته كما قال، وإليك دليل ذلك من كلام أئمة الجرح والتعديل.
قال ابن سعد في "الطبقات" (5/ 12): «وروى مالك الدار عن أبي بكر الصديق وعمر رحمهما الله، روى عنه أبو صالح السمان، وكان معروفا».
وقال أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (1/ 313): «تابعي قديم، متفق عليه، أثنى عليه التابعون، وليس بكثير الرواية، روى عن أبي بكر الصديق وعمر».
وقال ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (56/ 489): «سمع أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وروى عنه أبو صالح السمان وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع وابناه عون بن مالك وعبد الله بن مالك وقدم مع عمر بن الخطاب الشام وشهد معه فتح بيت المقدس وخطبته بالجابية».
وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (2/ 705): «مالك بن عياض المدني، يعرف بمالك الدار. سمع: أبا بكر، وعمر، ومعاذ بن جبل. روى عنه: ابناه عون وعبد الله، وأبو صالح السمان، وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع. وكان خازنا لعمر رضي الله عنه».
وقال ابن حجر في "الإصابة" (6/ 216): «مالك بن عياض، مولى عمر، هو الذي يقال له مالك الدار. له إدراك، وسمع من أبي بكر الصديق، وروى عن الشيخين، ومعاذ، وأبي عبيدة. روى عنه أبو صالح السمان، وابناه: عون، وعبد الله ابنا مالك».
ثم قال ابن حجر: «وقال أبو عبيدة: ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمى مالك الدار. وقال إسماعيل القاضي، عن علي بن المديني: كان مالك الدار خازنا لعمر».
قلت:
فتحصل من كل هذا: بطلان قول الألباني بجهالة مالك الدار؛ إذ إن الجهالة نوعان عين وحال، ومالك قد ارتفعت جهالة عينه برواية جماعة عنه، وارتفعت جهالة حاله بجعل سيدنا عمر مالكا خازنا له - كما نص على ذلك علي بن المديني - ولا شك أن عمر لن يولي إلا من كان ثقة أمينا، وبقول الخليلي السابق: «تابعي قديم، متفق عليه، أثنى عليه التابعون».
أما قول الهيثمي ومن قبله المنذري «لا أعرفه» فقد عرفه غيرهما، ومن عرف حجة على من لم يعرف، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
الوجه الثاني:
أن الألباني الذي حكم بجهالة "مالك الدار" وتضعيفه هنا في كتابه التوسل، هو ذاته الألباني الذي حسّن حديث "مالك الدار" في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 551)!!
نعم قال الألباني: «حسن موقوف، وعن مالك الدار: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعَمئة دينار...».
ثم أخذ في التعليق على هذا الأثر يرد على الهيثمي والمنذري اللذين قالا عن مالك الدار «لا أعرفه» فقال معلقا: «وهو من غرائبهما، وبخاصة الهيثمي الذي له عناية خاصة بكتاب "الثقات" لابن حبان، حيث رتبه على الحروف، وهو كثير الاعتماد عليه، وقد أورده في طبقة التابعين من الثقات».
وأنا لن أقول إن الألباني اتبع هواه في نقاش مسألة علمية، ولن أقول عنه إنه تناقض وتخبط، بل سأقول: إنه تغير اجتهاده في الحكم على مالك الدار، فضعفه وجهله مرة، وقبله وحسن له مرة أخرى، أما تضعيفه فمردود طبعا كما سبق بالأدلة، وأما قبوله وتحسينه فموافق لقواعد الأئمة!!.
وبهذا استبان في المسألة ما كان خافيا، واتضح للجميع ثبوت رواية مالك الدار، ووقوع التوسل في عهد سيدنا عمر والتابعين الكبار.
د/أحمد نبوي الأزهري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم