حَلُّ
أَلْفَاظِ
مُخْتَصَرِ
الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَرِىِّ الْكَافِلِ بِعِلْمِ الدِّينِ
الضَّرُورِىِّ
عمله نبيل الشريف
(بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ)
أَىْ أَبْتَدِئُ تَأْلِيفِى لِهَذَا الْكِتَابِ بِقَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ وَأُثْنِى عَلَى اللَّهِ بِقَوْلِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَىِ
الْمَالِكِ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ (الْحَىِّ)
بِلا رُوحٍ وَلا جَسَدٍ (الْقَيُّومِ) أَىِ
الدَّائِمِ الَّذِى لا يَزُولُ (الْمُدَبِّرِ
لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ) أَىِ الَّذِى أَوْجَدَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ
عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّيْنِ (وَالصَّلاةُ
وَالسَّلامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ)
رَسُولِ اللَّهِ أَىِ اللَّهُمَّ زِدْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا شَرَفًا وَتَعْظِيمًا
وَقَدْرًا وَسَلِّمْهُ مِمَّا يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ (وَعَلَى
ءَالِهِ) أَىْ أَزْوَاجِهِ وَأَقْرِبَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ (وَصَحْبِهِ) الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ
وَالصَّحَابِىُّ هُوَ مَنْ لَقِىَ النَّبِىَّ ﷺ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ مُؤْمِنًا
بِهِ وَمَاتَ عَلَى الإِيمَانِ.
(وَبَعْدُ فَهَذَا) كِتَابٌ (مُخْتَصَرٌ) أَىْ قَلِيلُ الأَلْفَاظِ كَثِيرُ الْمَعَانِى (جَامِعٌ لِأَغْلَبِ الضَّرُورِيَّاتِ) مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَهِىَ (الَّتِى) لا يُسْتَغْنَى عَنْهَا وَ(لا يَجُوزُ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ جَهْلُهَا مِنْ) أُمُورِ (الِاعْتِقَادِ) أَىِ الْعَقِيدَةِ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ رَسُولِهِ ﷺ (وَمَسَائِلَ فِقْهِيَّةٍ) أَىْ أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ شُرُوطًا وَأَرْكَانًا وَمُبْطِلاتٍ (مِنَ الطَّهَارَةِ إِلَى الْحَجِّ) بِمَا يَشْمَلُ الصَّلاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيامَ (وَشَىْءٍ) قَلِيلٍ (مِنْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلاتِ) وَهِىَ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَالإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَنَحْوِهَا مَعَ بَيَانِ حُكْمِ الرِّبَا وَبَعْضِ الْبُيُوعِ الْمُحَرَّمَةِ (عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ) مُحَمَّدِ بنِ إِدْرِيسَ (الشَّافِعِىِّ) الْمُتَوَفَّى سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ هِجْرِيَّةً (ثُمَّ بَيَانِ) الْوَاجِبَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وَهِىَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَ(مَعَاصِى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ) وَهِىَ أَعْضَاءُ الإِنْسَانِ (كَاللِّسَانِ وَغَيْرِهِ) وَخُتِمَ الْكِتَابُ بِفَصْلٍ فِى بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ. (الأَصْلُ) أَىْ أَصْلُ هَذَا الْكِتَابِ هُوَ كِتَابُ سُلَّمِ التَّوْفِيقِ إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلَى التَّحْقِيقِ (لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْحَضْرَمِيِّينَ) مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ (وَهُوَ) الشَّيْخُ (عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ حُسَيْنِ بنِ طَاهِرٍ) الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ. اخْتُصِرَ كِتَابُهُ (ثُمَّ ضُمِّنَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ نَفَائِسِ الْمَسَائِلِ) أَىْ زَادَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَصْلِ هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةً وَجَيِّدَةً زَادَتْهُ وُضُوحًا (مَعَ حَذْفِ مَا ذَكَرَهُ) الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُسَيْنٍ (فِى التَّصَوُّفِ) أَىْ تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَصْلِ هَذَا الْكِتَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَوُّفِ كَالزُّهْدِ وَهُوَ تَرْكُ التَّنَعُّمِ الَّذِى أَحَلَّهُ اللَّهُ (وَتَغْيِيرٍ لِبَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِمَّا لا يُؤَدِّى إِلَى خِلافِ الْمَوْضُوعِ) أَىْ أَبْدَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْضَ عِبَارَاتِ الأَصْلِ بِعِبَارَاتٍ أَجْوَدَ وَأَوْضَحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّىَ ذَلِكَ إِلَى تَغْيِيرٍ فِى مَوْضُوعِ الْكِتَابِ الَّذِى هُوَ بَيَانُ الْفَرْضِ الْعَيْنِىِّ أَىْ مَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْهَرَرِىُّ (وَقَدْ نَذْكُرُ مَا رَجَّحَهُ بَعْضٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ كَالْبُلْقِينِىِّ لِتَضْعِيفِ مَا فِى الأَصْلِ) أَىْ أَبْدَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ الأَقْوَالَ الضَّعِيفَةَ الَّتِى ذَكَرَهَا الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُسَيْنٍ فِى كِتَابِهِ سُلَّمِ التَّوْفِيقِ بِأَقْوَالٍ أُخْرَى قَوِيَّةٍ ذَكَرَهَا الإِمَامُ الْبُلْقِينِىُّ الَّذِى كَانَ فِى عَصْرِهِ عَالِمَ الدُّنْيَا (فَيَنْبَغِى عِنَايَتُهُ بِهِ) أَىْ بِالْمُخْتَصَرِ أَىْ يَنْبَغِى لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْتَنِىَ بِتَحْصِيلِ مَا فِيهِ بِأَنْ يَتَلَقَّاهُ مُشَافَهَةً مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الثِّقَاتِ وَأَنْ يُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى (لِيُقْبَلَ عَمَلُهُ) أَىْ لِيَكُونَ عَمَلُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ (أَسْمَيْنَاهُ مُخْتَصَرَ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَرِىِّ الْكَافِلَ بِعِلْمِ الدِّينِ الضَّرُورِىِّ) أَىِ الْجَامِعَ لِأَغْلَبِ أُمُورِ الدِّينِ الضَّرُورِيَّةِ وَهِىَ الْقَدْرُ الَّذِى يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ أَىْ مَا يَحْتَاجُهُ لِتَصْحِيحِ عَقِيدَتِهِ وَحِفْظِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ مِنَ الْمَعَاصِى وَتَصْحِيحِ عِبَادَاتِهِ مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَهَمَّ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْضَلَهَا بَدَأَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْكَلامِ عَلَى (ضَرُورِيَّاتِ الِاعْتِقَادِ) أَىْ مَا لا يَسْتَغْنِى الْمُكَلَّفُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِ الْعَقِيدَةِ فَقَالَ (فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ.
(يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ)
أَىْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِى
بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلامِ أَىْ بَلَغَهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (الدُّخُولُ فِى
دِينِ الإِسْلامِ) فَوْرًا إِنْ كَانَ كَافِرًا (وَالثُّبُوتُ
فِيهِ عَلَى الدَّوَامِ) بِأَنْ يَتَجَنَّبَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ (وَالْتِزَامُ مَا لَزِمَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحْكَامِ)
الشَّرْعِيَّةِ بِأَنْ يُؤَدِّىَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَيَجْتَنِبَ جَمِيعَ
الْمُحَرَّمَاتِ. وَأَمَّا مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ جُنَّ وَاسْتَمَرَّ
جُنُونُهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَمَاتَ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَلَيْسَ
مُكَلَّفًا وَكَذَلِكَ الَّذِى عَاشَ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ تَبْلُغْهُ
دَعْوَةُ الإِسْلامِ.
(فَمِمَّا يَجِبُ عِلْمُهُ وَاعْتِقَادُهُ
مُطْلَقًا وَالنُّطْقُ بِهِ فِى الْحَالِ إِنْ كَانَ كَافِرًا وَإِلَّا فَـفِى
الصَّلاةِ الشَّهَادَتَانِ) أَىْ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ
اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ رَسُولِهِ مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِالْقَلْبِ
وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاللِّسَانِ إِنْ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ
مُرْتَدًّا لِلدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَمَّا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَيَجِبُ
عَلَيْهِ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِى كُلِّ صَلاةٍ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ
(وَهُمَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ).
بَدَأَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِشَرْحِ الشَّهَادَةِ الأُولَى
فَقَالَ (وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـٰهَ إِلَّا
اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ) بِقَلْبِى (وَأَعْتَرِفُ)
بِلِسَانِى (أَنْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا
اللَّهُ) أَىْ لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُعْبَدَ أَىْ أَنْ يُتَذَلَّلَ
لَهُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللَّهُ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ
الَّتِى مَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ صَارَ مُشْرِكًا، وَاللَّهُ تَعَالَى
هُوَ (الْوَاحِدُ) الَّذِى لا شَرِيكَ لَهُ
فِى الأُلُوهِيَّةِ (الأَحَدُ) الَّذِى لا
يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمَا (الأَوَّلُ)
الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَبِمَعْنَاهُ (الْقَدِيمُ)
إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ (الْحَىُّ) أَىِ
الْمُتَّصِفُ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ
لَهَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ (الْقَيُّومُ)
أَىِ الَّذِى لا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ (الدَّائِمُ)
الَّذِى لا يَلْحَقُهُ فَنَاءٌ (الْخَالِقُ)
الَّذِى أَبْرَزَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَىْ
صَارَتْ مَوْجُودَةً بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ (الرَّازِقُ) الَّذِى يُوصِلُ الأَرْزَاقَ إِلَى
عِبَادِهِ وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ حِسًّا وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا (الْعَالِمُ) أَىِ الْمُتَّصِفُ بِعِلْمٍ أَزَلِىٍّ
أَبَدِىٍّ لا يَتَغَيَّرُ لا يَزْدَادُ وَلا يَنْقُصُ (الْقَدِيرُ)
أَىِ الْمُتَّصِفُ بِقُدْرَةٍ تَامَّةٍ بِهَا يُوجِدُ وَيُعْدِمُ (الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ
يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلا يُمَانِعُهُ أَحَدٌ وَلا
يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ (مَا شَاءَ
اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ) أَىْ مَا أَرَادَ اللَّهُ
فِى الأَزَلِ وُجُودَهُ لا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ وَمَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ
وُجُودَهُ لا يَدْخُلُ فِى الْوُجُودِ وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لا تَتَغَيَّرُ لِأَنَّ
التَّغَيُّرَ دَلِيلُ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ أَىِ الْوُجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ
مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ (الَّذِى لا حَوْلَ وَلا
قُوَّةَ إِلَّا بِهِ) أَىْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا
بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ
أَىْ لا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الْمَعْصِيَةَ إِلَّا أَنْ
يَحْفَظَهُ اللَّهُ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ وَالطَّاعَةَ إِلَّا
أَنْ يُعِينَهُ اللَّهُ (الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ
يَلِيقُ بِهِ) أَىِ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ
كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ.
(الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِى حَقِّهِ)
أَىْ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَالْحَجْمِ وَاللَّوْنِ
وَالشَّكْلِ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ
صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى (﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾) أَىْ أَنَّ اللَّهَ
تَعَالَى لا يُشْبِهُهُ شَىءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ
الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ (فَـهُوَ الْقَدِيمُ) الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ (وَ)كُلُّ (مَا سِوَاهُ
حَادِثٌ) أَىْ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ (وَهُوَ
الْخَالِقُ وَ)كُلُّ (مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ
فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنَ الأَعْيَانِ) أَىِ الأَحْجَامِ
(وَالأَعْمَالِ) الِاخْتِيَارِيَّةِ وَغَيْرِ
الِاخْتِيَارِيَّةِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ فَالأَعْيَانُ كُلُّهَا (مِنَ الذَّرَّةِ) وَهِىَ الْهَبَاءُ الَّذِى يُرَى
فِى ضَوْءِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ مِنَ النَّافِذَةِ أَوْ مَا كَانَ أَصْغَرَ
مِنْهَا وَهُوَ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ (إِلَى
الْعَرْشِ) وَهُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا خَلَقَهُ اللَّهُ
تَعَالَى إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ (وَ)كَذَلِكَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ (مِنَ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ وَ)الأَعْمَالُ
الْبَاطِنَةُ مِنَ (النَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ)
الَّتِى تَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِلا إِرَادَةٍ (فَهُوَ
بِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ لا) خَلَقَتْهُ (طَبِيعَةٌ وَلا عِلَّةٌ) وَالطَّبِيعَةُ هِىَ
الصِّفَةُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الأَجْرَامَ كَالنَّارِ طَبِيعَتُهَا
الإِحْرَاقُ وَلا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَالِقَةً لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ
لِأَنَّهُ لا إِرَادَةَ لَهَا وَلا مَشِيئَةَ وَلا اخْتِيَارَ فَكَيْفَ تُخَصِّصُ الْمُمْكِنَ
الْوُجُودِ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَهِىَ مَا يُوجَدُ
الْمَعْلُولُ بِوُجُودِهَا وَيُعْدَمُ بِعَدَمِهَا كَالإِصْبَعِ الَّذِى فِيهِ
خَاتَمٌ فَإِنَّ حَرَكَةَ الإِصْبَعِ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ لِأَنَّ
حَرَكَةَ الْخَاتَمِ تَتْبَعُ حَرَكَةَ الإِصْبَعِ فَتُوجَدُ بِوُجُودِهَا
وَتُعْدَمُ بِعَدَمِهَا.
(بَلْ دُخُولُهُ) أَىِ الْحَادِثِ (فِى الْوُجُودِ) بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا
يَحْصُلُ (بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ
بِتَقْدِيرِهِ) أَىْ بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ
الأَزَلِيَّةِ (وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ)
وَيَحْصُلُ بِخَلْقِهِ (لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ)
وَلَفْظَةُ شَىْءٍ فِى الآيَةِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ (فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾) أَىْ لا خَالِقَ
إِلَّا اللَّهُ وَ(قَالَ) الإِمَامُ عُمَرُ (النَّسَفِىُّ) صَاحِبُ الْعَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ
مَا مَعْنَاهُ (فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجًا
بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ) وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَقَدْ يَحْصُلُ
مِنْهُ انْكِسَارٌ وَقَدْ لا يَحْصُلُ (وَالْكَسْرُ)
وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِى فَعَلَهُ فِى الزُّجَاجِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْىِ
بِالْحَجَرِ (وَالِانْكِسَارُ) وَهُوَ
الأَثَرُ الْحَاصِلُ فِى الزُّجَاجِ مِنْ تَشَقُّقٍ وَتَنَاثُرٍ حَصَلَ (بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى) لا بِخَلْقِ الْعَبْدِ (فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ) مِنْ فِعْلِهِ هَذَا (إِلَّا الْكَسْبُ) وَهُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ
قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ أَىِ الِاخْتِيَارِىِّ فَيَخْلُقُهُ
اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ (وَأَمَّا الْخَلْقُ)
أَىِ الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ (فَلَيْسَ
لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا
اكْتَسَبَتْ﴾) أَىِ النَّفْسُ تَنْتَفِعُ بِمَا كَسَبَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ
وَتَنْضَرُّ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ.
(وَكَلامُهُ قَدِيمٌ) أَىْ كَلامُ
اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ أَزَلِىٌّ لا ابْتِدَاءَ لَهُ (كَسَائِرِ صِفَاتِهِ) لِأَنَّ الذَّاتَ الأَزَلِىَّ
لا يَتَّصِفُ بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ أَىْ مَخْلُوقَةٍ فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ
كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً (لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ) أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ (لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ
وَالأَفْعَالِ) فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ
جِسْمًا وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ
عُلُوًّا كَبِيرًا) أَىْ تَنَزَّهَ اللَّهُ تَنَزُّهًا كَامِلًا عَمَّا
يَقُولُ الْكَافِرُونَ فِى حَقِّ اللَّهِ مِمَّا لا يَلِيقُ بِهِ كَالزَّوْجَةِ
وَالْوَلَدِ (فَيَتَلَخَّصُ مِنْ مَعْنَى مَا مَضَى
إِثْبَاتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِى
الْقُرْءَانِ) وَالْحَدِيثِ (إِمَّا لَفْظًا)
كَالْقَدِيرِ (وَإِمَّا مَعْنًى) كَالْقَوِىِّ
وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَحْرِصُ (كَثِيرًا)
عَلَى تَعْلِيمِهَا لِكُلِّ أَحَدٍ (وَهِىَ
الْوُجُودُ) فَاللَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ لا شَكَّ فِى وُجُودِهِ
وَوُجُودُهُ لَيْسَ بإِيجَادِ مُوجِدٍ (وَالْوَحْدَانِيَّةُ)
أَىْ أَنَّهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَحْدَانِيَّةِ
اللَّهِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَهُ أَجْزَاءٌ
بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ (وَالْقِدَمُ
أَىِ الأَزَلِيَّةُ) أَىْ أَنَّهُ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ فَلَمْ
يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ (وَالْبَقَاءُ)
أَىْ أَنَّهُ لا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ فَلا يَلْحَقُهُ فَنَاءٌ (وَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ) أَىْ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ
عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ (وَالْقُدْرَةُ) أَىْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ (وَالإِرَادَةُ)
بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ صِفَةٌ لِلَّهِ يُخَصِّصُ بِهَا الْمُمْكِنَ الْوُجُودِ
بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ وَبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ (وَالْعِلْمُ)
أَىْ أَنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ فَهُوَ عَالِمٌ
بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ (وَالسَّمْعُ) أَىْ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ
الأَزَلِىِّ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَسْمَعُ كَلامَهُ
الأَزَلِىَّ وَكَلامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَصْوَاتَهُمْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى
أُذُنٍ أَوْ ءَالَةٍ أُخْرَى (وَالْبَصَرُ)
أَىْ أَنَّهُ يَرَى بِرُؤْيَتِهِ الأَزَلِيَّةِ كُلَّ الْمَرْئِيَّاتِ فَهُوَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرَى ذَاتَهُ الأَزَلِىَّ الَّذِى لَيْسَ جِسْمًا وَيَرَى
مَخْلُوقَاتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ أَوْ شُعَاعِ ضَوْءٍ (وَالْحَيَاةُ) أَىْ أَنَّهُ حَىٌّ بِحَيَاةٍ لا
تُشْبِهُ حَيَاةَ الْمَخْلُوقِينَ لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَجَسَدٍ (وَالْكَلامُ) أَىْ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لا يُشْبِهُ كَلامَ الْمَخْلُوقِينَ لَيْسَ حَرْفًا وَلا
صَوْتًا وَلا لُغَةً لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ سُكُوتٌ
أَوْ تَقَطُّعٌ (وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ)
أَىْ عَدَمُ مُشَابَهَتِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ فَاللَّهُ تَعَالَى لا يُشْبِهُ
شَيْئًا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَيْسَ جِسْمًا وَلا
يُوصَفُ بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ (فَلَمَّا كَانَتْ
هَذِهِ الصِّفَاتُ) الثَّلاثَ عَشْرَةَ (ذِكْرُهَا
كَثِيرًا فِى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ) أَىِ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ (قَالَ الْعُلَمَاءُ تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا وُجُوبًا
عَيْنِيًّا) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلا يَجِبُ حِفْظُ أَلْفَاظِهَا عَلَى
كُلِّ مُكَلَّفٍ (فَلَمَّا ثَبَتَتِ الأَزَلِيَّةُ
لِذَاتِ اللَّهِ) بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِىِّ وَالْعَقْلِىِّ أَىْ لَمَّا
كَانَ ذَاتُ اللَّهِ أَزَلِيًّا (وَجَبَ أَنْ تَكُونَ
صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً لِأَنَّ حُدُوثَ الصِّفَةِ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الذَّاتِ)
أَىْ لَوْ كَانَ يَحْدُثُ فِى ذَاتِ اللَّهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ فِى الأَزَلِ
لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا.
وَبِهَذَا أَنْهَى الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكَلامَ عَلَى
الشَّهَادَةِ الأُولَى ثُمَّ بَدَأَ بِشَرْحِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ (وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ
أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ) بِقَلْبِى (وَأَعْتَرِفُ)
بِلِسَانِى (أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ) الْعَرَبِىَّ (الْقُرَشِىَّ) أَىِ الْمَنْسُوبَ إِلَى قَبِيلَةِ
قُرَيْش هُوَ (عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَى
جَمِيعِ الْخَلْقِ) مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ (وَيَتْبَعُ
ذَلِكَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَبُعِثَ بِهَا) أَىْ نَزَلَ
عَلَيْهِ الْوَحْىُ بِالنُّبُوَّةِ وَهُوَ مُسْتَوْطِنٌ فِيهَا (وَهَاجَرَ) مِنْ مَكَّةَ (إِلَى
الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ ومَاتَ (وَدُفِنَ
فِيهَا وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ) اعْتِقَادَ (أَنَّهُ
صَادِقٌ فِى جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ) مِنَ
التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَلا يُخْطِئُ
فِى ذَلِكَ أَبَدًا (فَمِنْ ذَلِكَ) أَىْ
مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (عَذَابُ الْقَبْرِ) كَعَرْضِ النَّارِ عَلَى
الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ وَانْزِعَاجِ بَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ
مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ (وَنَعِيمُهُ)
كَتَوْسِيعِ الْقَبْرِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضًا
لِلْمُؤْمِنِ التَّقِىِّ وَتَنْوِيرِهِ بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ
الْبَدْرِ (وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ
وَنَكِيرٍ) لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ فَيُسْأَلُ الْمُؤْمِنُ
وَالْكَافِرُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ اعْتِقَادِهِ الَّذِى مَاتَ عَلَيْهِ وَيُسْتَثْنَى
مِنَ السُّؤَالِ الأَنْبِيَاءُ وَالأَطْفَالُ وَشُهَدَاءُ الْمَعْرَكَةِ (وَالْبَعْثُ) وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ
الْقُبُورِ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ (وَالْحَشْرُ)
وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ بَعْدَ الْبَعْثِ لِلسُّؤَالِ (وَالْقِيَامَةُ) وَهِىَ قِيَامُ الْمَوْتَى
لِلْحِسَابِ وَأَوَّلُهَا مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى
اسْتِقْرَارِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِى الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فِى النَّارِ (وَالْحِسَابُ) وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ
عَلَيْهِمْ أَىْ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَا عَمِلُوا فِى الدُّنْيَا (وَالثَّوَابُ) وَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجَازَاهُ
الْمُؤْمِنُ فِى الآخِرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ (وَالْعَذَابُ) وَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجَازَاهُ
الْعَبْدُ فِى الآخِرَةِ مِمَّا يَسُوؤُهُ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَاتٍ (وَالْمِيزَانُ) الَّذِى تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ
الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَالنَّارُ)
أَىْ جَهَنَّمُ وَهِىَ دَارُ الْعَذَابِ الدَّائِمِ لِلْكَافِرِينَ وَيُعَذَّبُ
فِيهَا بَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً وَمَكَانُهَا تَحْتَ الأَرْضِ
السَّابِعَةِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا (وَالصِّرَاطُ)
وَهُوَ جِسْرٌ عَرِيضٌ يُمَدُّ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ أَىْ فَوْقَهَا فَيَرِدُهُ
النَّاسُ جَمِيعًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْجُو وَمِنْهُمْ مَنْ يَقَعُ فِيهَا (وَالْحَوْضُ) وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ
شَرَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ بَعْدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ
وَقَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَلا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ (وَالشَّفَاعَةُ) وَهِىَ طَلَبُ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ
عَنْ بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا الْكُفَّارُ فَلا شَفَاعَةَ
لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَالْجَنَّةُ)
وَهِىَ دَارُ النَّعِيمِ الدَّائِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَكَانُهَا فَوْقَ
السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا (وَالرُّؤْيَةُ
لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَيْنِ فِى الآخِرَةِ) أَىْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ
وَهُمْ فِى الْجَنَّةِ (بِلا كَيْفٍ) فَلا
يَرَوْنَهُ حَجْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَلا حَجْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ (وَلا) يَرَوْنَهُ فِى (مَكَانٍ
وَلا) فِى (جِهَةٍ) وَلا يَكُونُ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ (أَىْ لا كَمَا
يُرَى الْمَخْلُوقُ، وَالْخُلُودُ فِيهِمَا) أَىِ فِى الْجَنَّةِ
وَالنَّارِ وَأَنَّهُ لا مَوْتَ فِيهِمَا (وَالإِيمَانُ
بِمَلائِكَةِ اللَّهِ) أَىْ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ
مُكَلَّفُونَ بِالإِيمَانِ وَبِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا
إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ
وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتْعَبُونَ وَلا يَتَنَاكَحُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ لا
يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (وَرُسُلِهِ) أَىْ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِمْ مَنْ
كَانَ رَسُولًا أُرْسِلَ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا
وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ هُوَ الإِسْلامُ أَوَّلُهُمْ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ
وَءَاخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ (وَكُتُبِهِ) أَىْ
يَجِبُ الإِيمَانُ بِالْكُتُبِ الَّتِى أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ
وَهِىَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَشْهَرُهَا الْقُرْءَانُ وَالتَّوْرَاةُ
وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ (وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ
وَشَرِّهِ) أَىِ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ
خَيْرٍ وَشَرٍّ هُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ فَالَّذِى يَجِبُ الرِّضَا
بِهِ هُوَ تَقْدِيرُ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ أَمَّا مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ
مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ كَالإِيمَانِ
وَالطَّاعَةِ فَيَجِبُ مَحَبَّتُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ
كَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِى فَيَجِبُ كَرَاهِيَتُهُ.
(وَ)يَتَضَمَّنُ الإِيمَانُ
بِرِسَالَةِ النَّبِىِّ اعْتِقَادَ (أَنَّهُ ﷺ
خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) أَىْ ءَاخِرُهُمْ فَلا نَبِىَّ بَعْدَهُ (وَأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ ءَادَمَ أَجْمَعِينَ)
فَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَعْلاهُمْ مَنْزِلَةً.
(وَيَجِبُ اعْتِقَادُ) أَنَّ اللَّهَ
تَعَالَى أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءَ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ مَا يَنْفَعُهُمْ فِى
دُنْيَاهُمْ وَءَاخِرَتِهِمْ وَأَنَّهُ جَمَّلَهُمْ بِصِفَاتٍ حَمِيدَةٍ
وَأَخْلاقٍ حَسَنَةٍ وَنَزَّهَهُمْ عَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ فَيَجِبُ
اعْتِقَادُ (أَنَّ كُلَّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ
اللَّهِ يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ)
وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ (وَالْفَطَانَةِ)
أَىِ الذَّكَاءِ (فَـيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ
الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَالرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالْجُبْنُ
وَالْبَلادَةُ) أَىِ الْغَبَاوَةُ فَلا يَكْذِبُونَ وَلا يَغُشُّونَ وَلا
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ
يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ
فِيهِمْ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَتَصَرَّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ أَوْ يَقُولُ
أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ
جَبَانٌ ضَعِيفُ الْقَلْبِ أَوْ ضَعِيفُ الْفَهْمِ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ
سَبْقُ اللِّسَانِ فِى أُمُورِ الدِّينِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ
الإِنْسَانُ بِشَىْءٍ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ (وَ)يَسْتَحِيلُ
عَلَيْهِمْ (كُلُّ مَا يُنَفِّرُ) النَّاسَ (عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ) كَالأَمْرَاضِ
الْمُنَفِّرَةِ وَمِنْهَا الْجَرَبُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَخُرُوجُ الدُّودِ
مِنَ الْجِسْمِ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْجُنُونُ وَالْخَرَفُ وَتَأْثِيرُ
السِّحْرِ فِى عُقُولِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ ولا تَحْصُلُ فِى أَبْدَانِهِمْ
وَلا فِى أَفْوَاهِهِمْ وَلا فِى ثِيَابِهِمُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ وَلَمْ
يَكُنْ فِيهِمْ ذُو عَاهَةٍ فِى خِلْقَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَجُ وَلا
أَعْمَى خِلْقَةً وَالنَّبِىُّ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا أَوَّلَ نُزُولِ
الْوَحْىِ عَلَيْهِ لَكِنْ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْعَمَى مُدَّةً كَمَا حَصَلَ
لِسَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ يَرْجِعُ لَهُ بَصَرُهُ (وَتَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ) أَىِ الْحِفْظُ (مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ) أَىْ كَبَائِرِ
الذُّنُوبِ (وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ)
والدَّنَاءَةِ أَىِ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِى فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ
كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ (قَبْلَ النُّبُوَّةِ)
أَىْ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ (وَبَعْدَهَا
وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِى) أَىْ تَجُوزُ
عَلَيْهِمُ الْمَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا
دَنَاءَةٌ كَمَا حَصَلَ مَعَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ (لَكِنْ) إِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ (يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِىَ
بِهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ) أَىْ يَتُوبُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِىَ بِهِمْ
فِى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ غَيْرُهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ (فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ النُّبُوَّةَ لا تَصِحُّ
لِإِخْوَةِ يُوسُفَ) الْعَشَرَةِ (الَّذِينَ
فَعَلُوا تِلْكَ الأَفَاعِيلَ الْخَسِيسَةَ) مِنْ ضَرْبِهِمْ يُوسُفَ
عَلَيْهِ السَّلامُ وَرَمْيِهِمْ لَهُ فِى الْبِئْرِ وَحَصَلَ مِنْهُمْ أَنْ
سَفَّهُوا أَبَاهُمْ نَبِىَّ اللَّهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَفَرُوا
بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الإِسْلامِ (وَ)إِخْوَةُ
يُوسُفَ هَؤُلاءِ (هُمْ مَنْ سِوَى بِنْيَامِينَ)
فَهُوَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ (وَ)أَمَّا
(الأَسْبَاطُ الَّذِينَ) ذَكَرَهُمُ اللَّهُ
تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ وَ(أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ
الْوَحْىَ) فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ هَؤُلاءِ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ
ءَاذَوْهُ بَلْ (هُمْ مَنْ نُبِّئَ) أَىْ مَنْ
أُوحِىَ إِلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ (مِنْ
ذُرِّيَّتِهِمْ).
(بَابُ
الرِّدَّةِ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الرِّدَّةِ وَهِىَ قَطْعُ الإِسْلامِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ.
(يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)
مُكَلَّفٍ (حِفْظُ إِسْلامِهِ وَصَوْنُهُ عَمَّا
يُفْسِدُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيَقْطَعُهُ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ
تَعَالَى) فَالْكُفْرُ هُوَ أَشَدُّ الذُّنُوبِ عَلَى الإِطْلاقِ وَهُوَ
الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ. (قَالَ) الْحَافِظُ (النَّوَوِىُّ
وَغَيْرُهُ) مِنَ الْعُلَمَاءِ (الرِّدَّةُ
أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ) وَالْمُرَادُ أَنَّهَا أَقْبَحُ أَنْوَاعِ
الْكُفْرِ لِأَنَّهَا تُذْهِبُ كُلَّ الْحَسَنَاتِ وَلِأَنَّهَا انْتِقَالٌ مِنَ
الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ أَنْوَاعِ الرِّدَّةِ
هِىَ أَشَدُّ الْكُفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ (وَقَدْ
كَثُرَ فِى هَذَا الزَّمَانِ التَّسَاهُلُ فِى الْكَلامِ) أَىْ صَارَ
كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِى عَاقِبَةِ
كَلامِهِمْ (حَتَّى إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَعْضِهِمْ
أَلْفَاظٌ تُخْرِجُهُمْ عَنِ الإِسْلامِ وَلا يَرَوْنَ ذَلِكَ ذَنْبًا فَضْلًا
عَنْ كَوْنِهِ كُفْرًا) أَىْ لا يَرَوْنَ الْكَلامَ الْكُفْرِىَّ ذَنْبًا
فَيَظُنُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ ما زَالُوا مُسْلِمِينَ (وَذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ) أَىْ هَذَا الَّذِى
يَحْصُلُ مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ قَوْلِهِ ﷺ (إِنَّ
الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بِأْسًا) أَىْ أَنَّ
الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا
يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً (يَهْوِى بِهَا)
أَىْ بِسَبَبِهَا (فِى النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا
أَىْ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا فِى النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى جَهَنَّمَ)
أَىْ قَعْرُهَا (وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكُفَّارِ
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَحَسَنَّهُ وَفِى مَعْنَاهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ
الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ) إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ
مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (وَهَذَا الْحَدِيثُ
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ مَعْرِفَةُ
الْحُكْمِ) أَىْ مَعْرِفَةُ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ كُفْرٌ لِأَنَّ
النَّبِىَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ قَائِلَ الْكَلِمَةِ الْكُفْرِيَّةِ يُعَذَّبُ فِى
قَعْرِ النَّارِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُ لا يَظُنُّ
فِيهَا ضَرَرًا كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ (وَلا)
يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ (انْشِرَاحُ
الصَّدْرِ) فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّا كَفَرَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ
مُنْشَرِحِ الصَّدْرِ أَىْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَلا قَاصِدٍ
الْكُفْرَ (وَلا) يُشْتَرَطُ (اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ) فَمَنْ تَلَفَّظَ
بِالْكُفْرِ بِإِرَادَتِهِ وَهُوَ يَفْهَمُ الْمَعْنَى كَفَرَ كَمَنْ يَقُولُ يَا
ابْنَ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ لا يَعْتَقِدُ
أَنَّ لِلَّهِ ابْنًا وَلَيْسَ (كَمَا يَقُولُ)
صَاحِبُ (كِتَابِ فِقْهِ السُّنَّةِ) إِنَّ
الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ
بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ
بِهِ وَدَخَلَ فِى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ. وَ(كَذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ
عَدَمُ الْغَضَبِ) أَىْ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ عَامِدًا كَفَرَ
وَإِنْ كَانَ فِى حَالِ الْغَضَبِ (كَمَا أَشَارَ
إِلَى ذَلِكَ) الْحَافِظُ (النَّوَوِىُّ)
فَإِنَّهُ (قَالَ لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ
أَوْ غُلامِهِ) أَىْ عَبْدِهِ (فَضَرَبَهُ
ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) كَيْفَ تَضْرِبُ وَلَدَكَ أَوْ
غُلامَكَ هَذَا الضَّرْبَ الشَّدِيدَ (أَلَسْتَ
مُسْلِمًا فَقَالَ لا مُتَعَمِّدًا كَفَرَ) لأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ
بِإِرَادَتِهِ (وَ)هَذَا الْحُكْمُ (قَالَهُ غَيْرُهُ) مِنَ الْعُلَمَاءِ (مِنْ حَنَفِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ).
(وَالرِّدَّةُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ كَمَا قَسَّمَهَا
النَّوَوِىُّ وَغَيْرُهُ مِنْ شَافِعِيَّةٍ وَحَنَفِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ
اعْتِقَادَاتٌ وَأَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ) أَىْ أَنَّ الرِّدَّةَ تَحْصُلُ
تَارَةً بِالْقَوْلِ وَتَارَةً بِالْفِعْلِ وَتَارَةً بِالِاعْتِقَادِ (وَكُلٌّ يَتَشَعَّبُ شُعَبًا كَثِيرَةً) أَىْ أَنَّ
كُلَّ قِسْمٍ مِنَ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ يَتَفَرَّعُ فُرُوعًا كَثِيرَةً (فَمِنَ) الأَمْثِلَةِ عَلَى الْقِسْمِ (الأَوَّلِ) أَىِ الْكُفْرِ الِاعْتِقَادِىِّ (الشَّكُّ فِى) وُجُودِ (اللَّهِ)
أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ عِلْمِه أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ
عَدْلِهِ أَوْ فِى أَىِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ
لَهُ إِجْمَاعًا (أَوِ) الشَّكُّ (فِى) صِدْقِ (رَسُولِهِ)
مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ رِسَالَتِهِ أَىْ فِى كَوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (أَوْ) فِى نُزُولِ (الْقُرْءَانِ)
عَلَيْهِ (أَوِ) الشَّكُّ فِى (الْيَوْمِ الآخِرِ) أَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (أَوْ) فِى وُجُودِ (الْجَنَّةِ
أَوِ النَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ) فِى الآخِرَةِ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ)
عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ (أَوِ اعْتِقَادُ قِدَمِ
الْعَالَمِ وَأَزَلِيَّتِهِ بِجِنْسِهِ وَتَرْكِيبِهِ) أَىْ أَفْرَادِهِ (أَوْ بِجِنْسِهِ فَقَطْ) أَىِ اعْتِقَادُ أَنَّ
الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ (أَوْ
نَفْىُ) أَىْ إِنْكَارُ (صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ
اللَّهِ) الثَّلاثَ عَشْرَةَ (الْوَاجِبَةِ
لَهُ إِجْمَاعًا كَكَوْنِهِ عَالِمًا) أَوْ قَدِيرًا أَوْ سَمِيعًا أَوْ
بَصِيرًا (أَوْ نِسْبَةُ مَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ
عَنْهُ إِجْمَاعًا كَالْجِسْمِ) أَىِ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ
وَالْجِسْمُ هُوَ مَا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ كَبُرَ أَوْ صَغُرَ (أَوْ تَحْلِيلُ مُحَرَّمٍ بِالإِجْمَاعِ مَعْلُومٍ مِنَ
الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مُحَرَّمًا
بِالإِجْمَاعِ وَاشْتَهَرَتْ حُرْمَتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ (مِمَّا لا يَخْفَى عَلَيْهِ) تَحْرِيمُهُ فِى
الشَّرْعِ (كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَقَتْلِ
الْمُسْلِمِ) بِغَيْرِ حَقٍّ (وَالسَّرِقَةِ
وَالْغَصْبِ) فَهُوَ كَافِرٌ (أَوْ تَحْرِيمُ
حَلالٍ ظَاهِرٍ كَذَلِكَ) أَىْ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا حَلالًا عِنْدَ
الْمُسْلِمِينَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ حَلالٌ (كَالْبَيْعِ
وَالنِّكَاحِ) كَفَرَ (أَوْ نَفْىُ وُجُوبِ
مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ) أَىْ نَفْىُ وُجُوبِ مَا أَجْمَعَ
الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِهِ وَكَانَ وُجُوبُهُ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا بَيْنَ
الْمُسْلِمِينَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ (كالصَّلَوَاتِ
الْخَمْسِ أَوْ سَجْدَةٍ مِنْهَا وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ) فِى رَمَضَانَ
(وَالْحَجِّ) عَلَى الْمُسْتَطِيعِ (وَالْوُضُوءِ) فَمَنِ اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِ
شَىْءٍ مِنْهَا فَقَدْ كَفَرَ (أَوْ إِيجَابُ مَا
لَمْ يَجِبْ إِجْمَاعًا كَذَلِكَ) أَىْ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ مَا لَمْ
يَجِبْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ فَهُوَ
كَافِرٌ كَمَنْ أَوْجَبَ زِيَادَةَ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَىْ فَرْضِ الصُّبْحِ (أَوْ نَفْىُ مَشْرُوعِيَّةِ) أَمْرٍ (مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ) أَىْ نَفْىُ أَنْ
يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مَشْرُوعًا فِى الدِّينِ أَىْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى
فِعْلِهِ وَاشْتَهَرَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَصَلاةِ
الْوِتْرِ وَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ أَىِ السُّنَنِ (أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ فِى الْمُسْتَقْبَلِ)
كَأَنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ سَنَةٍ كَفَرَ فِى الْحَالِ (أَوْ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ تَرَدَّدَ
فِيهِ) بِأَنْ قَالَ فِى قَلْبِهِ أَفْعَلُ أَوْ لا أَفْعَلُ فَإِنَّهُ
يَكْفُرُ فِى الْحَالِ (لا خُطُورُهُ فِى الْبَالِ
بِدُونِ إِرَادَةٍ) أَىْ أَمَّا إِذَا خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ فِى بَالِهِ بِلا
إِرَادَةٍ كَأَنْ خَطَرَ لَهُ شَىْءٌ يُنَافِى وُجُودَ اللَّهِ بِلا إِرَادَةٍ
وَهُوَ مُعْتَقِدٌ الْحَقَّ اعْتِقَادًا جَازِمًا فَلا يَكْفُرُ (أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ سَيِّدِنَا أَبِى بَكْرٍ)
الصِّدِّيقِ (رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ)
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ لِتَكْذِيبِهِ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ
الْمُرَادَ بِالصَّاحِبِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هُوَ أَبُو بَكْرٍ (أَوْ)
أَنْكَرَ (رِسَالَةَ وَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ
الْمُجْمَعِ عَلَى رِسَالَتِهِ) أَىْ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ أَحَدٍ
مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ كَفَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ لا
يَعْلَمُ ذَلِكَ فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نُعَلِّمُهُ (أَوْ
جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْءَانِ) أَىْ أَنْكَرَ
حَرْفًا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ (أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ مُجْمَعًا عَلَى نَفْيِهِ)
أَىْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ (مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ عِنَادًا) أَىْ كَانَ
ذَلِكَ الْحَرْفُ الَّذِى زَادَهُ زِيَادَتُهُ لَهُ عِنَادًا لا ظَنًّا مِنْهُ
أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ بِخِلافِ مَنْ زَادَهُ فِى الْقِرَاءَةِ مُعْتَقِدًا
أَنَّهُ مِنْهُ جَهْلًا فَلا يَكْفُرُ (أَوْ كَذَّبَ
رَسُولًا أَوْ نَقَّصَهُ) بِأَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لا يَلِيقُ بِهِ (أَوْ صَغَّرَ اسْمَهُ بِقَصْدِ تَحْقِيرِهِ) كَأَنْ
قَالَ عَنْ نَبِىِّ اللَّهِ مُوسَى مُوَيْسَى بِقَصْدِ إِهَانَتِهِ كَفَرَ (أَوْ جَوَّزَ نُبُوَّةَ أَحَدٍ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ
ﷺ) أَىِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْىُ بِالنُّبُوَّةِ
عَلَى شَخْصٍ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِى) مِنْ
أَقْسَامِ الرِّدَّةِ (الأَفْعَالُ كَسُجُودٍ
لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ إِنْ قَصَدَ عِبَادَتَهُمَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ)
فَهُوَ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ (وَ)كَذَلِكَ (السُّجُودُ لِإِنْسَانٍ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ
الْعِبَادَةِ لَهُ كَسُجُودِ بَعْضِ الْجَهَلَةِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ
الْمُتَصَوِّفِينَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَئِذٍ
كُفْرًا وَ)أَمَّا (إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى
وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ) بَلْ كَانَ لِتَعْظِيمِهِمْ فَقَطْ (فَلا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنَّهُ حَرَامٌ) فِى شَرْعِ
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مِنْ
أَقْسَامِ الرِّدَّةِ (الأَقْوَالُ وَهِىَ كَثِيرَةٌ
جِدًّا لا تَنْحَصِرُ) فِى كِتَابٍ لِكَثْرَتِهَا (مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ) وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ
مُسْلِمٌ (يَا كَافِرُ أَوْ يَا يَهُودِىُّ أَوْ يَا
نَصْرَانِىُّ أَوْ يَا عَدِيمَ الدِّينِ مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِى عَلَيْهِ
الْمُخَاطَبُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ أَوْ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ
لَيْسَ بِدِينٍ لا عَلَى قَصْدِ التَّشْبِيهِ) أَىْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ
عَلَى دِينِ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ سَمَّى الإِسْلامَ كُفْرًا
أَوْ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ نَفَى عَنِ الْمُسْلِمِ صِفَةَ
الإِسْلامِ أَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ وَقَصَدَ أَنَّهُ يُشْبِهُ
الْكَافِرَ فِى خَسَاسَةِ أَعْمَالِهِ أَوْ أَنَّهُ يُعَامِلُ الْمُسْلِمِينَ
مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ لَهُمْ أَوْ أَنَّهُ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ لا
دِينَ لَهُ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ (وَكَالسُّخْرِيَةِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَوْ
وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ
سُبْحَانَهُ) أَىْ أَنَّ مَنْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ
سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ
فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ أَوْ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ
بِالنَّارِ وَالْعَذَابِ الأَلِيمِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاسْمُ أَوِ الْوَعْدُ
أَوِ الْوَعِيدُ الَّذِى سَخِرَ بِهِ شَيْئًا خَافِيًا عَلَيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِ
السُّفَهَاءِ غَدًا نَتَدَفَّأُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا
فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْءَانِ (وَكَأَنْ يَقُولَ) عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ
بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِى أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ (لَوْ
أَمَرَنِى اللَّهُ بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْهُ أَوْ) يَقُولَ عَلَى وَجْهِ
الِاسْتِخْفَافِ بِالْقِبْلَةِ (لَوْ صَارَتِ
الْقِبْلَةُ فِى جِهَةِ كَذَا مَا صَلَّيْتُ إِلَيْهَا أَوْ) يَقُولَ عَلَى
وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْجَنَّةِ (لَوْ
أَعْطَانِى اللَّهُ الْجَنَّةَ مَا دَخَلْتُهَا) أَىْ إِنْ قَالَ ذَلِكَ (مُسْتَخِفًّا أَوْ مُظْهِرًا لِلْعِنَادِ فِى الْكُلِّ)
فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ
وَالْعِنَادِ وَتَكْذِيبِ الشَّرْعِ فَلَيْسَ كُفْرًا (وَكَأَنْ
يَقُولَ) شَخْصٌ فِى حَالِ مَرَضِهِ (لَوْ
ءَاخَذَنِى اللَّهُ بِتَرْكِ الصَّلاةِ) أَىْ لَوْ عَاقَبَنِى عَلَى
تَرْكِهَا (مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ
ظَلَمَنِى) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللَّهِ
تَعَالَى (أَوْ قَالَ لِفِعْلٍ حَدَثَ هَذَا بِغَيْرِ
تَقْدِيرِ اللَّهِ) أَىْ حَصَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ كَفَرَ
وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ (أَوْ) قَالَ (لَوْ شَهِدَ عِنْدِى الأَنْبِيَاءُ أَوِ الْمَلائِكَةُ أَوْ
جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ) أَىْ مَا صَدَّقْتُهُمْ
كَفَرَ لِأَنَّهُ يَكُونُ استَخَفَّ بِهِمْ وَطَعَنَ فِى صِدْقِهِمْ
وَأَمَانَتِهِمْ (أَوْ قَالَ) بَعْدَ أَنْ
أَمَرَهُ شَخْصٌ بِفِعْلِ سُنَّةٍ (لا أَفْعَلُ كَذَا
وَإِنْ كَانَ سُنَّةً بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ) بِسُنَّةِ النَّبِىِّ
كَفَرَ أَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِهْزَاءَ بِالسُّنَّةِ
فَلا يَكْفُرُ (أَوْ) قَالَ (لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ)
فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ (أَوْ أَعْطَاهُ عَالِمٌ فَتْوًى فَقَالَ أَيْشٍ)
أَىْ أَىُّ شَىْءٍ (هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا)
بِهَذَا الْقَوْلِ (الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ
الشَّرْعِ) وَالِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ أَمَّا لَوْ
أَعْطَاهُ فَتْوًى بَاطِلَةً فَقَالَ أَيْشٍ هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا الإِنْكَارَ
عَلَيْهِ فَلا يَكْفُرُ (أَوْ قَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ
عَلَى كُلِّ عَالِمٍ مُرِيدًا الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ) أَىْ أَرَادَ
تَعْمِيمَ اللَّعْنِ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَفَرَ وَلا يُنْظَرُ إِلَى قَصْدِهِ
إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى كَلامِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ
عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ لَعْنَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَلَوْ
قَالَ أَنَا قَصَدْتُ عُلَمَاءَ زَمَانِى فَالْقَصْدُ وَحْدَهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ
التَّكْفِيرَ (أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ
الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءِ
زَمَانِهِ) أَوْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ لِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ فِيهِمْ خَيْرًا
(وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ
لِمَا يَظُنُّ بِهِمْ مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِهِمْ) أَىْ كَانَ فِى كَلامِهِ
مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ لَعْنَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَأَنْ ذَكَرَ
عُلَمَاءَ فَاسِدِينَ فَقَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَيُحْمَلُ
كَلامُهُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَاسِدٍ (فَإِنَّهُ لا
يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ أَوْ قَالَ أَنَا
بَرِئٌ مِنَ اللَّهِ) أَىْ لا أُعَظِّمُ اللَّهَ الَّذِى يَجِبُ
تَعْظِيمُهُ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ (أَوْ)
قَالَ أَنَا بَرِىءٌ (مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ مِنَ
النَّبِىِّ أَوْ مِنَ الشَّرِيعَةِ) الَّتِى أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ
(أَوْ مِنَ الإِسْلامِ) كَفَرَ وَالْعِيَاذُ
بِاللَّهِ (أَوْ قَالَ) لَهُ شَخْصٌ لِمَ
فَعَلْتَ هَذَا الْحَرَامَ أَلا تَعْرِفُ الْحُكْمَ فَقَالَ (لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ مُسْتَهْزِئًا بِحُكْمِ اللَّهِ)
كَفَرَ (أَوْ قَالَ وَقَدْ مَلَأَ وِعَاءً)
شَرَابًا (﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾) بِقَصْدِ
الِاسْتِخْفَافِ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِى الْجَنَّةِ مِنَ
الْكَأْسِ الْمُمْتَلِئَةِ شَرَابًا هَنِيئًا (أَوْ
أَفْرَغَ شَرَابًا) مِنَ إِنَاءٍ (فَقَالَ)
مُسْتَخِفًّا بِالآيَةِ (﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أَوْ)
قَالَ (عِنْدَ وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ) أَىْ إِذَا
كَالَ لِأَحَدٍ أَوْ وَزَنَ لَهُ شَيْئًا (﴿وَإِذَا
كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾) بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ
بِمَعْنَى الآيَةِ (أَوْ) قَالَ (عِنْدَ رُؤْيَةِ جَمْعٍ) مِنَ النَّاسِ (﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَا﴾
بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ فَإِنَّ الِاستِخْفَافَ (فِى الْكُلِّ بِمَعْنَى هَذِهِ الآيَاتِ) كُفْرٌ (وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ اسْتُعْمِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ
بِذَلِكَ الْقَصْدِ) أَىْ إِنْ أَوْرَدَ الشَّخْصُ ءَايَاتِ الْقُرْءَانِ
فِى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْقُرْءَانِ فَإِنَّهُ
يَكْفُرُ (فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ)
بِأَنْ أَوْرَدَهَا لا بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ (فَلا
يَكْفُرُ لَكِنْ) عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ فَقَدْ (قَالَ
الشَّيْخُ أَحْمَدُ بنُ حَجَرٍ) الْهَيْتَمِىُّ إِيرَادُ الآيَاتِ فِى
هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ (لا تَبْعُدُ حُرْمَتُهُ) أَىْ هُوَ حَرَامٌ
لِأَنَّهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْقُرْءَانِ (وَكَذَا
يَكْفُرُ مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا) أَىْ ذَمَّهُ وَحَقَّرَهُ (أَوْ قَالَ أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ)
لِأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِالصَّلاةِ وَاسْتَخَفَّ بِهَا وَالْقَوَّادُ هُوَ الَّذِى
يَجْلِبُ الزَّبَائِنَ لِلزَّانِيَاتِ (أَوْ)
قَالَ (مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ)
كَفَرَ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالصَّلاةِ (أَوْ)
أَمَرَهُ شَخْصٌ بِالصَّلاةِ فَقَالَ (الصَّلاةُ لا
تَصْلُحُ لِى بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ) بِالصَّلاةِ كَفَرَ بِخِلافِ مَا
لَوْ قَالَتْ ذَلِكَ امْرَأَةٌ حَائِضٌ بِقَصْدِ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ
مِنْهَا وَهِىَ حَائِضٌ فَلا تَكْفُرُ (أَوْ قَالَ)
شَخْصٌ (لِمُسْلِمٍ أَنَا عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ
نَبِيِّكَ) أَىْ مُحَمَّدٍ كَفَرَ لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِالنَّبِىِّ ﷺ (أَوْ) قَالَ (لِشَرِيفٍ)
أَىْ مَنْ يَرْجِعُ نَسَبُهُ لِلنَّبِىِّ ﷺ (أَنَا
عَدُوُّكَ وَعَدُوُّ جَدِّكَ مُرِيدًا النَّبِىَّ ﷺ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ
بِخِلافِ مَا لَوْ أَرَادَ جَدًّا لَهُ أَدْنَى فَلا يَكْفُرُ (أَوْ يَقُولَ شَيْئًا مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الأَلْفَاظِ
الْبَشِعَةِ الشَّنِيعَةِ) أَىِ الْقَبِيحَةِ حَفِظَنَا اللَّهُ مِنْهَا.
(وَقَدْ عَدَّ) أَىْ ذَكَرَ (كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ) مِنَ الْمَذَاهِبِ
الأَرْبَعَةِ (كَالْفَقِيهِ الْحَنَفِىِّ بَدْرِ
الرَّشِيدِ) فِى رِسَالَتِهِ فِى بَيَانِ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ (وَالْقَاضِى عِيَاضٍ الْمَالِكِىِّ) فِى كِتَابِهِ
الشِّفَا (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) تَعَالَى (أَشْيَاءَ كَثِيرَةً) مِمَّا هُوَ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ
تَحْذِيرًا لِلنَّاسِ مِنْهَا (فَيَنْبَغِى
الِاطِّلاعُ عَلَيْهَا) لِلْحَذَرِ مِنْهَا (فَإِنَّ
مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ) وَأَعْظَمُ الشُّرُورِ هُوَ
الْكُفْرُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
(وَالْقَاعِدَةُ) فِى هَذِهِ
الْمَسَائِلِ (أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ) أَىِ
اعْتِقَادٍ (أَوْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى
اسْتِخْفَافٍ) وَاسْتِهْزَاءٍ (بِاللَّهِ أَوْ
كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَعَائِرِهِ أَوْ مَعَالِمِ
دِينِهِ) وَالشَّعَائِرُ وَالْمَعَالِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَىْ مَا كَانَ
مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالْحَجِّ وَالأَذَانِ (أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ) لِلْمُؤْمِنِينَ
بِالْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ (أَوْ وَعِيدِهِ) لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ
بِالنَّارِ وَالْعَذَابِ الأَلِيمِ فَهُوَ (كُفْرٌ
فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَىِّ حَالٍ) أَىْ
لِيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَجَنُّبِ الْكُفْرِ غَايَةَ مُسْتَطَاعِهِ فَإِنَّ
مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الْمُرْتَدِّ.
(يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِى الرِّدَّةِ)
أَىِ الْكُفْرِ (الْعَوْدُ فَوْرًا إِلَى الإِسْلامِ)
وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ (بِالنُّطْقِ
بِالشَّهَادَتَيْنِ) بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ بِلَفْظِ لا إِلَـٰهَ إِلَّا
اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه أَوْ بِمَا يُعْطِى مَعْنَاهُ وَلَوْ بِغَيْرِ
اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ (وَالإِقْلاعِ عَمَّا
وَقَعَتْ بِهِ الرِّدَّةُ) أَىْ تَرْكِ الأَمْرِ الَّذِى حَصَلَتْ بِهِ
الرِّدَّةُ. (وَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّدَمُ عَلَى مَا
صَدَرَ مِنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ لِمِثْلِهِ) أَىْ يَجِبُ
عَلَيْهِ أَنْ يَنْدَمَ لِأَجْلِ أَنَّهُ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ وَيَعْزِمَ
بِقَلْبِهِ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ كُفْرِهِ بِالشَّهَادَةِ)
أَىْ بِالنُّطْقِ بِهَا (وَجَبَتِ اسْتِتَابَتُهُ)
أَىْ يَجِبُ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ
الرُّجُوعَ إِلَى الإِسْلامِ (وَلا يُقْبَلُ مِنْهُ
إِلَّا الإِسْلامُ أَوِ الْقَتْلُ بِهِ) أَىْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ (يُنَفِّذُهُ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ) أَوْ مَنْ
يَقُومُ مَقَامَهُ (بَعْدَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ
الرُّجُوعَ إِلَى الإِسْلامِ) وَلا يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ
(وَيَعْتَمِدُ الْخَلِيفَةُ فِى ذَلِكَ) أَىْ
فِى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ (عَلَى
شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ) ذَكَرَيْنِ (عَدْلَيْنِ)
وَالْعَدْلُ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُجْتَنِبُ لِكَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلا يُكْثِرُ
مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ بِحَيْثُ تَزِيدُ عَلَى طَاعَاتِهِ الْمُجْتَنِبُ
لِمَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ كَتَطْيِيرِ الْحَمَامِ (أَوْ)
يَعْتَمِدُ الْخَلِيفَةُ (عَلَى اعْتِرَافِهِ)
أَىِ اعْتِرَافِ الْمُرْتَدِّ بِأَنَّهُ قَالَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ أَوْ فَعَلَ
فِعْلَ الْكُفْرِ (وَذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ
مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) أَىْ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ
إِلَى غَيْرِهِ فَاقْتُلُوهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ.
(وَ)مِنْ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ أَنَّهُ
(يَبْطُلُ بِهَا صَوْمُهُ) لِعَدَمِ صِحَّةِ
الصَّوْمِ مِنَ الْكَافِرِ (وَ)كَذَا (تَيَمُّمُهُ) بِخِلافِ الْوُضُوءِ فَلا يَبْطُلُ
بِالرِّدَّةِ (وَ)يَبْطُلُ بِهَا عَقْدُ (نِكَاحِهِ) بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الرِّدَّةِ مِنْ
أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (قَبْلَ الدُّخُولِ)
بِالزَّوْجَةِ فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ لا تَعُودُ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ
إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ (وَكَذَا) يَبْطُلُ
النِّكَاحُ بِحُصُولِ الرِّدَّةِ (بَعْدَهُ)
أَىْ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ (إِنْ لَمْ
يَعُدْ إِلَى الإِسْلامِ فِى) مُدَّةِ (الْعِدَّةِ)
فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ فَلا يَحْتَاجُ إِلَى
تَجْدِيدِ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ. وَالْعِدَّةُ ثَلاثَةُ أَطْهَارٍ
لِمَنْ تَحِيضُ وَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ لِمَنْ لا تَحِيضُ أَمَّا
الْحَامِلُ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
(وَلا يَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ) أَىِ الْمُرْتَدِّ (عَلَى مُسْلِمَةٍ وَ)لا (غَيْرِهَا)
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ (وَتَحْرُمُ
ذَبِيحَتُهُ) أَىْ يَحْرُمُ أَكْلُهَا (وَلا
يَرِثُ) مَنْ مَاتَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ الْمُسْلِمِينَ (وَلا يُوَرَّثُ) أَىْ لا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ بَعْدَ
مَوْتِهِ (وَلا يُصَلَّى عَلَيْه) أَىْ لا
تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ لِكُفْرِهِ وَلا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ
عَلَيْهِ وَلا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ (وَلا يُغَسَّلُ
وَلا يُكَفَّنُ) أَىْ لا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلا تَكْفِينُهُ وَلا يَحْرُمُ
ذَلِكَ (وَلا يُدْفَنُ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ)
أَىْ لا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِيهَا لِأَنَّهَا وُقِفَتْ لِدَفْنِ مَوْتَى
الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ (وَمَالُهُ) بَعْدَ
مَوْتِهِ (فَىْءٌ أَىْ لِبَيْتِ الْمَالِ إِنْ كَانَ)
يُوجَدُ (بَيْتُ مَالٍ مُسْتَقِيمٌ) قَائِمٌ
عَلَيْهِ ثِقَةٌ أَمِينٌ (أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ)
بَيْتُ مَالٍ مُسْتَقِيمٌ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ الْحَالُ الْيَوْمَ (فَإِنْ تَمَكَّنَ رَجُلٌ صَالِحٌ) أَمِينٌ عَارِفٌ
بِمَصَارِفِ هَذَا الْمَالِ (مِنْ أَخْذِهِ
وَصَرْفِهِ فِى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ ذَلِكَ) أَىْ جَازَ لَهُ
ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) فِى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ
الْمُحَرَّمَاتِ.
(يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَدَاءُ
جَمِيعِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِ
ذَلِكَ (وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَلَى
مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ) أَىْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى أَمَرَ اللَّهُ
بِهِ (مِنَ الإِتْيَانِ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَ)أَنْ
(يَجْتَنِبَ مُبْطِلاتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرُ
مَنْ رَءَاهُ تَارِكَ شَىْءٍ مِنْهَا أَوْ يَأْتِى بِهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا
بِالإِتْيَانِ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا) أَىْ يَجِبُ أَمْرُهُ بِالإِتْيَانِ
بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى تَصِحُّ بِهِ (وَيَجِبُ
عَلَيْهِ قَهْرُهُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَىْ يَجِبُ
إِرْغَامُهُ عَلَى تَأْدِيَةِ الْفَرَائِضِ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ
لا يَمْتَثِلُ إِلَّا بِالْقَهْرِ وَالأَمْرِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الإِنْكَارُ) أَىْ
كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ (بِقَلْبِهِ إِنْ
عَجَزَ عَنِ الْقَهْرِ وَالأَمْرِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ أَىْ أَقَلُّ مَا
يَلْزَمُ الإِنْسَانَ عِنْدَ الْعَجْزِ) عَنِ الْقَهْرِ وَالأَمْرِ
لِيَسْلَمَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ. (وَيَجِبُ)
عَلَى الْمُكَلَّفِ (تَرْكُ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ)
الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ (وَنَهْىُ مُرْتَكِبِهَا
وَمَنْعُهُ قَهْرًا مِنْهَا إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَىْ إِنْ قَدَرَ عَلَى
النَّهْىِ بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ (وَإِلَّا
وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ).
(وَالْحَرَامُ) هُوَ (مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ مُرْتَكِبَهُ بِالْعِقَابِ وَوَعَدَ
تَارِكَهُ) امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ (بِالثَّوَابِ
وَعَكْسُهُ الْوَاجِبُ) وَهُوَ مَا وَعَدَ اللَّهُ فَاعِلَهُ بِالثَّوَابِ
وَتَوَعَّدَ تَارِكَهُ بِالْعِقَابِ.
كِتَابُ
(الطَّهَارَةِ وَالصَّلاةِ)
الطَّهَارَةُ هِىَ فِعْلُ مَا
تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاةُ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَإِزَالَةِ
نَجَاسَةٍ وَأَمَّا الصَّلاةُ فَهِىَ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ
بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ الصَّلَوَاتِ
الْوَاجِبَةِ وَمَوَاقِيتِهَا (فَمِنَ الْوَاجِبِ
خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ
أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلاةَ الْوِتْرَ أَوْ نَوَافِلَ الصَّلَوَاتِ كَسُنَّةِ
الظُّهْرِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ أَوْقَاتِ هَذِهِ
الصَّلَوَاتِ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بَدَأَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
فِى بَيَانِهَا فَقَالَ (الظُّهْرُ وَ)يَدْخُلُ
(وَقْتُهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أَىْ
مَالَتْ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَيَبْقَى وَقْتُهَا (إِلَى مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ غَيْرَ ظِلِّ
الِاسْتِوَاءِ) أَىْ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ بِقَدْرِ طُولِ
الشَّىْءِ زَائِدًا عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ وَهُوَ ظِلُّ الشَّىْءِ حِينَ
تَكُونُ الشَّمْسُ فِى وَسَطِ السَّمَاءِ (وَالْعَصْرُ
وَ)يَدْخُلُ (وَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ
الظُّهْرِ) أَىْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِلا فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا
وَيَبْقَى وَقْتُهَا (إِلَى مَغِيبِ) كَامِلِ
قُرْصِ (الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبُ وَ)يَدْخُلُ
(وَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ مَغِيبِ الشَّمْسِ)
وَيَبْقَى وَقْتُهَا (إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ
الأَحْمَرِ) وَهُوَ حُمْرَةٌ تَظْهَرُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فِى جِهَةِ
الْغُرُوبِ (وَالْعِشَاءُ وَ)يَدْخُلُ (وَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ) أَىْ
بِانْتِهَاءِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَيَبْقَى وَقْتُهَا (إِلَى
طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ) وَهُوَ بَيَاضٌ مُعْتَرِضٌ فِى الأُفُقِ
الشَّرْقِىِّ (وَالصُّبْحُ وَ)يَدْخُلُ (وَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْعِشَاءِ) أَىْ
بِانْتِهَاءِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَيَبْقَى وَقْتُهَا (إِلَى
طُلُوعِ) أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ (الشَّمْسِ
فَتَجِبُ) مَعْرِفَةُ أَوْقَاتِ (هَذِهِ
الْفُرُوضِ) الْخَمْسَةِ وَيَجِبُ أَدَاؤُهَا (فِى
أَوْقَاتِهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ أَىْ غَيْرِ
الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ) أَمَّا الْكَافِرُ فَلا يُؤْمَرُ بِالصَّلاةِ
وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ وَلا تَجِبُ الصَّلاةُ عَلَى الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ
وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ (فَيَحْرُمُ
تَقْدِيمُهَا) أَىْ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ (عَلَى
وَقْتِهَا) لِغَيْرِ عُذْرٍ فَمَنْ قَدَّمَهَا لا تَصِحُّ صَلاتُهُ (وَ)يَحْرُمُ (تَأْخِيرُهَا
عَنْهُ) أَىْ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا (لِغَيْرِ عُذْرٍ) فَمَنْ أَخَرَّهَا عَنْ وَقْتِهَا عَصَى اللَّهَ
بِتَأْخِيرِهِ وَصَحَّتْ صَلاتُهُ (فَإِنْ طَرَأَ
مَانِعٌ) يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلاةِ (كَحَيْضٍ)
أَوْ جُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ وَكَانَ طُرُوؤُهُ (بَعْدَمَا
مَضَى مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا) أَىْ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ أَوَّلِ
وَقْتِهَا مَا يَسَعُ الصَّلاةَ فَقَطْ إِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ تَقْدِيمُ طُهْرِهِ
عَلَى الْوَقْتِ أَوْ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ (وَطُهْرَهَا)
لِمَنْ لا يُمْكِنُهُ شَرْعًا تَقْدِيمُ طُهْرِهِ عَلَى الْوَقْتِ (لِنَحْوِ سَلِسٍ) وَهُوَ الَّذِى يَظَلُّ الْبَوْلُ
يَنِزُّ مِنْهُ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) بَعْدَ
زَوَالِ الْمَانِعِ (أَوْ زَالَ الْمَانِعُ)
مِنْ وُجُوبِ الصَّلاةِ (وَقَدْ بَقِىَ مِنَ
الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ) أَىْ بَقِىَ مِنْ وَقْتِ الصَّلاةِ قَدْرُ
مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ (لَزِمَتْهُ
وَكَذَا مَا قَبْلَهَا إِنْ جُمِعَتْ مَعَهَا) أَىْ إِنْ كَانَتْ تُجْمَعُ
مَعَهَا فِى حَالِ الْعُذْرِ كَالسَّفَرِ (فَيَجِبُ
الْعَصْرُ مَعَ الظُّهْرِ إِنْ زَالَ الْمَانِعُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ
الْغُرُوبِ) أَىْ بِزَوَالِ الْمَانِعِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَغْرِبِ
بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (وَ)تَجِبُ
(الْعِشَاءُ مَعَ الْمَغْرِبِ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ
تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ) أَىْ بِزَوَالِ الْمَانِعِ قَبْلَ دُخُولِ
الْفَجْرِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى
أَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ وَالصَّبِيَّاتِ.
(يَجِبُ) وُجُوبًا كِفَائِيًّا (عَلَى وَلِىِّ الصَّبِىِّ وَالصَّبِيَّةِ الْمُمَيِّزَيْنِ)
وَهُوَ الْوَالِدُ وَكَذَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (أَنْ
يَأْمُرَهُمَا بِالصَّلاةِ) وَلَوْ قَضَاءً (وَ)أَنْ
(يُعَلِّمَهُمَا أَحْكَامَهَا) مِنْ شُرُوطٍ
وَأَرْكَانٍ وَمُبْطِلاتٍ (بَعْدَ) تَمَامِ (سَبْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ) وَالْمُمَيِّزُ هُوَ
الَّذِى يَفْهَمُ السُّؤَالَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ. (وَ)يَجِبُ
عَلَى الْوَلِىِّ أَنْ (يَضْرِبَهُمَا)
ضَرْبًا غَيْرَ مُؤَدٍّ إِلَى الْهَلاكِ (عَلَى
تَرْكِهَا) أَىِ الصَّلاةِ (بَعْدَ)
تَمَامِ (عَشْرِ سِنِينَ) قَمَرِيَّةٍ (كَصَوْمٍ أَطَاقَاهُ) فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِىِّ
أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصِّيَامِ وَيَضَرِبَهُمَا عَلَى تَرْكِهِ كَالصَّلاةِ إِنْ
كَانَا يُطِيقَانِهِ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا تَعْلِيمُهُمَا)
أَىْ تَعْلِيمُ الصَّبِىِّ وَالصَّبِيَّةِ الْمُمَيِّزَيْنِ مَا يَجِبُ
عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ (مِنْ) أُصُولِ
(الْعَقَائِدِ) كَوُجُودِ اللَّهِ
وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَأَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ
وَجِنٍّ وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَأَنَّهُ خَاتَمُ
الأَنْبِيَاءِ وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانَ وَأَنَّ لِلَّهِ
مَلائِكَةً لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
وَأَنَّهُ أَعَدَّ الْجَنَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالنَّارَ لِلْكَافِرِينَ وَمَا
أَشْبَهَ ذَلِكَ (وَ)يَجِبُ تَعْلِيمُهُمَا (الأَحْكَامَ) الضَّرُورِيَّةَ (يَجِبُ كَذَا) كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (وَيَحْرُمُ كَذَا) كَالسَّرِقَةِ وَالْكَذِبِ
وَالزِّنَى واللِّوَاطِ وَالْغِيبَةِ وَضَرْبِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا (وَ)يَجِبُ تَعْلِيمُهُمَا (مَشْرُوعِيَّةَ
السِّوَاكِ وَالْجَمَاعَةِ) أَىْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ السِّوَاكِ سُنَّةٌ
وَأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِصَلاةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَيَجِبُ عَلَى وُلاةِ الأَمْرِ)
الْخَلِيفَةِ أَوْ نَائِبِهِ (قَتْلُ تَارِكِ
الصَّلاةِ كَسَلًا) بَعْدَ إِنْذَارِهِ (إِنْ
لَمْ يَتُبْ) وَتَوْبَتُهُ تَكُونُ بِأَنْ يُصَلِّىَ (وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ) فَيُجْرَى عَلَيْهِ
أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْغَسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهِ
وَالدَّفْنِ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَلا يُعَذَّبُ عَلَى هَذَا الذَّنْبِ
الَّذِى أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﷺ الْحُدودُ كَفَّارَاتٌ رَوَاهُ
الْبَيْهَقِىُّ.
(وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)
وُجُوبًا كِفَائِيًّا (أَمْرُ أَهْلِهِ) أَىْ
زَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ (بِالصَّلاةِ) بَعْدَ
أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَحْكَامَهَا أَوْ يُهَيِّئَ لَهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ (وَ)أَمْرُ (كُلِّ مَنْ
قَدَرَ عَلَيْهِ) أَىْ مَنْ قَدَرَ عَلَى أَمْرِهِ (مِنْ غَيْرِهِمْ).
(فَصْلٌ) فِى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
(وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ) أَرْبَعَةُ
أَشْيَاءَ أَحَدُهَا (مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ)
أَىْ مَا خَرَجَ مِنَ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ سَوَاءٌ كَانَ مُعْتَادًا
كَالْبَوْلِ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَالدَّمِ (غَيْرَ
الْمَنِىِّ) فَإِنَّ خُرُوجَهُ بِتَفْكِيرٍ أَوْ نَظَرٍ لا يَنْقُضُ
الْوُضُوءَ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ لَكِنْ خُرُوجُهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ (وَ)ثَانِيهَا (مَسُّ
قُبُلِ الآدَمِىِّ أَوْ حَلْقَةِ دُبُرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ
كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ غَيْرَهُ (بِبَطْنِ الْكَفِّ
بِلا حَائِلٍ) وَالنَّاقِضُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ مُلْتَقَى شُفْرَيْهَا
عَلَى الْمَنْفَذِ وَالْمُرَادُ بِالْمَنْفَذِ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَمَدْخَلُ
الذَّكَرِ وَالنَّاقِضُ مِنَ الدُّبُرِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ فَقَطْ فَلا
يَنْقُضُ مَسُّ الأَلْيَةِ، وَبَطْنُ الْكَفِّ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِى يَسْتَتِرُ
عِنْدَ وَضْعِ إِحْدَى الْكَفَّيْنِ عَلَى الأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ أَىْ
كَبْسٍ خَفِيفٍ وَتَفْرِيقِ الأَصَابِعِ (وَ)ثَالِثُهَا
(لَمْسُ بَشَرَةِ) الأُنْثَى (الأَجْنَبِيَّةِ) أَىْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ (الَّتِى تُشْتَهَى) بِغَيْرِ حَائِلٍ فَإِنْ لَمَسَ
رَجُلٌ بَشَرَةَ بِنْتٍ لا تُشْتَهَى أَوْ بَشَرَةَ امْرَأَةٍ بحَائِلٍ أَوْ
لَمَسَ غَيْرَ الْبَشَرَةِ مِنْهَا كَشَعَرِهَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ (وَ)رَابِعُهَا (زَوَالُ
الْعَقْلِ) أَىِ التَّمْيِيزِ بِنَحْوِ جُنُونٍ أَوْ نَوْمٍ (لا نَوْمُ قَاعِدٍ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ) مِنْ
مَقَرِّهِ كَأَرْضٍ أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ فَإِنَّهُ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
لِلأَمْنِ مِنْ خُرُوجِ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الِاسْتِنْجَاءِ.
(يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ كُلِّ)
نَجِسٍ (رَطْبٍ) مُلُوِّثٍ لِلْمَخْرَجِ (خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) الْقُبُلِ أَوِ
الدُّبُرِ (غَيْرَ الْمَنِىِّ) فَلا يَجِبُ
الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ لَكِنْ يُسَنُّ
الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلافِ الأَئِمَّةِ الْقَائِلِينَ
بِنَجَاسَتِهِ وَيَكُونُ الِاسْتِنْجَاءُ (بِالْمَاءِ)
أَىْ بِصَبِّهِ (إِلَى أَنْ يَطْهُرَ الْمَحَلُّ)
بِأَنْ يَذْهَبَ الْخَارِجُ عَيْنُهُ وَأَثَرُهُ (أَوْ
بِمَسْحِهِ ثَلاثَ مَسَحَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى أَنْ يَنْقَى الْمَحَلُّ وَإِنْ
بَقِىَ الأَثَرُ بِقَالِعٍ طَاهِرٍ جَامِدٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ) فَلا
يَكْفِى غَيْرُ الْقَالِعِ كَالزُّجَاجِ وَالتُّرَابِ الْمُتَنَاثِرِ وَلا يَكْفِى
النَّجِسُ كَالْبَعْرِ أَوِ الْمُتَنَجِّسُ كَحَجَرٍ مُتَنَجِّسٍ بِالْبَوْلِ وَلا
يَكْفِى الرَّطْبُ كَمِنْدِيلِ وَرَقٍ مَبْلُولٍ وَلا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ
بِالْمُحْتَرَمِ كَخُبْزٍ أَوْ أَوْرَاقِ عِلْمٍ شَرْعِىٍّ، وَكُلُّ مَا
اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الأَرْبَعَةُ يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ (كَحَجَرٍ أَوْ) مِنْدِيلِ (وَرَقٍ
وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ) لَكِنْ (مِنْ
غَيْرِ انْتِقَالِ) الْخَارِجِ عَنِ الْحَشَفَةِ أَىْ رَأْسِ الذَّكَرِ
وَعَنِ الصَّفْحَتَيْنِ أَىْ مَا يَنْضَمُّ مِنَ الأَلْيَتَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ
وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلَ الْبَولُ إِلَى مَدْخَلِ الذَّكَرِ عِنْدَ الْمَرْأَةِ
(وَقَبْلَ جَفَافِ) الْخَارِجِ (فَإِنِ انْتَقَلَ) الْخَارِجُ (عَنِ الْمَكَانِ الَّذِى اسْتَقَرَّ فِيهِ) بَعْدَ
خُرُوجِهِ (أَوْ جَفَّ وَجَبَ الْمَاءُ) فى
الِاسْتِنْجَاءِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مُوجِبَاتِ
الْغُسْلِ وَفُرُوضِهِ.
(وَمِنْ شُرُوطِ) صِحَّةِ (الصَّلاةِ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ الأَكْبَرِ
بِالْغُسْلِ أَوِ التَّيَمُّمِ) بِالتُّرَابِ (لِمَنْ
عَجَزَ عَنِ الْغُسْلِ وَالَّذِى يُوجِبُهُ) أَىِ الْغُسْلَ (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) أَحَدُهَا (خُرُوجُ الْمَنِىِّ) أَىْ ظُهُورُهُ إِلَى ظَاهِرِ
حَشَفَةِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْبِكْرِ أَوْ وُصُولُهُ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ
فَرْجِ الثَّيِّبِ أَىْ غَيْرِ الْبِكْرِ عِنْدَ قُعُودِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا
لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ لِلِاسْتِنْجَاءِ (وَ)ثَانِيهَا
(الْجِمَاعُ) وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ
أَىْ رَأْسِ الذَّكَرِ فِى الْفَرْجِ (وَ)ثَالِثُهَا
(الْحَيْضُ) وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ
رَحِمِ الْمَرْأَةِ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْوِلادَةِ
وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَ)رَابِعُهَا (النِّفَاسُ)
وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ رَحِمِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الْوِلادَةِ
وَأَقَلُّهُ قَدْرُ بَزْقَةٍ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَومًا وَالْمُوجِبُ
لِلْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ (وَ)خَامِسُهَا (الْوِلادَةُ)
بِلا بَلَلٍ أَىْ مِنْ غَيْرِ خُرُوجِ دَمٍ.
(وَفُرُوضُ الْغُسْلِ اثْنَانِ نِيَّةُ رَفْعِ
الْحَدَثِ الأَكْبَرِ أَوْ نَحْوُهَا) مِنَ النِّيَّاتِ الْمُجْزِئَةِ
كَأَنْ يَنْوِىَ فَرْضَ الْغُسْلِ أَوِ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ وَيَجِبُ قَرْنُ
النِّيَّةِ بِأَوَّلِ مَغْسُولٍ فَلَوْ نَوَى بَعْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ بَدَنِهِ
وَجَبَ إِعَادَةُ غَسْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ (وَتَعْمِيمُ
جَمِيعِ الْبَدَنِ بَشَرًا وَشَعَرًا وَإِنْ كَثُفَ بِالْمَاءِ)
الْمُطَهِّرِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّةِ
الطَّهَارَةِ وَأَحْكَامِ التَّيَمُّمِ.
(شُرُوطُ الطَّهَارَةِ) مِنْ وُضُوءٍ
وَغُسْلٍ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا (الإِسْلامُ)
فَلا تَصِحُّ طَهَارَةُ الْكَافِرِ مِنَ الْحَدَثَيْنِ (وَ)ثَانِيهَا
(التَّمْيِيزُ) فَلا تَصِحُّ طَهَارَةُ غَيْرِ
الْمُمَيِّزِ كَطِفْلٍ وَمَجْنُونٍ (وَ)ثَالِثُهَا
(عَدَمُ) وُجُودِ (الْمَانِعِ
مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى) الْعُضْوِ (الْمَغْسُولِ)
أَوِ الْمَمْسُوحِ فَلا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مَعَ وُجُودِ مَانِعٍ كَطِلاءِ
الأَظَافِرِ لِلنِّسَاءِ الْمُسَمَّى بِالْمَنَكِيرِ وَأَمَّا مَا يَسْتُرُ لَوْنَ
الْبَشَرَةِ كَالْحِبْرِ وَلا يَمْنَعُ الْمَاءَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْجِلْدِ
فَلا يَضُرُّ (وَ)رَابِعُهَا (السَّيَلانُ) وَهُوَ أَنْ يَجْرِىَ الْمَاءُ عَلَى
الْجِلْدِ بِطَبْعِهِ وَلَوْ بِوَاسِطَةِ إِمْرَارِ الْيَدِ (وَ)خَامِسُهَا (أَنْ
يَكُونَ الْمَاءُ) الْمُسْتَعْمَلُ لِلطَّهَارَةِ طَاهِرًا فِى نَفْسِهِ (مُطَهِّرًا) لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ
الَّذِى يَصِحُّ إِطْلاقُ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِلا قَيْدٍ كَمَاءِ الْمَطَرِ
(بِأَنْ لا يُسْلَبَ اسْمَهُ بِمُخَالَطَةِ طَاهِرٍ
يَسْتَغْنِى الْمَاءُ عَنْهُ أَىْ) يَسْهُلُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ
وَالْمُخَالَطَةُ لِلْمَاءِ بِطَاهِرٍ مَعْنَاهَا (امْتِزَاجُ
شَىْءٍ طَاهِرٍ) بِهِ (كَالْحَلِيبِ
وَالْحِبْرِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِهِ) أَىْ
بِالْمُخَالِطِ تَغَيُّرًا كَثِيرًا فِى لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ (بِحَيْثُ) سُلِبَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ فَصَارَ (لا يُسَمَّى مَاءً لَمْ يَصْلُحْ لِلطَّهَارَةِ)
بِخِلافِ مَا لَوْ غَيَّرَهُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لا يُسْلَبُ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ
فَلا يَضُرُّ فَيَبْقَى طَهُورًا (وَأَمَّا)
مَا جَاوَرَ الْمَاءَ كَالْعُودِ الصُّلْبِ الَّذِى لا يَتَحَلَّلُ فِى الْمَاءِ
فَلا يُؤَثِّرُ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ كَثِيرًا
وَكَذَلِكَ (تَغَيُّرُهُ بِمَا لا يَسْتَغْنِى
الْمَاءُ عَنْهُ) أَىْ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ (كَأَنْ يَتَغَيَّرَ بِمَا فِى مَقَرِّهِ)
كَالْعُشْبِ (أَوْ مَمَرِّهِ) كَأَرْضٍ
كِبْرِيتِيَّةٍ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ
صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ فَلا يَضُرُّ فَيَبْقَى) طَاهِرًا (مُطَهِّرًا وَإِنْ كَثُرَ تَغَيُّرُهُ). (وَ)يُشْتَرَطُ لِصَحَّةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ
الْكَثِيرِ وَهُوَ قُلَّتَانِ أَوْ أَكْثَرُ (أَنْ لا
يَتَغَيَّرَ بِنَجِسٍ) كَبَوْلٍ (وَلَوْ
تَغَيُّرًا يَسِيرًا وَ)أَمَّا (إِنْ كَانَ
الْمَاءُ) قَلِيلًا أَىْ (دُونَ
الْقُلَّتَيْنِ) وَهُمَا بِالْمُرَبَّعِ مَا يَسَعُ حُفْرَةً طُولُهَا
ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ وَكَذَلِكَ عَرْضُهَا وَعُمْقُهَا أَىْ نَحْوُ مِائَتَىْ لِيتْرٍ
(اشْتُرِطَ) لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِهِ (أَنْ لا يُلاقِيَهُ نَجِسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ)
أَىْ لا يُسَامَحُ فِيهِ فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا
كَمَيْتَةِ مَا لا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ أَىْ لا دَمَ لَهَا سَائِلٌ
كَالذُّبَابِ إِذَا وَقَعَتْ فِى الْمَاءِ وَمَاتَتْ فِيهِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَلا
تُنَجِّسُهُ (وَ)يُشْتَرَطُ لِصَحَّةِ
الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ (أَنْ لا يَكُونَ)
الْمَاءُ الْقَلِيلُ (اسْتُعْمِلَ فِى رَفْعِ حَدَثٍ)
بِخِلافِ مَا اسْتُعْمِلَ فِى الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ (أَوِ)
الثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ أَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ فِى (إِزَالَةِ) شَىْءٍ (نَجِسٍ)
أَىْ مُتَنَجِّسٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ بِالنَّجَاسَةِ وَلا زَادَ وَزْنُهُ
بِسَبَبِهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ) بَعْدَ
طَلَبِهِ لَهُ أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِشُرْبِهِ (أَوْ كَانَ) مَرِيضًا يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ
أَنْ يَهْلِكَ أَوْ يَتْلَفَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ (يَضُرَّهُ الْمَاءُ) بِطُولِ مَرَضِهِ (تَيَمَّمَ) وَالتَّيَمُّمُ هُوَ إِيصَالُ التُّرَابِ
إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ مَـخْصُوصَةٍ. وَلا
يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إِلَّا (بَعْدَ دُخُولِ
الْوَقْتِ وَزَوَالِ النَّجَاسَةِ الَّتِى لا يُعْفَى عَنْهَا) إِنْ
كَانَتْ بِبَدَنِهِ وَلا يَصِحُّ إِلَّا (بِتُرَابٍ
خَالِصٍ) مِنَ الرَّمَادِ وَنَحْوِهِ (طَهُورٍ)
لا مُتَنَجِّسٍ بِنَحْوِ بَوْلٍ وَلا مُسْتَعْمَلٍ فِى تَيَمُّمٍ وَ(لَهُ غُبَارٌ).
وَيَكُونُ التَّيَمُّمُ (فِى الْوَجْهِ
وَالْيَدَيْنِ) إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ (يُرَتِّبُهُمَا
بِضَرْبَتَيْنِ) أَىْ بِنَقْلَتَيْنِ لِلتُّرَابِ مَعَ تَقْدِيمِ مَسْحِ
الْوَجْهِ عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ. وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ أَنْ
يَكُونَ (بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ فَرْضِ الصَّلاةِ)
لا بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَأَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ (مَعَ
النَّقْلِ وَمَسْحِ أَوَّلِ الْوَجْهِ) أَىْ لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ
مُقْتَرِنَةً بِنَقْلِ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَأَنْ تُسْتَدَامَ إِلَى
مَسْحِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِالرِّدَّةِ وَبِمَا
يَبْطُلُ بِهِ الْوُضُوءُ وَبِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فِى غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ
أَمَّا لَوْ رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِى الصَّلاةِ فَإِنْ كَانَ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ
الْمَاءِ فِى مَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ
وَإِلَّا فَلا.
(فَصْلٌ) فِى مَا يَحْرُمُ عَلَى
الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.
(وَمَنِ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ
الصَّلاةُ وَالطَّوافُ) بِالْكَعْبَةِ (وَحَمْلُ
الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ) أَىْ مَسُّ وَرَقِهِ وَجِلْدِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ
وَحَوَاشِيهِ (وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ) أَىْ
مِنْ مَسِّهِ وَحَمْلِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ (الصَّبِىُّ)
الْمُمَيِّزُ (لِلدِّرَاسَةِ) وَالتَّعَلُّمِ
فِيهِ لِنَفْسِهِ (وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ هَذِهِ)
أَىِ الصَّلاةُ وَالطَّوَافُ وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ (وَقِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ) بِاللِّسَانِ بِقَصْدِ
تِلاوَتِهِ (وَالْمُكْثُ فِى الْمَسْجِدِ) أَوِ
التَّرَدُّدُ فِيهِ (وَ)يَحْرُمُ (عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ هَذِهِ) أَىِ
الصَّلاةُ وَالطَّوَافُ وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ
وَالْمُكْثُ فِى الْمَسْجِدِ (وَالصَّوْمُ قَبْلَ
الِانْقِطَاعِ) أَىْ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ أَمَّا بَعْدَهُ فَيَجُوزُ
وَلَوْ قَبْلَ الْغُسْلِ (وَتَمْكِينُ الزَّوْجِ
وَالسَّيِّدِ) أَىْ سَيِّدِ الأَمَةِ الْمَملُوكَةِ (مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ
وَالرُّكْبَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ) بِلا حَائِلٍ (وَقِيلَ
لا يَحْرُمُ إِلَّا الْجِمَاعُ).
(فَصْلٌ) فِى الطَّهَارَةِ عَنِ
النَّجَاسَةِ وكَيْفِيَّةِ إِزَالَتِهَا.
(وَمِنْ شُرُوطِ) صِحَّةِ (الصَّلاةِ
الطَّهَارَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ فِى الْبَدَنِ) كَدَاخِلِ الْفَمِ
وَالأَنْفِ وَالْعَيْنِ (وَ)فِى (الثَّوْبِ) الَّذِى يَلْبَسُهُ أَثْنَاءَ صَلاتِهِ (وَالْمَكَانِ) الَّذِى يَمَسُّهُ بِبَدَنِهِ (وَالْمَحْمُولِ لَهُ كَقِنِّينَةٍ) أَوْ وَرَقَةٍ (يَحْمِلُهَا فِى جَيْبِهِ فَإِنْ لاقَاهُ) أَىْ
لاقَى بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ (نَجِسٌ) غَيْرُ
مَعْفُوٍّ عَنْهُ (أَوْ) لاقَى (مَحْمُولَهُ) كَرِدَاءٍ يَضَعُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ (بَطَلَتْ صَلاتُهُ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَهُ حَالًا)
كَأَنْ وَقَعَ عَلَى رِدَائِهِ وَكَانَ رَطْبًا فَأَلْقَى الرِّدَاءَ فَوْرًا مِنْ
غَيْرِ حَمْلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ وَقَعَ عَلَى ثَوْبِهِ وَكَانَ يَابِسًا
فَأَزَالَهُ بِنَفْضِ ثَوْبِهِ لا بِيَدِهِ أَوْ كُمِّهِ (أَوْ يَكُونَ) النَّجِسُ (مَعْفُوًّا
عَنْهُ) أَىْ يُسَامَحُ فِيهِ (كَدَمِ
جُرْحِهِ) فَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ.
(وَيَجِبُ إِزَالَةُ نَجِسٍ لَمْ يُعْفَ
عَنْهُ) أَىْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ
غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا (بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ
أَىْ جِرْمِهَا) وَأَوْصَافِهَا (مِنْ طَعْمٍ
وَلَوْنٍ وَرِيحٍ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ وَ)أَمَّا النَّجَاسَةُ (الحُكْمِيَّةُ) فَتُزَالُ (بِجَرْىِ
الْمَاءِ عَلَيْهَا) مَرَّةً وَاحِدَةً (وَالنَّجَاسَةُ
الحُكْمِيَّةُ هِىَ الَّتِى لا يُدْرَكُ لَهَا لَوْنٌ وَلا طَعْمٌ وَلا رِيحٌ)
كَبَوْلٍ جَفَّ وَذَهَبَتْ أَوْصَافُهُ (وَ)أَمَّا
النَّجَاسَةُ (الكَلْبِيَّةُ) أَوِ
الْخِنْزِيرِيَّةُ فَتُزَالُ (بِغَسْلِهَا سَبْعًا
إِحْدَاهُنَّ مَمْزُوجَةٌ بِالتُّرَابِ الطَّهُورِ) بِحَيْثُ يَتَكَدَّرُ
بِهِ الْمَاءُ (وَالْمُزِيلَةُ لِلْعَيْنِ وَإِنْ
تَعَدَّدَتْ وَاحِدَةٌ) أَىِ الْغَسَلاتُ الَّتِى يُزَالُ بِهَا الْحَجْمُ
مَعَ الْوَصْفِ تُعَدُّ غَسْلَةً وَاحِدَةً.
(وَيُشْتَرَطُ) فِى إِزَالَةِ
النَّجَاسَةِ (وُرُودُ الْمَاءِ) عَلَيْهَا (إِنْ كَانَ قَلِيلًا) أَىْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّةِ
الصَّلاةِ.
(وَمِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ اسْتِقْبالُ
الْقِبْلَةِ) وَهِىَ الْكَعْبَةُ (وَ)مَعْرِفَةُ
(دُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ) إِمَّا يَقِينًا
بِالْمُرَاقَبَةِ وَإِمَّا ظَنًّا كَالِاعْتِمَادِ عَلَى صِيَاحِ الدِّيكِ
الْمُجَرَّبِ لِمَعْرِفَةِ دُخُولِ وَقْتِ الصُّبْحِ وَالطَّهَارَةُ عَنِ
الْحَدَثَيْنِ الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ (وَالإِسْلامُ)
فَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ مِنْ كَافِرٍ (وَالتَّمْيِيزُ)
فَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ مِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ (وَ)التَّمْيِيزُ
(هُوَ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ بَلَغَ مِنَ السِّنِّ
إِلَى حَيْثُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ). (وَ)مِنْ شُرُوطِ الصَّلاةِ (الْعِلْمُ بِفَرْضِيَّتِهَا) إِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ فَرْضًا (وَأَنْ لا يَعْتَقِدَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِهَا سُنَّةً)
كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَالسَّتْرُ) أَىْ
سَتْرُ الْعَوْرَةِ (بِمَا يَسْتُرُ لَوْنَ
الْبَشَرَةِ) وَالشَّعَرِ (لِجَمِيعِ بَدَنِ)
الأُنْثَى (الْحُرَّةِ) أَىْ غَيْرِ
الْمَمْلُوكَةِ (إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ
وَبِمَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِلذَّكَرِ وَالأَمَةِ)
الْمَمْلُوكَةِ وَيَجِبُ السَّتْرُ (مِنْ كُلِّ
الْجَوَانِبِ) وَالأَعْلَى وَ(لا)
يَجِبُ مِنَ (الأَسْفَلِ) أَىْ مِمَّا هُوَ
أَسْفَلُ مِنَ الْعَوْرَةِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيانِ مُبْطِلاتِ
الصَّلاةِ.
(وَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِالْكَلامِ)
عَمْدًا أَىْ مَعَ ذِكْرِ أَنَّهُ فِى الصَّلاةِ وَكَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ
(وَلَوْ) كَانَ النُّطْقُ (بِحَرْفَيْنِ) لا مَعْنَى لَهُمَا (أَوْ بِحَرْفٍ مُفْهِمٍ) لَهُ مَعْنًى (إِلَّا أَنْ نَسِىَ) أَنَّهُ فِى الصَّلاةِ (وَقَلَّ) الْكَلامُ الَّذى تَكَلَّمَ بِهِ كَسِتِّ
كَلِمَاتٍ عُرْفِيَّةٍ أَوْ أَقَلَّ وَالْكَلِمَةُ الْعُرْفِيَّةُ هِىَ
الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ نَحْوُ اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ. (وَ)تَبْطُلُ الصَّلاةُ (بِالْفِعْلِ
الْكَثِيرِ) الْمُتَوَالِى (وَهُوَ عِنْدَ
بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مَا يَسَعُ قَدْرَ رَكْعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ وَقِيلَ ثَلاثُ
حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ) وَلَوْ بِأَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَحَرَكَةِ
يَدَيْهِ وَرَأْسِهِ عَلَى التَّعَاقُبِ أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً (وَ)الْقَوْلُ (الأَوَّلُ
أَقْوَى دَلِيلًا). (وَ)تَبْطُلُ
الصَّلاةُ (بِالْحَرَكَةِ الْمُفْرِطَةِ)
كَالْوَثْبَةِ أَىِ الْقَفْزَةِ (وَبِزِيَادَةِ
رُكْنٍ فِعْلِىٍّ) عَمْدًا كَأَنْ عَمِلَ رُكُوعَيْنِ فِى رَكْعَةٍ
وَاحِدَةٍ (وَبِالْحَرَكَةِ الْوَاحِدَةِ لِلَّعِبِ
وَبِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَّا أَنْ نَسِىَ) أَنَّهُ فِى الصَّلاةِ (وَقَلَّ) مَا أَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ (وَبِنِيَّةِ قَطْعِ الصَّلاةِ وَبِتَعْلِيقِ قَطْعِهَا
عَلَى) حُصُولِ (شَىْءٍ وَبِالتَّرَدُّدِ
فِيهِ) أَىْ فِى قَطْعِهَا (وَبِأَنْ يَمْضِىَ
رُكْنٌ) مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (مَعَ الشَّكِّ فِى نِيَّةِ التَّحَرُّمِ أَوْ يَطُولَ
زَمَنُ الشَّكِّ) كَأَنْ شَكَّ وَهُوَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ هَلْ نَوَى
أَثْنَاءَ التَّكْبِيرِ أَوْ لا وَاسْتَمَرَ هَذَا الشَّكُّ حَتَّى انْتَهَى مِنَ
الْقِرَاءَةِ أَوْ طَالَ وَقْتُ الشَّكِّ كَأَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُلْكِ وَهُوَ
شَاكٌّ بَطَلَتْ صَلاتُهُ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ شُرُوطِ قَبُولِ
الصَّلاةِ.
(وَشُرِطَ مَعَ مَا مَرَّ) مِنْ
شُرُوطِ الصِحَّةِ (لِقَبُولِهَا عِنْدَ اللَّهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) أَىْ لِنَيْلِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ (أَنْ يَقْصِدَ بِهَا) أَىْ بِصَلاتِهِ (وَجْهَ اللَّهِ وَحْدَهُ) وَلا يَكُونُ قَصْدُهُ
ثَنَاءَ النَّاسِ عَلَيْهِ (وَأَنْ يَكُونَ
مَأْكَلُهُ) الَّذِى فِى بَطْنِهِ أَثْنَاءَ صَلاتِهِ (وَمَلْبُوسُهُ وَمُصَلَّاهُ) أَىْ مَكَانُ صَلاتِهِ
(حَلالًا وَأَنْ يَخْشَعَ لِلَّهِ قَلْبُهُ فِيهَا
وَلَوْ لَحْظَةً) وَالْخُشُوعُ هُوَ اسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ
أَىْ خَوْفِ الإِجْلالِ وَالتَّعْظِيمِ (فَإِنْ لَمْ
يَحْصُلْ ذَلِكَ) أَىْ إِنْ لَمْ يَخْشَعْ فِى صَلاتِهِ وَلَوْ لَحْظَةً (صَحَّتْ صَلاتُهُ بِلا ثَوَابٍ).
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَرْكَانِ
الصَّلاةِ.
(أَرْكَانُ الصَّلاةِ سَبْعَةَ عَشَرَ)
رُكْنًا وَالرُّكْنُ (الأَوَّلُ) هُوَ (النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ لِلْفِعْلِ) أَىْ أَنْ
يَقْصِدَ فِعْلَ الصَّلاةِ فِى التَّكْبِيرِ (وَيُعَيِّنَ)
الصَّلاةَ (ذَاتَ السَّبَبِ)
كَالِاسْتِسْقَاءِ (أَوْ) ذَاتَ (الْوَقْتِ) كَالْعَصْرِ (وَ)لا
بُدَّ أَنْ (يَنْوِىَ الْفَرْضِيَّةَ فِى الْفَرْضِ)
كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ مَثَلًا أُصَلِّى فَرْضَ الْعَصْرِ، (وَ)أَنْ (يَقُولَ
بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ كَكُلِّ رُكْنٍ قَوْلِىٍّ اللَّهُ أَكْبَر)
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لا يَمُدَّ الْبَاءَ وَأَنْ لا يُبْدِلَ هَمْزَةَ أَكْبَر
بِالْوَاوِ (وَ)التَّكْبِيرُ (هُوَ ثَانِى أَرْكَانِهَا)، وَالرُّكْنُ (الثَّالِثُ الْقِيَامُ فِى) صَلاةِ (الْفَرْضِ) وَلَوْ صَلاةَ جِنَازَةٍ (لِلْقَادِرِ) عَلَيْهِ، وَالرُّكْنُ (الرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) وَيُشْتَرَطُ
ابْتِدَاؤُهَا (بِالْبَسْمَلَةِ وَ)لا بُدَّ
أَنْ يَأْتِىَ بِكُلِّ (التَّشْدِيدَاتِ)
الَّتِى فِيهَا (وَيُشْتَرَطُ مُوَالاتُهَا)
بِأَنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ
بِلا عُذْرٍ (وَ)يَجِبُ (تَرْتِيبُهَا) بِأَنْ يَأْتِىَ بِهَا عَلَى
نَظْمِهَا الْمَعْرُوفِ (وَإِخْرَاجُ الْحُرُوفِ مِنْ
مَخَارِجِهَا) وَأَوْلَى الْحُرُوفِ عِنَايَةً الصَّادُ (وَعَدَمُ اللَّحْنِ) أَىِ الْخَطَإِ (الْمُخِلِّ بِالْمَعْنَى) أَىِ الْمُغَيِّرِ لَهُ (كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ) أَوِ الْمُبْطِلِ لَهُ
كَقِرَاءَةِ الَّذِينَ بِالزَّاىِ بَدَلَ الذَّالِ فَإنَّهُ لا مَعْنًى لَهُ (وَيَحْرُمُ اللَّحْنُ الَّذِى لَمْ يُخِلَّ)
بِالْمَعْنَى كَقِرَاءَةِ نَعْبُدُ بِكَسْرِ النُّونِ (وَلا
يُبْطِلُ) الصَّلاةَ، وَالرُّكْنُ (الْخَامِسُ
الرُّكُوعُ) وَيَحْصُلُ (بِأَنْ يَنْحَنِىَ)
الْمُصَلِّى (بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ)
أَىْ تَبْلُغُ رَاحَتَا يَدَيْهِ (رُكْبَتَيْهِ)
مَعَ اعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ، وَالرُّكْنُ (السَّادِسُ
الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ) أَىْ فِى الرُّكُوعِ (بِقَدْرِ
سُبْحَانَ اللَّهِ وَهِىَ سُكُونُ كُلِّ عَظْمٍ مَكَانَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً)
بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ هُوِيِّهِ لِلرُّكُوعِ وَبَيْنَ رَفْعِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ
سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالرُّكْنُ (السَّابِعُ
الِاعْتِدَالُ بِأَنْ يَنْتَصِبَ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَائِمًا) أَىْ يَعُودَ
الرَّاكِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ، وَالرُّكْنُ (الثَّامِنُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ) أَىْ فِى
الِاعْتِدَالِ بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ وَهُوِيِّهِ
لِلسُّجُودِ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالرُّكْنُ (التَّاسِعُ
السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ) فِى كُلِّ رَكْعَةٍ (بِأَنْ
يَضَعَ جَبْهَتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا عَلَى مُصَلَّاهُ) أَىْ عَلَى
مَوْضِعِ سُجُودِهِ (مَكْشُوفَةً وَمُتَثَاقِلًا
بِهَا) أَىْ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ تَحْتَ رَأْسِهِ قُطْنٌ لَانْكَبَسَ (وَ)أَنْ يَكُونَ (مُنَكِّسًا)
لِرَأْسِهِ (أَىْ) بِحَيْثُ (يَجْعَلُ أَسَافِلَهُ أَعْلَى مِنْ أَعَالِيهِ) أَىْ
يَجْعَلُ دُبُرَهُ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ (وَ)أَنْ
(يَضَعَ شَيْئًا) وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا (مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَمِنْ بُطُونِ كَفَّيْهِ وَمِنْ بُطُونِ
أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) عَلَى الأَرْضِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْشُوفَةً (وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ)
وَهُمُ الْحَنَابِلَةُ (لَيْسَ شَرْطًا فِى
السُّجُودِ التَّنْكِيسُ فَلَوْ) سَجَدَ بِحَيْثُ (كَانَ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ دُبُرِهِ صَحَّتِ الصَّلاةُ عِنْدَهُمْ)،
وَالرُّكْنُ (الْعَاشِرُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ)
أَىْ فِى السُّجُودِ بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ هُوِيِّهِ لِلسُّجُودِ وَرَفْعِهِ
مِنْهُ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالرُّكْنُ (الْحَادِى
عَشَرَ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)، وَالرُّكْنُ (الثَّانِى عَشَرَ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ) بِأَنْ
يَفْصِلَ بَيْنَ رَفْعِهِ مِنَ السُّجُودِ الأَوَّلِ وَهُوِيِّهِ لِلسُّجُودِ
الثَّانِى بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالرُّكْنُ (الثَّالِثَ
عَشَرَ الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى
النَّبِىِّ وَالسَّلامِ)، وَالرُّكْنُ (الرَّابِعَ
عَشَرَ التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ فَيَقُولُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ
الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّه السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ
الصَّالِحِين أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه أَوْ أَقَلَّهُ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّه سَلامٌ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه سَلامٌ عَلَيْنَا
وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِين أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَـٰهَ إلَّا اللَّه
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه)، وَالرُّكْنُ (الْخَامِسَ عَشَرَ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَأَقَلُّهَا اللَّهُمَّ
صَلِّ عَلَى مُحَمَّد) أَوْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّد، وَالرُّكْنُ (السَّادِسَ عَشَرَ السَّلامُ وَأَقَلُّهُ السَّلامُ
عَلَيْكُمْ) وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الإِتْيَانُ بَأَل وَالْمُوَالاةُ بَيْنَ
كَلِمَتَيْهِ بِأَنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ وَكَوْنُهُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِصَدْرِهِ إِلَى تَمَامِهِ وَأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ
يُسْمِعُ نَفْسَهُ جَمِيعَ حُرُوفِهِ، وَالرُّكْنُ (السَّابِعَ
عَشَرَ التَّرْتِيبُ) أَىْ تَرْتِيبُ الِأَرْكَانِ كَمَا ذُكِرَتْ (فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ كَأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ)
أَوْ قَدَّمَ السَّلامَ عَلَى غَيْرِهِ (بَطَلَتْ)
صَلاتُهُ لِتَلاعُبِهِ (وَإِنْ سَهَا فَلْيَعُدْ
إِلَيْهِ) أَىْ إِنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ سَهْوًا فَلْيَرْجِعْ إِلَى
الْمَتْرُوكِ فَوْرًا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ)
صَارَ (فِى مِثْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَتَتِمُّ بِهِ)
أَىْ بِمِثْلِ الْمَتْرُوكِ (رَكَعَتُهُ)
الَّتِى أَنْقَصَ مِنْهَا رُكْنًا (وَلَغَا)
حِينَئِذٍ (مَا سَهَا بِهِ) أَىْ مَا فَعَلَهُ
حَالَةَ سَهْوِهِ (فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ تَرْكَهُ
لِلرُّكُوعِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَكَعَ) أَىْ تَذَكَّرَ (فِى الْقِيَامِ الَّذِى بَعْدَهُ أَوْ فِى السُّجُودِ
الَّذِى بَعْدَهُ) تَمَّتْ بِرُكُوعِهِ رَكْعَتُهُ وَ(لَغَا مَا فَعَلَهُ بَيْنَ ذَلِكَ).
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ صَلاةِ
الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ.
(الْجَمَاعَةُ) فِى الصَّلَوَاتِ
الْخَمْسِ (عَلَى الذُّكُورِ الأَحْرَارِ
الْمُقِيمِينَ الْبَالِغِينَ) الْعَاقِلِينَ (غَيْرِ
الْمَعْذُورِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) فَلا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ
وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَعْذُورِينَ بِعُذْرٍ مِنَ
الأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ كَالْمَرَضِ الَّذِى يَشُقُّ
الذَّهَابُ مَعَهُ إِلَى مَكَانِ الْجَمَاعَةِ. وَيَحْصُلُ الْفَرْضُ بِإِقَامَتِهَا
بِحَيْثُ يُمْكِنُ لِقَاصِدِهَا إِدْرَاكُهَا بِلا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ.
وَالْمُقِيمُ هُوَ مَنْ نَوَى الإِقَامَةَ فِى بَلَدٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ
أَكْثَرَ غَيْرَ يَوْمَىِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ أَمَّا الْمُسَافِرُ فَهُوَ
مَنْ نَوَى الإِقَامَةَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَىِ
الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ.
(وَ)الْجَمَاعَةُ (فِى) صَلاةِ (الْجُمُعَةِ
فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِمْ) أَىْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ حُرٍّ بَالِغٍ
عَاقِلٍ مُقِيمٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ إِقَامَتُهَا (إِذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ مُكَلَّفِينَ مُسْتَوْطِنِينَ
فِى أَبْنِيَةٍ لا فِى الْخِيَامِ لِأَنَّهَا لا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْخِيَامِ).
وَالْمُسْتَوْطِنُ هُوَ الَّذِى يُقِيمُ فِى مَكَانٍ وَلا يَفَارِقُهُ إِلَّا
لِحَاجَةٍ.
(وَتَجِبُ) الْجُمُعَةِ (عَلَى مَنْ نَوَى الإِقَامَةَ عِنْدَهُمْ) أَىْ فِى
بَلَدِ الْجُمُعَةِ (أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ
أَىْ) كَوَامِلَ (غَيْرَ يَوْمَىِ الدُّخُولِ
وَالْخُرُوجِ) أَوْ أَكْثَرَ (وَ)تَجِبُ
(عَلَى مَنْ بَلَغَهُ نِدَاءُ) الْجُمُعَةِ
مِنْ رَجُلٍ (صَيِّتٍ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِ مِنْ
بَلَدِهَا) أَىْ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ أَقَامَ فِى مَكَانٍ لا
تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لَكِنَّهُ يَسْمَعُ الأَذَانَ مِنْ بَلَدٍ الْجُمُعَةِ
مِنْ رَجُلٍ صَيِّتٍ أَىْ عَالِى الصَّوْتِ يَقِفُ عَلَى طَرَفٍ قَرِيبٍ مِنَ
السَّامِعِ مَعَ اعْتِبَارِ سُكُونِ الرِّيحِ وَكَوْنِ السَّامِعِ مُعْتَدِلَ
السَّمْعِ.
(وَشَرْطُهَا) أَىْ شَرْطُ صِحَّةِ
الْجُمُعَةِ أَنْ تُصَلَّى فِى (وَقْتِ الظُّهْرِ)
فَإِنْ فَاتَتْهُ قَضَاهَا ظُهْرًا (وَخُطْبَتَانِ
قَبْلَهَا فِيهِ يَسْمَعُهُمَا الأَرْبَعُونَ) أَىْ تُشْتَرَطُ خُطْبَتَانِ
بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلِ الصَّلاةِ يَسْمَعُ أَرْكَانَهُمَا
الأَرْبَعُونَ (وَأَنْ تُصَلَّى جَمَاعَةً بِهِمْ)
فَلا تَصِحُّ فُرَادَى (وَأَنْ لا تُقَارِنَهَا)
أَوْ تَسْبِقَهَا جُمُعَةٌ (أُخْرَى بِبَلَدٍ وَاحِدٍ
فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا) الأُخْرَى (بِالتَّحْرِيمَةِ)
أَىْ بِتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ (صَحَّتِ
السَّابِقَةُ وَلَمْ تَصِحَّ الْمَسْبُوقَةُ) وَالْعِبْرَةُ فِى السَّبْقِ
وَالْمُقَارَنَةِ بِالنُّطْقِ بِحَرْفِ الرَّاءِ مِنْ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَ(هَذَا) الْحُكْمُ فِى مَا (إِذَا
كَانَ يُمْكِنُهُمُ الِاجْتِمَاعُ فِى مَكَانٍ وَاحِدٍ) وَلَمْ يَفْعَلُوا
(فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ) عَلَيْهِمْ (صَحَّتِ السَّابِقَةُ وَالْمَسْبُوقَةُ).
(وَأَرْكَانُ الْخُطْبَتَيْنِ حَمْدُ اللَّهِ)
بِلَفْظِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَالصَّلاةُ
عَلَى النَّبِىِّ ﷺ) بِلَفْظِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ
صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَالْوَصِيَّةُ
بِالتَّقْوَى) بِالْحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ أَوِ الزَّجْرِ عَنِ
الْمَعْصِيَةِ فَلَوْ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ أَوْ أَطِيعُوا اللَّهَ كَفَى وَلا
بُدَّ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ وَالْوَصِيَّةِ
بِالتَّقْوَى (فِيهِمَا) أَىْ فِى كُلٍّ مِنَ
الْخُطْبَتَيْنِ (وَ)قِرَاءَةُ (ءَايَةٍ مُفْهِمَةٍ فِى إِحْدَاهُمَا وَالدُّعَاءُ
لِلْمُؤْمِنِينَ فِى الثَّانِيَةِ) بِأَمْرٍ أُخْرَوِىٍّ كَأَنْ يَقُولَ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
(وَشُرُوطُهُمَا) أَىِ الْخُطْبَتَيْنِ
(الطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ) الأَصْغَرِ
وَالأَكْبَرِ (وَ)الطَّهَارَةُ (عَنِ النَّجَاسَةِ) الَّتِى لا يُعْفَى عَنْهَا (فِى الْبَدَنِ) وَالثَّوْبِ (وَالْمَكَانِ) الَّذِى يُلاقِى بَدَنَهُ (وَالْمَحْمُولِ) كَرِدَاءٍ يَضَعُهُ عَلَى
كَتِفَيْهِ (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) وَهِىَ مَا
بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (وَالْقِيَامُ)
فِيهِمَا لِلْقَادِرِ (وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا)
وَأَقَلُّهُ قَدْرُ الطُّمَأْنِينَةِ وَأَكْمَلُهُ قَدْرُ سُورَةِ الإِخْلاصِ (وَالْمُوَالاةُ) بَيْنَهُمَا بِأَنْ لا يَفْصِلَ
بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِمَا
وَالْمُوَالاةُ (بَيْنَ أَرْكَانِهِمَا)
فَإِنْ كَانَ الْفَاصِلُ طَوِيلًا وَكَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْخُطْبَةِ فَلا
تَنْقَطِعُ بِهِ الْمُوَالاةُ كَأَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ
ثُمَّ تَكَلَّمَ طَوِيلًا فِى تَحْذِيرِ النَّاسِ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ أَوْصَى
بِالتَّقْوَى. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْفَاصِلُ قَصِيرًا كَرَدِّ السَّلامِ فَلا
يَضُرُّ لِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ مَرَّةً يَخْطُبُ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مَتَى
السَّاعَةُ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا فَهَذَا لا يُعَدُّ
طَوِيلًا (وَ)الْمُوَالاةُ (بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلاةِ وَأَنْ تَكُونَا)
أَىْ أَرْكَانُهُمَا (بِالْعَرَبِيَّةِ)
وَلَوْ كَانَ كُلُّ الْحَاضِرِينَ أَعَاجِمَ لا يَفْهَمُونَ اللُّغَةَ
الْعَرَبِيَّةَ وَمِنْ شُرُوطِ الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يَكُونَا بَعْدَ دُخُولِ
الْوَقْتِ وَقَبْلَ الصَّلاةِ وَأَنْ يَسْمَعَ الأَرْبَعُونَ أَرْكَانَهُمَا.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ شُرُوطِ
الِاقْتِدَاءِ بِالإِمَامِ فِى الصَّلاةِ.
(وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى
مُقْتَدِيًا) بِغَيْرِهِ (فِى جُمُعَةٍ)
أَىْ فِى صَلاةِ الْجُمُعَةِ (أَوْ غَيْرِهَا)
سَبْعَةُ أُمُورٍ أَحَدُهَا (أَنْ لا يَتَقَدَّمَ
عَلَى إِمَامِهِ فِى الْمَوْقِفِ) أَىْ الْمَكَانِ الَّذِى يَقِفُ فِيهِ
وَالْعِبْرَةُ بِالتَّقَدُّمِ بِعَقِبِ الرِّجْلِ فِى الْقَائِمِ أَىْ مُؤَخَّرِ
قَدَمِهِ فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِعَقِبِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ أَمَّا لَوْ
قَارَنَهُ فِى الْمَوْقِفِ فَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ (وَ)أَنْ
لا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِتَكْبِيرَةِ (الإِحْرَامِ)
فَيَجِبُ تَأْخِيرُ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ
الإِمَامِ (بَلْ تُبْطِلُ الْمُقَارَنَةُ)
لِلإِمَامِ (فِى الإِحْرَامِ وَتُكْرَهُ فِى غَيْرِهِ)
مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ
الْمَأْمُومِ مُتَأَخِّرًا عَنِ ابْتِدَاءِ إِمَامِهِ (إِلَّا
التَّأْمِينَ) أَىْ قَوْلَ ءَامِين عَقِبَ الْفَاتِحَةِ فَالأَفْضَلُ فِيهِ
الْمُقَارَنَةُ أَىْ لا يَسْبِقُهُ وَلا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ. (وَيَحْرُمُ تَقَدُّمُهُ) عَلَى الإِمَامِ (بِرُكْنٍ فِعْلِىٍّ) كَأَنْ رَكَعَ ثُمَّ اعْتَدَلَ
وَالإِمَامُ قَائِمٌ وَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ أَمَّا لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ
بِبَعْضِ الرُّكْنِ كَأَنْ رَكَعَ ثُمَّ انْتَظَرَهُ فِى الرُّكُوعِ حَتَّى رَكَعَ
الإِمَامُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلا يَحْرُمُ التَّقَدُّمُ عَلَى الإِمَامِ بِرُكْنٍ
قَوْلِىٍّ غَيْرِ السَّلامِ. (وَتَبْطُلُ الصَّلاةُ)
أَىْ صَلاةُ الْمَأْمُومِ (بِالتَّقَدُّمِ عَلَى
الإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ طَوِيلَيْنِ أَوْ طَوِيلٍ
وَقَصِيرٍ بِلا عُذْرٍ) كَأَنْ رَكَعَ ثُمَّ اعْتَدَلَ وَهَوَى لِلسُّجُودِ
وَالإِمَامُ قَائِمٌ وَالرُّكْنُ الطَّوِيلُ هُوَ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
وَالْقَصِيرُ هُوَ كَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (وَكَذَا التَّأَخُّرُ عَنْهُ بِهِمَا بِغَيْرِ عَذْرٍ)
أَىِ التَّأَخُّرُ عَنِ الإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ
فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلاةِ (وَ)تَبْطُلُ
الصَّلاةُ بِالتَّأَخُّرِ عَنِ الإِمَامِ (بِأَكْثَرَ
مِنْ ثَلاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَلَوْ) كَانَ تَأَخُّرُهُ (لِعُذْرٍ) كَأَنْ كَانَ نَاسِيًا أَنَّهُ فِى
الصَّلاةِ أَوْ أَنَّهُ مُقْتَدٍ أَوْ كَانَ بَطِىءَ الْقِرَاءَةِ (فَلَوْ تَأَخَّرَ) الْمَأْمُومُ (لِإِتْمَامِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى فَرَغَ الإِمَامُ مِنَ
الرُّكُوعِ وَالسُّجُودَيْنِ فَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ) الأَخِيرِ أَوِ
الأَوَّلِ (أَوْ قَامَ) لِرَكْعَةٍ أُخْرَى (وَافَقَ الإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ
بَعْدَ سَلامِ إِمَامِهِ) فَإِنْ لَمْ يُتَابِعِ الإِمَامَ بَعْدَ
دُخُولِهِ فِى الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَلا نَوَى مُفَارَقَتَهُ بَلِ اسْتَمَّرَ على
تَرْتِيبِ نَفْسِهِ بَطَلَتْ صَلاتُهُ (وَ)أَمَّا
(إِنْ أَتَمَّهَا) أَىِ الْفَاتِحَةَ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَىْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الإِمَامُ
فِى الرُّكْنِ الرَّابِعِ (مَشَى عَلَى تَرْتِيبِ
نَفْسِهِ).
(وَ)يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقُدْوَةِ
(أَنْ يَعْلَمَ) الْمَأْمُومُ (بِانْتِقَالاتِ إِمَامِهِ) بِرُؤْيَةِ الإِمَامِ
أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ بِسَمَاعِ صَوْتِ الإِمَامِ وَلَوْ بِوَاسِطَةِ
الآلَةِ أَوْ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ.
(وَأَنْ يَجْتَمِعَا) أَىِ الإِمَامُ
وَالْمَأْمُومُ فِى مَكَانٍ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَا (فِى مَسْجِدٍ) صَحَّتِ الْقُدْوَةُ وَإِنْ بَعُدَتِ
الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا جِدًّا بِشَرْطِ إِمْكَانِ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُونَا فِى مَسْجِدٍ بَلْ
كَانَا فِى مَكَانٍ ءَاخَرَ (فَـفِى مَسَافَةِ
ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ يَدَوِيَّةٍ) أَىِ اشْتُرِطَ أَنْ لا تَزِيدَ
الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَ الْمَأْمُومِ وَالصَّفِّ الَّذِى قَبْلَهُ
عَلَى ثَلاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا إِنْ كَانَ الْمَأْمُومُونَ صُفُوفًا
مُتَتَابِعَةً.
(وَأَنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ
يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ) أَىْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقُدْوَةِ فِى
غَيْرِ الْمَسْجِدِ عَدَمُ وُجُودِ حَائِلٍ بَيْنَهُمَا يَمْنَعُ مُرُورَ
الْمَأْمُومِ إِلَى الإِمَامِ كَجِدَارٍ أَوْ بَابٍ مُغْلَقٍ أَوْ شُبَّاكٍ أَوْ
يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الإِمَامِ كَبَابٍ مَرْدُودٍ.
(وَأَنْ يَتَوَافَقَ نَظْمُ) أَىْ
هَيْئَةُ (صَلاتَيْهِمَا) وَذَلِكَ بِأَنْ
يَتَّفِقَا فِى الأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى عَدَدِ
الرَّكَعَاتِ وَالنِّيَّةِ كَالصُّبْحِ مَعَ الظُّهْرِ (فَلا
تَصِحُّ قُدْوَةُ مُصَلِّى الْفَرْضِ) كَظُهْرٍ (خَلْفَ)
مَنْ يُصَلِّى (صَلاةَ الْجِنَازَةِ) لِعَدَمِ
اتِّفَاقِهِمَا فِى النَّظْمِ.
(وَأَنْ لا يُخَالِفَ) الْمَأْمُومُ (الإِمَامَ فِى سُنَّةٍ تَفْحُشُ الْمُخَالَفَةُ فِيهَا
فِعْلًا كَالتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أَىْ جُلُوسِهِ) فَإِنْ تَرَكَهُ
الإِمَامُ وَفَعَلَهُ الْمَأْمُومُ بَطَلَتْ صَلاةُ الْمَأْمُومِ (وَتَرْكًا كَسُجُودِ السَّهْوِ) فَإِنْ فَعَلَهُ
الإِمَامُ وَتَرَكَهُ الْمَأْمُومُ بَطَلَتْ صَلاةُ الْمَأْمُومِ إِنْ كَانَ
عَالِمًا بِالْحُكْمِ وَتَعَمَّدَ ذَلِكَ.
(وَ)يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقُدْوَةِ
(أَنْ يَنْوِىَ) الْمَأْمُومُ (الِاقْتِدَاءَ) أَوِ الْجَمَاعَةَ (مَعَ التَّحَرُّمِ) أَىْ فِى أَثْنَاءِ تَكْبِيرَةِ
الإِحْرَامِ (فِى) صَلاةِ (الْجُمُعَةِ) وَالْمُعَادَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ
لِلْمَطَرِ وَالْمَنْذُورَةِ جَمَاعَةً (وَ)أَنْ
يَنْوِىَ الِاقْتِدَاءَ (قَبْلَ الْمُتَابَعَةِ)
لِلإِمَامِ (وَطُولِ الِانْتِظَارِ) لَهُ (فِى غَيْرِهَا) أَىْ فِى غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ
الْمَذْكُورَاتِ وَلَوْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ فَإِنْ تَابَعَهُ بِلا نِيَّةِ
اقْتِدَاءٍ كَأَنِ انْتَظَرَ رُكُوعَهُ فَرَكَعَ بَعْدَ رُكُوعِهِ أَوِ انْتَظَرَ
سُجُودَهُ فَسَجَدَ بَعْدَ سُجُودِهِ كَأَنَّهُ مَأْمُومٌ وَهُوَ لَيْسَ
بِمَأْمُومٍ فَسَدَتْ صَلاتُهُ إِنْ طَالَ انْتِظَارُهُ وَأَمَّا إِنِ انْتَظَرَهُ
انْتِظَارًا طَوِيلًا وَلَمْ يُتَابِعْهُ فِى الْفِعْلِ أَوْ تَابَعَهُ
مُصَادَفَةً بِغَيْرِ قَصْدٍ فَلا تَفْسُدُ صَلاتُهُ وَكَذَا إِنْ تَابَعَهُ فِى
الأَقْوَالِ إِلَّا فِى السَّلامِ.
(وَيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ نِيَّةُ
الإِمَامَةِ) أَوِ الْجَمَاعَةِ فِى التَّكْبِيرِ (فِى) صَلاةِ (الْجُمُعَةِ
وَالْمُعَادَةِ) وَالْمَجْمُوعَةِ لِلْمَطَرِ وَالْمَنْذُورَةِ جَمَاعَةً (وَتُسَنُّ فِى غَيْرِهِا). (وَ)الصَّلاةُ (الْمُعَادَةُ هِىَ
الصَّلاةُ الَّتِى يُصَلِّيهَا) الشَّخْصُ (جَمَاعَةً
مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ أَنْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً أَو مُنْفَرِدًا).
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ.
(غَسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاةُ
عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَىْ فَرْضٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ
عَلِمَ بِحَالِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ (إِذَا كَانَ
مُسْلِمًا) وَلَوْ كَانَ طِفْلًا (وُلِدَ
حَيًّا) وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُرْتَدُّ وَالْكَافِرُ الأَصْلِىُّ غَيْرُ
الذِّمِّىِّ فَلا يَجِبُ لَهُمَا شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
(وَوَجَبَ لِـذِمِّىٍّ) أَىْ
يَهُودِىٍّ أَوْ نَصْرَانِىٍّ يَدْفَعُ الْجِزْيَةَ (تَكْفِينٌ
وَدَفْنٌ) إِنْ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ أَهْلُ مِلَّتِهِ لَكِنْ لا يَجُوزُ
دَفْنُهُ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ.
(وَ)وَجَبَ (لِسِقْطٍ
مَيِّتٍ) أَىْ وُلِدَ مَيِّتًا (غَسْلٌ
وَكَفَنٌ وَدَفْنٌ) إِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ خِلْقَةُ ءَادَمِىٍّ وَإِلَّا
نُدِبَ لَفُّهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ (وَلا يُصَلَّى
عَلَيْهِمَا) أَىِ الذِّمِىِّ وَالسِّقْطِ الْمَيِّتِ.
(وَمَنْ مَاتَ فِى قِتَالِ الْكُفَّارِ
بِسَبَبِهِ) أَىْ مَاتَ مُسْلِمًا بِسَبَبِ الْقِتَالِ (كُفِّنَ فِى ثِيَابِهِ) الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ
نَدْبًا (فَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ) لِسَتْرِ
جَسَدِهِ (زِيدَ عَلَيْهَا) إِلَى ثَلاثِ
لَفَائِفَ (وَدُفِنَ) فِى مَقَابِرِ
الْمُسْلِمِينَ (وَلا يُغَسَّلُ وَلا يُصَلَّى
عَلَيْهِ) أَىْ لا يَجُوزُ غَسْلُهُ وَلا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَهَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ أَىْ غَفَرَ ذُنُوبَهُ
وَتَوَلَّاهُ بِرَحْمَتِهِ فَأَغْنَاهُ عَنْ دُعَاءِ الْمُصَلِّينَ.
(وَأَقَلُّ الْغُسْلِ) لِلْمَيِّتِ (إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ) إِنْ كَانَتْ عَلَى
بَدَنِهِ (وَتَعْمِيمُ جَمِيعِ) بَدَنِهِ (بَشَرِهِ وَشَعَرِهِ وَإِنْ كَثُفَ مَرَّةً)
وَاحِدَةً (بِالْمَاءِ) الطَّاهِرِ (الْمُطَهِّرِ) وَالأَفْضَلُ تَثْلِيثُ غَسْلِهِ.
(وَأَقَلُّ الْكَفَنِ سَاتِرٌ)
يَسْتُرُ (جَمِيعَ الْبَدَنِ) إِلَّا رَأْسَ
مُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَوَجْهَ مُحْرِمَةٍ فَلا يَجُوزُ سَتْرُهُمَا (وَثَلاثُ لَفَائِفَ لِمَنْ تَرَكَ تَرِكَةً زَائِدَةً عَلَى
دَيْنِهِ وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهَا) أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ
أَصْلًا فَإِنْ أَوْصَى بِتَرْكِ تَكْفِينِهِ بِالثَّلاثِ فَالْوَاجِبُ فِى
حَقِّهِ مَا يَسْتُرُ الْبَدَنَ.
(وَأَقَلُّ الصَّلاةِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِىَ
فِعْلَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ وَالْفَرْضَ وَيُعَيِّنَ) أَنَّهَا صَلاةُ
جِنَازَةٍ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ أُصَلِّى فَرْضَ صَلاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى
هَذَا الْمَيِّتِ (وَيَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَهُوَ
قَائِمٌ إِنْ قَدَرَ ثُمَّ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ
ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) وَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُ
الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ وَلا تَأْخِيرُهَا (ثُمَّ
يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ) ثُمَّ يَقُولَ (اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ) وَالأَكْمَلُ الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا
وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ
أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا
فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ (ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُ
أَكْبَرُ) اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ
وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ ثُمَّ يَقُولَ (السَّلامُ
عَلَيْكُمْ). وَصَلاةُ الْجِنَازَةِ لا رُكُوعَ وَلا سُجُودَ فِيهَا
يُصَلِّيهَا الْمُؤْمِنُ قَائِمًا إِنْ قَدَرَ.
(وَلا بُدَّ فِيهَا مِنَ شُرُوطِ الصَّلاةِ)
كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالطَّهَارَةِ عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَعَنِ
النَّجَاسَةِ الَّتِى لا يُعْفَى عَنْهَا (وَتَرْكِ
الْمُبْطِلاتِ).
(وَأَقَلُّ الدَّفْنِ) لِلْمَيِّتِ
أَنْ يُدْفَنَ فِى (حُفْرَةٍ تَكْتُمُ رَائِحَتَهُ)
بَعْدَ طَمِّهِ (وَتَحْرُسُهُ مِنَ السِّبَاعِ)
أَنْ تَنْبُشَهُ وَتَأْكُلَ جُثَّتَهُ (وَيُسَنُّ
أَنْ يُعَمَّقَ) الْقَبْرُ (قَدْرَ قَامَةِ
وَبَسْطَةٍ) بِأَنْ يَقُومَ فِيهِ وَيَبْسُطَ يَدَهُ مُرْتَفِعَةً وَهِىَ
أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْيَدِ تَقْرِيبًا (وَ)أَنْ (يُوَسَّعَ)
بِحَيْثُ يَسَعُ مَنْ يُنْزِلُهُ وَمُعِينَهُ (وَيَجِبُ
تَوْجِيهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُضْجَعَ عَلَى جَنْبِهِ
مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ.
(وَلا يَجُوزُ الدَّفْنُ فِى الْفِسْقِيَّةِ)
لِأَنَّ فِيهِ إِدْخَالَ مَيِّتٍ عَلَى ءَاخَرَ قَبْلَ بِلاهُ وَلا تَمْنَعُ
الرَّائِحَةَ فَهِىَ إِهَانَةٌ لِلْمَيِّتِ. وَالْفِسْقِيَّةُ هِىَ بِنَاءٌ
تُجْمَعُ فِيهِ الْجَنَائِزُ.
(كِتَابُ الزَّكَاةِ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الزَّكَاةِ وَهِىَ اسْمٌ لِمَا يُخْرَجُ عَنْ مَالٍ أَوْ بَدَنٍ عَلَى وَجْهٍ
مَخْصُوصٍ.
(وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِى) الأَنْعَامِ
وَهِىَ (الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ)
الشَّامِلُ لِلضَّأْنِ وَالْمَعْزِ (وَ)فِى (التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالزُّرُوعِ الْمُقْتَاتَةِ
حَالَةَ الِاخْتِيَارِ) وَهِىَ الَّتِى يَتَّخِذُهَا النَّاسُ قُوتًا فِى
أَيَّامِ الرَّخَاءِ وَالْقُوتُ هُوَ مَا يَعِيشُ بِهِ الْبَدَنُ كَالْحِنْطَةِ
وَالشَّعِيرِ وَالْحِمَّصِ وَالْفُولِ (وَ)تَجِبُ
الزَّكَاةُ فِى (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ مِنْهُمَا) وَالْمَعْدِنُ هُوَ الذَّهَبُ أَوِ
الْفِضَّةُ الْمُسْتَخْرَجَانِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى خُلِقَا فِيهِ بَعْدَ
التَّنْقِيَةِ مِنَ التُّرَابِ وَأَمَّا الرِّكَازُ فَهُوَ الذَّهَبُ أَوِ
الْفِضَّةُ الْمَدْفُونَانِ قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ (وَ)تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى (أَمْوَالِ
التِّجَارَةِ وَ)أَمَّا زَكَاةُ (الْفِطْرِ)
فَلا تُعَدُّ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِى حَقِّ الطِّفْلِ
الْمَوْلُودِ.
وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ فِى الأَنْعَامِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ (وَأَوَّلُ نِصَابِ الإِبِلِ) أَىْ أَوَّلُ قَدْرٍ
تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ (خَمْسٌ) مِنَ
الإِبِلِ (وَ)أَوَّلُ نِصَابِ (الْبَقَرِ ثَلاثُونَ وَالْغَنَمِ أَرْبَعُونَ فَلا زَكَاةَ
قَبْلَ ذَلِكَ) أَىْ قَبْلَ بُلُوغِ النِّصَابِ (وَلا
بُدَّ مِنَ الْحَولِ بَعْدَ ذَلِكَ) أَىْ لا بُدَّ مِنْ مُضِىِّ سَنَةٍ
قَمَرِيَّةٍ ابْتِدَاءً مِنْ تَمَامِ النِّصَابِ (وَلا
بُدَّ مِنَ السَّوْمِ فِى كَلَإٍ مُبَاحٍ أَىْ أَنْ يَرْعَاهَا مَالِكُهَا أَوْ
مَنْ أَذِنَ لَهُ) الْمَالِكُ (فِى كَلَإٍ
مُبَاحٍ أَىْ مَرْعًى لا مَالِكَ لَهُ) فَلا زَكَاةَ فِى الأَنْعَامِ
الْمَعْلُوفَةِ أَوِ السَّائِمَةِ بِنَفْسِهَا (وَأَنْ
لا تَكُونَ) الأَنْعَامُ (عَامِلَةً فَالْعَامِلَةُ
فِى نَحْوِ الْحَرْثِ لا زَكَاةَ فِيهَا فَيَجِبُ فِى كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ
شَاةٌ) أَىْ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَكْمَلَتْ سَنَةً أَوْ أَسْقَطَتْ مُقَدَّمَ
أَسْنَانِهَا أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ أَىْ أُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ أَكْمَلَتْ
سَنَتَيْنِ (وَفِى) كُلِّ (أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ شَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ)
أَكْمَلَتْ سَنَةً (أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ)
أَكْمَلَتْ سَنَتَيْنِ (وَ)يَجِبُ (فِى كُلِّ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ ذَكَرٌ)
مِنَ الْبَقَرِ أَكْمَلَ سَنَةً وَيُجْزِئُ أَنْ يُخْرِجَ عَنِ الثَّلاثِينَ مِنَ
الْبَقَرِ تَبِيعَةً (ثُمَّ إِنْ زَادَتْ مَاشِيَتُهُ
عَلَى ذَلِكَ) الْعَدَدِ (فَفِى ذَلِكَ
الزَّائِدِ) تَفْصِيلٌ يُعْلَمُ مِنْ كُتُبٍ أُخْرَى (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَىْ عَلَى مَنْ مَلَكَ شَيْئًا
زَائِدًا عَلَى النِّصَابِ الَّذِى ذَكَرْنَاهُ (أَنْ
يَتَعَلَّمَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيهَا) أَىْ فِى
مَاشِيَتِهِ.
(وَأَمَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ
وَالزُّرُوعُ) الْمُقْتَاتَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ (فَأَوَّلُ نِصَابِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَهِىَ
ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ بِصَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ) فَلا
زَكَاةَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ. وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ
أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ مِلْءُ كَفَّىْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ (وَ)صَاعُ
النَّبِىِّ ﷺ (مِعْيَارُهُ) أَىْ مِقْدَارُهُ
(مَوْجُودٌ) إِلَى الآنَ (بِالْحِجَازِ).
(وَ)مِنْ أَحْكَامِ الزُّرُوعِ أَنَّهُ
(يُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِى
إِكْمَالِ النِّصَابِ) إِنِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ كَالْحِنْطَةِ مَعَ
الْحِنْطَةِ وَكَانَ الْحَصَادُ فِى عَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ
حَصَادَىِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى دُونَ اثْنَىْ عَشَرَ شَهْرًا وَلا عِبْرَةَ
بِابْتِدَاءِ الزَّرْعِ (وَلا يُكَمَّلُ جِنْسٌ
بِجِنْسٍ) ءَاخَرَ لِإِتْمَامِ النِّصَابِ (كَالشَّعِيرِ
مَعَ الْحِنْطَةِ).
(وَتَجِبُ الزَّكَاةُ) فِى التَّمْرِ
وَالزَّبِيبِ (بِبُدُوِّ الصَّلاحِ) أَىْ
صَلاحِ الثَّمَرِ وَلَوْ فِى حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ وَعَلامَتُهُ فِى الزُّرُوعِ (اشْتِدَادُ الْحَبِّ) بِأَنْ يَبْلُغَ حَالَةً
يُقْصَدُ لِلأَكْلِ فِيهَا وَلا يَصِحُّ الإِخْرَاجُ إِلَّا بَعْدَ جَفَافِ
التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَتَصْفِيَةِ الْحَبِّ مِنْ سُنْبُلِهِ.
(وَيَجِبُ فِيهَا) أَىْ فِى التَّمْرِ
وَالزَّبِيبِ وَالْحَبِّ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَأَرُزٍ (الْعُشْرُ)
أَىْ عُشْرُ الْمَحْصُولِ (إِنْ لَمْ تُسْقَ
بِمُؤْنَةٍ) أَىْ إِنْ سُقِيَتْ بِلا كُلْفَةٍ كَأَنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ
الْمَطَرِ (وَنِصْفُهُ إِنْ سُقِيَتْ بِهَا)
أَىْ يَجِبُ فِيهَا نِصْفُ الْعُشْرِ إِنْ سُقِيَتْ بِكُلْفَةٍ كَالْمَسْقِىِّ
بِالْمَاءِ الْمَنْقُولِ عَلَى الدَّوَابِّ (وَمَا
زَادَ عَلَى النِّصَابِ أُخْرِجَ مِنْهُ بِقِسْطِهِ) أَىْ لا يُعْفَى عَنِ
الزَّائِدِ عِنْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (وَلا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ إِلَّا أَنْ
يَتَطَوَّعَ) فَيَكُونَ صَدَقَةً.
(وَأَمَّا الذَّهَبُ فَنِصَابُهُ) أَىِ
الْقَدْرُ الَّذِى تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ (عِشْرُونَ
مِثْقَالًا) أَىْ مَا يُسَاوِى خَمْسَةً وَثَمَانِينَ غرَامًا تَقْرِيبًا
مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ (وَ)أَمَّا (الْفِضَّةُ) فَنِصَابُهَا (مِائَتَا
دِرْهَمٍ) أَىْ مَا يُسَاوِى خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَتِسْعِينَ غرَامًا
تَقْرِيبًا مِنَ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ (وَيَجِبُ
فِيهِمَا رُبْعُ الْعُشْرِ وَمَا زَادَ) عَلَى النِّصَابِ (فَبِحِسَابِهِ) وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ يَسِيرًا (وَلا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ) مُضِىِّ (الْحَوْلِ) لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ (إِلَّا مَا حَصَلَ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ رِكَازٍ)
وَبَلَغَ نِصَابًا فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ (فَيُخْرِجُهَا)
أَىِ الزَّكَاةَ (حَالًا وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ)
وَفِى الْمَعْدِنِ رُبْعُ الْعُشْرِ لِوُجُودِ مُؤْنَةٍ فِى تَصْفِيَتِهِ
وَتَنْقِيَتِهِ مِنَ التُّرَابِ.
(وَأَمَّا زَكَاةُ التِّجَارَةِ فَنِصَابُهَا
نِصَابُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ) الْبِضَاعَةُ (مِنَ
النَّقْدَيْنِ) فَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِذَهَبٍ قُوِّمَتْ بِالذَّهَبِ وَإِنِ
اشْتُرِيَتْ بِفِضَّةٍ قُوِّمَتْ بِالْفِضَّةِ وَإِنِ اشْتُرِيَتْ بِغَيْرِهِمَا
كَالْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ قُوِّمَتْ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِى ذَلِكَ
الْبَلَدِ (وَالنَّقْدَانِ هُمَا الذَّهَبُ
وَالْفِضَّةُ وَلا يُعْتَبَرُ) النِّصَابُ (إِلَّا
ءَاخِرَ الْحَوْلِ) فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْبِضَاعَةِ ءَاخِرَ
الْحَوْلِ نِصَابًا أَىْ قِيمَةُ الْبِضَاعَةِ الَّتِى عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ
شِرَاءِ النَّاسِ لِلْبِضَاعَةِ بِسِعْرِ الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ
شِرَاءِ صَاحِبِ الْبِضَاعَةِ لَهَا وَقِيمَةُ الْبِضَاعَةِ الَّتِى بَاعَهَا
وَقَبَضَ ثَمَنَهَا وَقِيمَةُ الْبِضَاعَةِ الَّتِى بَاعَهَا وَلَمْ يَقْبِضْ
ثَمَنَهَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا (وَيَجِبُ
فِيهَا رُبْعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ) أَىْ قِيمَةِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ
وَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ ذَهَبًا إنْ قُوِّمَتْ بِالذَّهَبِ أَوْ فِضَّةً إنْ
قُوِّمَتْ بِالْفِضَّةِ. (وَمَالُ)
الشَّخْصَيْنِ (الْخَلِيطَيْنِ أَوِ)
الأَشْخَاصِ (الْخُلَطَاءِ كَمَالِ) الشَّخْصِ
(الْمُنْفَرِدِ فِى النِّصَابِ وَ)القَدْرِ (الْمُخْرَجِ) فَإِذَا حَصَلَتِ الْخُلْطَةُ وَكَانَ
الْمَجْمُوعُ نِصَابًا أَخْرَجُوا جَمِيعًا كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِهَذَا
الْمَالِ شَخْصًا وَاحِدًا (إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُ
الْخُلْطَةِ).
(وَزَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ بِإِدْرَاكِ
جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ) أَمَّا إِذَا مَاتَ قَبْلَ
غُرُوبِ شَمْسِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ وُلِدَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلا
يَجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ وَهِىَ تَجِبُ (عَلَى
كُلِّ مُسْلِمٍ) حُرٍّ (عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ
عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ) أَىْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ
عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ (إِذَا
كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ)
كَقَمْحٍ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ (إِذَا فَضَلَتْ
عَنْ دَيْنِهِ) أَىْ إِذَا فَضَلَ مَا يُخْرِجُهُ لِلْفِطْرَةِ عَنْ
دَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا (وَ)عَنْ (كِسْوَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَقُوتِهِ) وَكِسْوَةِ
وَمَسْكَنِ (وَقُوتِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ
يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ) الْمُتَأَخِّرَةَ عَنْهُ وَيَحْرُمُ
تَأْخِيرُ دَفْعِهَا إِلَى مَا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ بِلا
عُذْرٍ.
(وَتَكْفِى النِّيَّةُ فِى جَمِيعِ أَنْوَاعِ
الزَّكَاةِ مَعَ الإِفْرَازِ لِلْقَدْرِ الْمُخْرَجِ) أَىْ مَعَ عَزْلِ
الْقَدْرِ الَّذِى يَكُونُ زَكَاةً عَنْ مَالِهِ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ هَذِهِ
زَكَاةُ مَالِى أَوْ بَدَنِى الْوَاجِبَة.
(وَيَجِبُ صَرْفُهَا) أَىِ الزَّكَاةِ
(إِلَى مَنْ وُجِدَ فِى بَلَدِ الْمَالِ مِنَ
الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ مِنَ الْفُقُرَاءِ) وَالْفَقِيرُ هُوَ الَّذِى
لا يَجِدُ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ (وَالْمَسَاكِينِ)
وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِى يَجِدُ نِصْفَ كِفَايَتِهِ وَلا يَجِدُ تَمَامَهَا (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وَهُمُ الَّذِينَ
وَكَّلَهُمُ الْخَلِيفَةُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لِأَخْذِ الزَّكَوَاتِ مِنْ
أَصْحَابِ الأَمْوَالِ وَدَفْعِهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ
أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَالْمُؤَلَّفَةِ
قُلُوبُهُمْ) كَالَّذِينَ أَسْلَمُوا وَكَانَوا وُجَهَاءَ فِى قَوْمِهِمْ
وَيُرْجَى بِإِعْطَائِهِمْ أَنْ يُسْلِمَ أَمْثَالُهُمْ (وَفِى
الرِّقَابِ) وَهُمُ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَتَشَارَطُوا مَعَ
أَسْيَادِهِمْ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا لَهُمْ مَبْلَغًا مِنَ الْمَالِ لِيَصِيرُوا
أَحْرَارًا لِأَنَّ الإِسْلامَ حَثَّ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ (وَالْغَارِمِينَ وَهُمُ الْمَدِينُونَ الْعَاجِزُونَ عَنِ
الْوَفَاءِ) كَالَّذِينَ اسْتَدَانُوا مَالًا وَصَرَفُوهُ فِى غَيْرِ
مَعْصِيَةٍ فَيُعْطَوْا مِنَ الزَّكَاةِ قَدْرَ دَيْنِهِمْ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ
حَالًّا وَعَجَزَوا عَنْ وَفَائِهِ (وَفِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَهُمُ الْغُزَاةُ الْمُتَطَوِّعُونَ) لِلْجِهَادِ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَ(لَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّ عَمَلٍ خَيْرِىٍّ)
فَلا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ مُسْتَشْفًى (وَابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ الْمُسَافِرُ الَّذِى لَيْسَ
مَعَهُ مَا يُوصِلُهُ إِلَى مَقْصِدِهِ) فَيُعْطَى مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ
مَا يَكْفِيهِ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ (وَلا يَجُوزُ وَلا يُجْزِئُ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِمْ)
أَىْ لا يَجُوزُ وَلا يَصِحُّ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا
فَلا يَجُوزُ دَفْعُهَا لِهَاشِمِىٍّ أَوْ مُطَّلِبِىٍّ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا
وَالْهَاشِمِىُّ هُوَ الْمُسْلِمُ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ
وَالْمُطَّلِبِىُّ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
(كِتَابُ الصِّيَامِ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الصِّيَامِ وَهُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى
الْمَغْرِبِ مَعَ النِّيَّةِ.
(يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ)
بِشَهَادَةِ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ حُرٍّ عَدْلٍ أَنَّهُ رَأَى هِلالَ رَمَضَانَ بَعْدَ
غُرُوبِ شَمْسِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ بِاسْتِكْمَالِ
شَعْبَانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
مُكَلَّفٍ) قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ فَلا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ
الأَصْلِىِّ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ فِى الدُّنْيَا لَكِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى
تَرْكِهِ فِى الآخِرَةِ وَلا يَجِبُ عَلَى الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ لَكِنْ
يَجِبُ عَلَى وَلِىِّ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالصِّيَامِ
بَعْدَ تَمَامِ سَبْعِ سِنِينَ إِنْ أَطَاقَ.
(وَلا يَصِحُّ) وَلا يَجُوزُ الصَّوْمُ
(مِنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا
الْقَضَاءُ) لِلأَيَّامِ الَّتِى أَفْطَرَتَا فِيهَا.
(وَيَجُوزُ الْفِطْرُ لِمُسَافِرٍ)
قَبْلَ الْفَجْرِ (سَفَرَ قَصْرٍ) إِذَا كَانَ
سَفَرُهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ (وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ
عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَ)يَجُوزُ (لِمَرِيضٍ
وَحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ) الصَّوْمُ (مَشَقَّةً لا تُحْتَمَلُ الْفِطْرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ
الْقَضَاءُ) أَىْ يَجُوزُ لِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ أَنْ تُفْطِرَا إِذَا
خَافَتَا عَلَى نَفْسَيْهِمَا الضَّرَرَ أَوْ عَلَى وَلَدَيْهِمَا كَأَنْ عَلِمَتِ
الْحَامِلُ أَوِ الْمُرْضِعُ أَنَّهَا تَتَضَرَّرُ أَوْ يَتَضَرَّرُ الْوَلَدُ
بَعْدَ أَنْ جَرَّبَتْ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا أَمَّا مُجَرَّدُ الْحَمْلِ
وَالإِرْضَاعِ فَلَيْسَ عُذْرًا لِلْفِطْرِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا إِذَا
أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ الْقَضَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَهِىَ لِكُلِّ
يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَالْقُوتُ هُوَ مَا يَعِيشُ بِهِ
الْبَدَنُ كَالْقَمْحِ وَيُجْزِئُ فِى كُلِّ الْبِلادِ وَلا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ.
وَتُدْفَعُ الْفِدْيَةُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فِى يَوْمِهِ وَلا يُقَدَّمُ الدَّفْعُ
كُلُّهُ.
(وَيَجِبُ التَّبْيِيتُ) أَىْ إِيقَاعُ
النِّيَّةِ لَيْلًا (وَالتَّعْيِينُ) أَىْ
تَعْيِينُ الصَّوْمِ (فِى النِّيَّةِ)
كَتَعْيِينِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلا بُدَّ مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ (لِكُلِّ يَوْمٍ) فَلا يَكْفِى أَنْ يَنْوِىَ عَنِ
الشَّهْرِ كُلِّهِ.
(وَ)مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ (الإِمْسَاكُ عَنِ) الْمُفَطِّرَاتِ وَمِنْهَا (الْجِمَاعُ) وَهُوَ مُفْسِدٌ لِصِيَامِ الرَّجُلِ
وَالْمَرْأَةِ (وَالِاسْتِمْنَاءُ وَهُوَ
اسْتِخْرَاجُ الْمَنِىِّ) بِغَيْرِ جِمَاعٍ (بِنَحْوِ
الْيَدِ وَالِاسْتِقَاءَةُ) وَهِىَ اسْتِخْرَاجُ الْقَىْءِ بِنَحْوِ
إِدْخَالِ إِصْبَعِهِ فِى فَمِهِ (وَ)الإِمْسَاكُ
(عَنِ الرِّدَّةِ) أَىِ الْكُفْرِ فَمَنِ
ارْتَدَّ وَلَوْ لَحْظَةً فِى النَّهَارِ بَطَلَ صَوْمُهُ (وَ)الإِمْسَاكُ (عَنْ
دُخُولِ عَيْنٍ جَوْفًا) فَمَنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا لَهُ حَجْمٌ فَدَخَلَ
فِى جَوْفِهِ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ كَالْفَمِ أَوْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِى
دُبُرِهِ وَلَوْ مِقْدَارًا قَلِيلًا وَرَاءَ مَا يُفْرَكُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ
أَفْطَرَ (إِلَّا) إِذَا ابْتَلَعَ (رِيقَهُ الْخَالِصَ الطَّاهِرَ مِنْ مَعْدِنِهِ)
وَهُوَ الْفَمُ فَإِنَّهُ لا يُفْطِرُ وَأَمَّا مَنِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ
الْمُخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ مِنَ الطَّاهِرَاتِ أَوْ رِيقَهُ الْمُتَنَجِّسَ
فَإِنَّهُ يُفْطِرُ (وَ)يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ
الصَّوْمِ (أَنْ لا يُجَنَّ) الصَّائِمُ (وَلَوْ لَحْظَةً وَأَنْ لا يُغْمَى عَلَيْهِ كُلَّ
الْيَوْمِ) أَىْ أَنْ لا يَسْتَغْرِقَ إِغْمَاؤُهُ كُلَّ النَّهَارِ أَمَّا
لَوْ نَامَ كُلَّ الْيَوْمِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
(وَلا يَصِحُّ) وَلا يَجُوزُ (صَوْمُ) يَوْمَىِ (الْعِيدَيْنِ)
الْفِطْرِ وَالأَضْحَى (وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
الثَّلاثَةِ وَهِىَ الَّتِى تَلِى يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى (وَكَذَا) صَوْمُ (النِّصْفِ
الأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ وَيَوْمِ الشَّكِّ) وَهُوَ يَوْمُ الثَّلاثِينَ
مِنْ شَعْبَانَ فَلا يَجُوزُ صَوْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ اعْتِمَادًا
عَلَى خَبَرِ مَنْ لا يَثْبُتُ الصِّيَامُ بِشَهَادَتِهِمْ كَأَصْحَابِ
الْكَبَائِرِ أَنَّهُمْ رَأَوْا هِلالَ رَمَضَانَ فِى التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ لَيْلًا.
وَلا يَجُوزُ صَوْمُ النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ (إِلَّا أَنْ يَصِلَهُ بِمَا قَبْلَهُ) أَىْ إِلَّا إِذَا صَامَ
يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ كَأَنْ صَامَ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ (أَوْ) كَانَ صَوْمُهُ لِلنِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ
شَعْبَانَ (لِقَضَاءِ) أَيَّامٍ فَاتَتْهُ (أَوْ) كَانَ صَوْمَ (نَذْرٍ
أَوْ وِرْدٍ كَمَنِ اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ).
(وَمَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلا
رُخْصَةَ لَهُ فِى فِطْرِهِ) وَكَانَ إِفْسَادُهُ لِلصَّوْمِ (بِجِمَاعٍ فَعَلَيْهِ الإِثْمُ وَالْقَضَاءُ) بَعْدَ
يَوْمِ الْعِيدِ (فَوْرًا وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ
وَهِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ) مُؤْمِنَةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ سَلِيمَةٍ عَمَّا
يُخِلُّ بِالْعَمَلِ كَالْعَمَى وَالْفَالِجِ (فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَوْ فَقِيرًا (أَىْ
تَمْلِيكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدًّا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ)
كَقَمْحٍ وَالْمُدُّ هُوَ مِلْءُ الْكَّفَيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ.
(كِتَابُ الْحَجِّ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْحَجُّ هُوَ قَصْدُ الْكَعْبَةِ بِأَفْعَالٍ
مَخْصُوصَةٍ وَالْعُمْرَةُ هِىَ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ.
(يَجِبُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِى الْعُمُرِ
مَرَّةً) عَلَى التَّرَاخِى لا عَلَى الْفَوْرِ أَىْ إِذَا أَخَّرَ
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْعَامِ الْقَادِمِ وَكَانَ مُسْتَطِيعًا ثُمَّ
حَجَّ وَاعْتَمَرَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ أَمَّا إِنْ
أَخَّرَهُمَا بِلا عُذْرٍ حَتَّى مَاتَ وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. وَالْحَجُّ
وَالْعُمْرَةُ إِنَّمَا يَجِبَانِ (عَلَى الْمُسْلِمِ
الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ بِمَا يُوصِلُهُ) إِلَى مَكَّةَ (وَيَرُدُّهُ إِلَى وَطَنِهِ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ)
أَىْ إِذَا وَجَدَ مَالًا زَائِدًا عَلَى دَيْنِهِ (وَمَسْكَنِهِ)
وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْجَرًا (وَكِسْوَتِهِ
اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ) أَىْ نَفَقَةِ
مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (مُدَّةَ ذَهَابِهِ)
وَإِقَامَتِهِ (وَإِيَّابِهِ).
(وَأَرْكَانُ
الْحَجِّ) أَىِ الأَعْمَالُ الَّتِى لا يَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهَا (سِتَّةٌ الأَوَّلُ الإِحْرَامُ وَهُوَ) نِيَّةُ
الدُّخُولِ فِى عَمَلِ الْحَجِّ أَىْ (أَنْ يَقُولَ
بِقَلْبِهِ دَخَلْتُ فِى عَمَلِ الْحَجِّ أَوْ) يَقُولَ دَخَلْتُ فِى
عَمَلِ الْحَجِّ وَ(الْعُمْرَةِ) إِنْ أَرَادَ
الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا (وَالثَّانِى الْوُقُوفُ
بِعَرَفَةَ) بِأَنْ يَكُونَ فِى أَرْضِ عَرَفَةَ (بَيْنَ
زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى فَجْرِ لَيْلَةِ الْعِيدِ)
وَيُجْزِئُ بِأَىِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَةَ وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا. وَ(الثَّالِثُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ) بِأَنْ يَدُورَ
الْحَاجُّ حَوْلَ الْكَعْبَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ جَاعِلًا الْكَعْبَةَ عَنْ
يَسَارِهِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ. وَ(الرَّابِعُ السَّعْىُ بَيْنَ) جَبَلِ (الصَّفَا وَ)جَبَلِ (الْمَرْوَةِ
سَبْعَ مَرَّاتٍ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِالصَّفَا وَيَنْتَهِى بِالْمَرْوَةِ
وَأَنْ يَكُونَ السَّعْىُ بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ طَوَافِ قُدُومٍ (مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْعَقْدِ) وَالْعَقْدُ
عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَوَّلِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهِىَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ
الآنَ وَلا يَصِحُّ السَّعْىُ فِى الْمَسْعَى الْجَدِيدِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ
خَارِجَ حُدُودِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَرْضًا. (وَالْخَامِسُ
الْحَلْقُ) وَهُوَ اسْتِئْصَالُ الشَّعَرِ بِالْمُوسَى (أَوِ التَّقْصِيرُ) وَهُوَ أَخْذُ شَىْءٍ مِنَ
الشَّعَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْصَالٍ وَأَقَلُّ الْوَاجِبِ إِزَالَةُ ثَلاثِ
شَعَرَاتٍ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ. وَ(السَّادِسُ التَّرْتِيبُ فِى مُعْظَمِ الأَرْكَانِ)
فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الإِحْرَامِ عَلَى الْكُلِّ وَتَأْخِيرُ الطَّوَافِ
وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (وَهِىَ) أَىِ الأَرْكَانُ الْمَذْكُورَةُ (إِلَّا الْوُقُوفَ) بِعَرَفَةَ هِىَ (أَرْكَانٌ لِلْعُمْرَةِ) لَكِنَّ التَّرْتِيبَ فِى
الْعُمْرَةِ وَاجِبٌ فِى جَمِيعِ الأَرْكَانِ بِخِلافِ الْحَجِّ (وَلِهَذِهِ الأَرْكَانِ فُرُوضٌ) كَكَوْنِ
الطَّوْفَاتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (وَشُرُوطٌ)
كَكَوْنِ الطَّوَافِ فِى الْمَسْجِدِ (لا بُدَّ مِنْ
مُرَاعَاتِهَا) لِصِحَّةِ الْعَمَلِ (وَيُشْتَرَطُ
لِلطَّوَافِ قَطْعُ مَسَافَةٍ وَهِىَ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ إِلَى الْحَجَرِ
الأَسْوَدِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَمِنْ شُرُوطِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةُ)
عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَعَنِ النَّجَاسَةِ (وَأَنْ
يَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ لا يَسْتَقْبِلُهَا وَلا يَسْتَدْبِرُهَا).
(وَحَرُمَ
عَلَى مَنْ أَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (طِيبٌ)
أَىِ اسْتِعْمَالُ طِيبٍ فِى مَلْبُوسٍ أَوْ بَدَنٍ كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ
وَفِيهِ فِدْيَةٌ أَمَّا مَنْ كَانَ نَاسِيًا لِلإِحْرَامِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَى
التَّطَيُّبِ أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (وَدَهْنُ) شَعْرِ (رَأْسٍ
وَلِحْيَةٍ) بِمَا يُسَمَّى دُهْنًا سَوَاءٌ كَانَ (بِزَيْتٍ أَوْ شَحْمٍ أَوْ شَمْعِ عَسَلٍ ذَائِبَيْنِ
وَإِزَالَةُ ظُفْرٍ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (وَ)إِزَالَةُ
(شَعَرٍ) مِنْ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَجِمَاعٌ وَمُقَدِّمَاتُهُ) كَتَقْبِيلٍ بِشَهْوَةٍ
(وَعَقْدُ النِّكَاحِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ لا
يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكِحُ (وَصَيْدُ
مَأْكُولٍ بَرِّىٍّ وَحْشِىٍّ) كَالنَّعَامَةِ وَالضَّبُعِ بِخِلافِ غَيْرِ
الْمَأْكُولِ وَالْبَحْرِىِّ وَالْمُسْتَأْنِسِ وَكُلِّ حَيَوَانٍ مُؤْذٍ
بِطَبْعِهِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فَلا يَحْرُمُ اصْطِيَادُهُ (وَ)يَحْرُمُ (عَلَى
الرَّجُلِ) الْمُحْرِمِ (سَتْرُ رَأْسِهِ)
بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا كَقَلَنْسُوَةٍ (وَلُبْسُ
مُحِيطٍ بِخِيَاطَةٍ) أَىْ مَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ
بِسَبَبِ خِيَاطَةٍ كَقَمِيصٍ طَوِيلٍ أَوْ سِرْوَالٍ (أَوْ
لِبْدٍ) أَىْ مَا يَتَلَبَّدُ مِنْ شَعَرٍ أَوْ صُوفٍ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ (أَوْ نَحْوِهِ). (وَ)يَحْرُمُ
(عَلَى) الْمَرْأَةِ (الْمُحْرِمَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا) أَىْ تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا بِمَا
يُعَدُّ سَاتِرًا (وَ)لُبْسُ (قُفَّازٍ) وَهُوَ شَىْءٌ يُعْمَلُ لِلْكَفِّ
لِيَقِيَهَا مِنَ الْبَرْدِ (فَمَنْ) كَانَ
مُحْرِمًا ثُمَّ (فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ
الْمُحَرَّمَاتِ فَعَلَيْهِ الإِثْمُ وَالْفِدْيَةُ) وَهِىَ فِى الطِّيبِ
وَالدُّهْنِ وَلُبْسِ شَىْءٍ يُحِيطُ بِالْبَدَنِ بِخِيَاطَةٍ وَإِزَالَةِ ثَلاثِ
شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلاثَةِ أَظْفَارٍ أَوْ أَكْثَرَ وَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ
كَالتَّقْبِيلِ بِشَهْوَةٍ وَالْجِمَاعِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ أَىْ
بَعْدَ فِعْلِ اثْنَيْنِ مِنْ ثَلاثَةٍ طَوَافِ الْفَرْضِ وَالْحَلْقِ أَوِ
التَّقْصِيرِ وَرَمْىِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ شَاةٌ أَوِ التَّصَدُّقُ بِثَلاثَةِ
ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ وَهِىَ اثْنَتَا عَشْرَةَ حَفْنَةً بِكَفَّىْ رَجُلٍ
مُعْتَدِلٍ أَوْ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (وَيَزِيدُ
الْجِمَاعُ) قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ (بِالإِفْسَادِ)
لِلْحَجِّ (وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ فَوْرًا وَإِتْمَامِ
الْفَاسِدِ فَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ يَمْضِى فِيهِ وَلا يَقْطَعُهُ
ثُمَّ يَقْضِى فِى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ).
(وَيَجِبُ)
عَلَى مُرِيدِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ (أَنْ
يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَالْمِيقَاتُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِى عَيَّنَهُ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُحْرَمَ مِنْهُ كَالأَرْضِ الَّتِى تُسَمَّى ذَا
الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ) إِلَى
مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَيُسَمُّونَهَا الْيَوْمَ ءَابَارَ عَلِىٍّ.
وَمِيقَاتُ الْمَكِّىِّ لِلْحَجِّ مَكَّةُ أَىْ يُحْرِمُ مِنْهَا لِلْحَجِّ أَمَّا
مِيقَاتُهُ لِلْعُمْرَةِ فَهُوَ مَا كَانَ خَارِجَ حُدُودِ حَرَمِ مَكَّةَ مِنْ
أَىِّ جِهَةٍ كَانَ. (وَ)يَجِبُ (فِى الْحَجِّ) دُونَ الْعُمْرَةِ (مَبِيتُ) الْحَاجِّ فِى أَرْضِ (مُزْدَلِفَةَ عَلَى قَوْلٍ) أَىْ مُرُورُهُ فِى
شَىْءٍ مِنْ أَرْضِهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَلَوْ لَحْظَةً (وَ)يَجِبُ الْمَبِيتُ (بِمِنًى
عَلَى قَوْلٍ) أَىْ أَنْ يَكُونَ فِى أَرْضِ مِنًى مُعْظَمَ اللَّيْلِ أَىْ
لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَالثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ
التَّشْرِيقِ (وَلا يَجِبَانِ عَلَى قَوْلٍ).
(وَ)يَجِبُ (رَمْىُ
جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) أَىْ يَوْمَ الْعِيدِ بِسَبْعِ
حَصَيَاتٍ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيَبْقَى
وَقْتُهُ إِلَى ءَاخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَ)يَجِبُ
(رَمْىُ الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ) الصُّغْرَى
وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِى كُلِّ يَوْمٍ مِنْ (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ
الظُّهْرِ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يَبْدَأُ بِالصُّغْرَى ثُمَّ
الْوُسْطَى ثُمَّ يَخْتِمُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلَهُ تَأْخِيرُ رَمْىِ
الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى إِلَى الثَّالِثِ (وَ)يَجِبُ
(طَوَافُ الْوَدَاعِ عَلَى قَوْلٍ فِى الْمَذْهَبِ)
وَيُسَنُّ عَلَى قَوْلٍ.
(وَهَذِهِ
الأُمُورُ السِّتَّةُ) هِىَ وَاجِبَاتُ الْحَجِّ (مَنْ
لَمْ يَأْتِ بِهَا لا يَفْسُدُ حَجُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمٌ
وَفِدْيَةٌ بِخِلافِ) مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ (الأَرْكَانِ
الَّتِى مَرَّ ذِكْرُهَا فَإِنَّ الْحَجَّ لا يَحْصُلُ بِدُونِهَا وَمَنْ
تَرَكَهَا لا يَجْبُرُهُ دَمٌ أَىْ ذَبْحُ شَاةٍ) أَىْ لا يَكْفِيهِ إِنْ
تَرَكَ رُكْنًا مِنَ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً بَلْ لا بُدَّ أَنْ
يَأْتِىَ بِهِ لِصِحَّةِ حَجَّهِ.
(وَيَحْرُمُ
صَيْدُ الْحَرَمَيْنِ) حَرَمِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَنَبَاتُهُمَا) فَلا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِهِمَا
أَوْ قَلْعُهُ (عَلَى مُحْرِمٍ وَحَلالٍ) أَىْ
غَيْرِ مُحْرِمٍ (وَتَزِيدُ مَكَّةُ) عَلَى
الْمَدِينَةِ (بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ) فِى
الصَّيْدِ وَالنَّبَاتِ (فَلا فِدْيَةَ فِى صَيْدِ
حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَقَطْعِ نَبَاتِهَا وَ)حَدُّ (حَرَمِ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ جَبَلِ عَيْرٍ وَجَبَلِ
ثَوْرٍ).
(كِتَابُ الْمُعَامَلاتِ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَهَمِيَّةِ
تَعَلُّمِ أَحْكَامِ الْمُعَامَلاتِ.
(يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ)
أَىْ بَالِغٍ عَاقِلٍ (أَنْ لا يَدْخُلَ فِى شَىْءٍ)
مِنَ الْمُعَامَلاتِ (حَتَّى يَعْلَمَ مَا أَحَلَّ
اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَمَا حَرَّمَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَعَبَّدَنَا
أَىْ كَلَّفَنَا) وَأَمَرَنَا (بِأَشْيَاءَ
فَلا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا تَعَبَّدَنَا) اللَّهُ بِهِ بِأَنْ
نُؤَدِّيَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى أَمَرَنَا بِهِ (وَقَدْ
أَحَلَّ) اللَّهُ (الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبَا وَقَدْ قَيَّدَ الشَّرْعُ هَذَا الْبَيْعَ بِآلَةِ التَّعْرِيفِ)
أَىْ عَرَّفَهُ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَهِىَ الأَلِفُ وَاللَّامُ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فَعَلِمْنَا أَنَّ
الْبَيْعَ الَّذِى أَحَلَّهُ اللَّهُ هُوَ الْبَيْعُ الْمَعْهُودُ فِى شَرْعِهِ
بِالْحِلِّ (لِأَنَّهُ لا يَحِلُّ كُلُّ بَيْعٍ
إِلَّا مَا اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ وَالأَرْكَانَ فَلا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا)
حَتَّى لا يَقَعَ الشَّخْصُ فِى مَا حَرَّمَ اللَّهُ (فَعَلَى
مَنْ أَرَادَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ وَإِلَّا أَكَلَ
الرِّبَا شَاءَ أَمْ أَبَى) أَىْ قَصَدَ الْوُقُوعَ فِيهِ أَمْ لَمْ
يَقْصِدْ (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّاجِرُ
الصَّدُوقُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ. وَالتَّاجِرُ الصَّدُوقُ هُوَ
الَّذِى يُرَاعِى حُكْمَ اللَّهِ فِى تِجَارَتِهِ فَيَتَجَنَّبُ الْخِيَانَةَ
وَالْكَذِبَ وَالْغَشَّ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ (وَمَا ذَاكَ) الْفَضْلُ الَّذِى ذَكَرَهُ النَّبِىُّ
ﷺ وَالأَجْرُ الْعَظِيمُ لِلتَّاجِرِ الصَّدُوقِ (إِلَّا
لِأَجْلِ مَا يَلْقَاهُ مِنْ مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ وَقَهْرِهَا عَلَى
إِجْرَاءِ الْعُقُودِ عَلَى الطَّرِيقِ الشَّرْعِىِّ وَإِلَّا) اسْتَحَقَّ
عَذَابَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (فَلا
يَخْفَى مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ مَنْ تَعَدَّى الْحُدُودَ) مِنَ الْعَذَابِ
الأَلِيمِ (ثُمَّ إِنَّ بَقِيَّةَ الْعُقُودِ مِنَ
الإِجَارَةِ) وَهِىَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ بِعِوَضٍ مَعَ بَقَاءِ
الْعَيْنِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ (وَالْقِرَاضِ)
وَهُوَ تَفْوِيضُ الشَّخْصِ وَإِذْنُهُ لِشَخْصٍ أَنْ يَعْمَلَ فِى مَالِهِ فِى
نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مِنَ التِّجَارَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ
مُشْتَرَكًا (وَالرَّهْنِ) وَهُوَ جَعْلُ
عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ أَى مَرْبُوطَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى
مِنْهَا الدَّيْنُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ وَيَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ
يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ (وَالْوَكَالَةِ)
وَهِىَ تَفْوِيضُ شَخْصٍ إِلَى غَيْرِهِ تَصَرُّفًا عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ
لِيَفْعَلَهُ حَالَ حَيَاتِهِ (وَالْوَدِيعَةِ)
وَهِىَ مَا يُوضَعُ عِنْدَ غَيْرِ مَالِكِهِ لِحِفْظِهِ (وَالْعَارِيَّةِ)
وَهِىَ إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِشَىْءٍ مَجَّانًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ (وَالشَّرِكَةِ) وَهِىَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ
الْحَقِّ فِى شَىْءٍ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى جِهَةِ الشُّيُوعِ أَىْ مِنْ
غَيْرِ تَعْيِينِ حِصَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِى هَذَا الشَّىْءِ (وَالْمُسَاقَاةِ) وَهِىَ مُعَامَلَةُ شَخْصٍ عَلَى
شَجَرٍ لِيَتَعَهَّدَهُ بِنَحْوِ سَقْىٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ
بَيْنَهُمَا وَيُوجَدُ غَيْرُهَا مِنَ الْمُعَامَلاتِ (كَذَلِكَ
لا بُدَّ مِنْ) تَعَلُّمِ أَحْكَامِهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ تَعَاطِيَهَا أَىْ
(مُرَاعَاةِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا).
(وَعَقْدُ النِّكَاحِ يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدِ
احْتِيَاطٍ وَتَثَبُّتٍ حَذَرًا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَقْدِ ذَلِكَ)
مِنْ فَسَادِ الْعَقْدِ فَإِنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الْعَقْدِ يُؤَدِّى إِلَى
مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ (وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْءَانُ
الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾) وَوِقَايَةُ النَّفْسِ وَالأَهْلِ مِنَ النَّارِ
تَكُونُ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَقَدْ (قَالَ) الإِمَامُ التَّابِعِىُّ (عَطَاءُ) بنُ أَبِى رَبَاحٍ (رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) فِى تَفْسِيرِ هَذِهِ
الآيَةِ (أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تُصَلِّى وَكَيْفَ
تَصُومُ وَكَيْفَ تَبِيعُ وَتَشْتَرِى وَكَيْفَ تَنْكِحُ وَكَيْفَ تُطَلِّقُ).
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
الرِّبَا.
(يَحْرُمُ الرِّبَا فِعْلُهُ وَأَكْلُهُ
وَأَخْذُهُ وَكِتَابَتُهُ وَشَهَادَتُهُ) فَيَشْتَرِكُ فِى الإِثْمِ
ءَاخِذُ الرِّبَا وَدَافِعُهُ وَكَاتِبُ الْعَقْدِ وَشَاهِدُهُ وَالَّذِى
يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ الَّذِى يَصِلُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّبَا (وَهُوَ) أَنْوَاعٌ مِنْهَا (بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآخَرِ) كَبَيْعِ الذَّهَبِ
بِالْفِضَّةِ (نَسِيئَةً) أَىْ مُؤَجَّلًا (أَوْ بِغَيْرِ تَقَابُضٍ) فِى مَجْلِسِ الْعَقْدِ
بِأَنْ يَتَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَابَضَا (أَوْ) بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ (بِجِنْسِهِ كَذَلِكَ أَىْ) مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ
كَأَنْ يُبَادِلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ (نَسِيئَةً)
أَىْ مُؤَجَّلًا (أَوِ افْتِرَاقًا بِغَيْرِ
تَقَابُضٍ أَوْ مُتَفَاضِلًا أَىْ مَعَ زِيَادَةٍ فِى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى
الآخَرِ بِالْوَزْنِ) أَىْ مَعَ اخْتِلافِ الْوَزْنِ وَالْعِبْرَةُ
بِوَزْنِ الذَّهَبِ الصَّافِى (وَ)يَحْرُمُ
بَيْعُ (الْمَطْعُومَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَذَلِكَ
أَىْ لا يَحِلُّ بَيْعُهَا مَعَ اخْتِلافِ الْجِنْسِ كَالْقَمْحِ مَعَ الشَّعِيرِ
إِلَّا بِشَرْطَيْنِ) وَهُمَا (انْتِفَاءُ
الأَجَلِ وَانْتِفَاءُ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ) أَىْ عَدَمُ
ذِكْرِ الأَجَلِ وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ (وَمَعَ
اتِّحَادِ الْجِنْسِ) كَالْقَمْحِ بِالْقَمْحِ (يُشْتَرَطُ
هَذَانِ الشَّرْطَانِ مَعَ) شَرْطٍ ثَالِثٍ وَهُوَ (التَّمَاثُلُ) أَىِ التَّسَاوِى بِالْكَيْلِ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَا يَحْرُمُ
مِنَ الْبَيْعِ.
(وَيَحْرُمُ بَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ)
أَىْ لا يَجُوزُ بَيْعُ مَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَيَحْصُلُ
الْقَبْضُ فِيمَا يُنْقَلُ كَالسَّيَّارَةِ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لا
يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ وَبِالْمُنَاوَلَةِ فِيمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ
كَالثَّوْبِ وَبِالتَّخْلِيَةِ فِيمَا لا يُنْقَلُ كَالْبَيْتِ أَىْ يُشْتَرَطُ
تَفْرِيغُهُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِى وَتَمْكِينُ الْمُشْتَرِى مِنَ
التَّصَرُّفِ فِيهِ بِتَسْلِيمِهِ الْمِفْتَاحَ.
(وَ)يَحْرُمُ بَيْعُ (اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) الْحَىِّ سَوَاءٌ كَانَ
مِنْ جِنْسِ هَذَا اللَّحْمِ أَوْ غَيْرِهِ (وَ)يَحْرُمُ
بَيْعُ (الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) كَأَنْ
يَبِيعَ دَيْنًا لَهُ عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى شَهْرٍ
مَثَلًا كَأَنْ يَقُولَ لِعَمْرٍو بِعْتُكَ دَيْنِى الَّذِى عَلَى زَيْدٍ وَهُوَ
كَذَا بِأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى شَهْرٍ.
(وَ)يَحْرُمُ (بَيْعُ الْفُضُولِىِّ أَىْ بَيْعُ مَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَلا
وِلايَةٌ) كَأَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ مِلْكًا لَهُ وَلا لَهُ عَلَيْهِ
وِلايَةٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ (وَ)يَحْرُمُ
بَيْعُ (مَا لَمْ يَرَهُ) الْمُتَعَاقِدَانِ
أَوْ أَحَدُهُمَا (وَيَجُوزُ) بَيْعُهُ (عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِىِّ مَعَ الْوَصْفِ)
الَّذِى يُخْرِجُهُ مِنَ الْجَهَالَةِ الْمُطْلَقَةِ وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِى
خِيَارُ الرَّدِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفَهُ لَهُ.
(وَلا يَصِحُّ بَيْعُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ
أَىْ لا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَجْنُونِ
وَالصَّبِىِّ وَعَلَيْهِ) أَىْ لا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَبِيعَ
مَالَهُ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِىِّ وَلا يَجُوزُ
لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَشْتَرِىَ شَيْئًا مِنْهُ (وَيَجُوزُ
بَيْعُ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ) أَىْ
يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ لِلصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ
وَلِيِّهِ (أَوْ) بَيْعُ مَا (لا قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَبَعِيرٍ شَارِدٍ
أَوْ بَيْتٍ مَغْصُوبٍ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ (وَ)يَحْرُمُ
بَيْعُ (مَا لا مَنْفَعَةَ فِيهِ) حِسًّا أَوْ
شَرْعًا كَالْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ وَءَالاتِ اللَّهْوِ وَالصُّوَرِ
الْمُجَسَّمَةِ لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ كَلُعَبِ الأَطْفَالِ وَأَجَازَ
الْمَالِكِيَّةُ شِرَاءَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ إِذَا كَانَتِ
اللُّعْبَةُ بِهَيْئَةِ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ.
(وَلا يَصِحُّ) الْبَيْعُ (عِنْدَ بَعْضِ) الشَّافِعِيَّةِ (بِلا صِيغَةٍ) وَهِىَ اللَّفْظُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ
كَقَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُكَ وَقَوْلِ الْمُشْتَرِى اشْتَرَيْتُ (وَيَكْفِى التَّرَاضِى عِنْدَ ءَاخَرِينَ) بِلا
صِيغَةٍ بِأَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ وَيَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِلا لَفْظٍ.
(وَ)يَحْرُمُ (بَيْعُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِلْكِ) أَىْ مَا لَيْسَ
مَمْلُوكًا (كَالْحُرِّ وَالأَرْضِ الْمَوَاتِ)
وَتُمْلَكُ بِتَهْيِأَتِهَا لِلانْتِفَاعِ بِهَا إِمَّا بِزِرَاعَتِهَا أَوْ
بِالسَّكَنِ فِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَ)يَحْرُمُ
(بَيْعُ الْمَجْهُولِ) وَلا يَصِحُّ كَأَنْ
يَقُولَ لِشَخْصٍ بِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ
فَيَأْخُذَ أَحَدَهُمَا (وَ)يَحْرُمُ بَيْعُ (النَّجِسِ كَالدَّمِ) وَالْمُتَنَجِّسِ الَّذِى لا
يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ (وَكُلِّ مُسْكِرٍ) كَالْخَمْرِ (وَمُحَرَّمٍ كَالطُّنْبُورِ وَهُوَ ءَالَةُ لَهْوٍ تُشْبِهُ
الْعُودَ) وَالْمِزْمَارِ وَالْكُوبَةِ أَىِ الطَّبْلِ الضَّيِّقِ
الْوَسَطِ الَّتِى يُقَالُ لَهَا بِالْعَامِيَّةِ الدِّرْبَكَّة (وَيَحْرُمُ بَيْعُ الشَّىْءِ الْحَلالِ الطَّاهِرِ عَلَى
مَنْ تَعْلَمُ أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْصِىَ بِهِ كَالْعِنَبِ لِمَنْ)
تَعْلَمُ أَنَّهُ (يُرِيدُهُ لِلْخَمْرِ وَالسِّلاحِ
لِمَنْ) تَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ (يَعْتَدِىَ بِهِ عَلَى النَّاسِ) لِأَنَّ فِى ذَلِكَ
إِعَانَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَ)يَحْرُمُ (بَيْعُ الأَشْيَاءِ الْمُسْكِرَةِ) وَيَدْخُلُ فِى
ذَلِكَ الإِسْبِيرْتُو وَلَوْ لِغَيْرِ الشُّرْبِ (وَ)يَحْرُمُ
(بَيْعُ الْمَعِيبِ بِلا إِظْهَارٍ لِعَيْبِهِ)
أَىْ مَعَ تَرْكِ بَيَانِهِ.
(فَائِدَةٌ لا تَصِحُّ قِسْمَةُ تَرِكَةِ
مَيِّتٍ) عَلَى الْوَارِثِينَ (وَلا بَيْعُ
شَىْءٍ مِنْهَا مَا لَمْ تُوَفَّ دُيُونُهُ) إِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ (وَ)تُنَفَّذَ (وَصَايَاهُ)
أَىْ مَا أَوْصَى بِهِ بِأَنْ يُصْرَفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِغَيْرِ وَارِثٍ كَأَنْ
أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ أَقَلَّ (وَتُخْرَجَ
أُجْرَةُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ إِنْ كَانَا) فَرْضًا (عَلَيْهِ) وَيَكْفِى أَنْ تُسَلَّمَ إِلَى مَنْ
يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ (إِلَّا أَنْ يُبَاعَ
شَىْءٌ) مِنَ التَّرِكَةِ (لِقَضَاءِ هَذِهِ
الأَشْيَاءِ) فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ (فَالتَّرِكَةُ
كَمَرْهُونٍ بِذَلِكَ) فَكَمَا أَنَّ الْمَرْهُونَ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ
فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ الَّذِى رُهِنَ بِهِ فَالتَّرِكَةُ
كَذَلِكَ أَوْ (كَرَقِيقٍ) أَىْ عَبْدٍ (جَنَى) بِأَنْ سَرَقَ مَالَ شَخْصٍ (وَلَوْ) كَانَتْ جِنَايَتُهُ (بِأَخْذِ دَانَقٍ) وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ (لا يَصِحُّ بَيْعُهُ حَتَّى يُؤَدِّىَ) سَيِّدُهُ (مَا بِرَقَبَتِهِ أَوْ يَأْذَنَ الْغَرِيمُ)
لِسَيِّدِهِ (فِى بَيْعِهِ).
(وَيَحْرُمُ) عَلَى الْمُسْلِمِ
الْمُكَلَّفِ (أَنْ يُفَتِّرَ رَغْبَةَ الْمُشْتَرِى
أَوِ الْبَائِعِ) قَبْلَ إِجْرَاءِ الْعَقْدِ (وَبَعْدَ
اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ) بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْبَائِعِ
وَالْمُشْتَرِى قَدْ صَرَّحَا بِالرِّضَا بِالثَّمَنِ (لِيَبِيعَ
عَلَيْهِ أَوْ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ) كَأَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِى أَنَا
أَبِيعُكَ مِثْلَهُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ أَوْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ لا تَبِعْهُ
لِفُلانٍ أَنَا أَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِأَكْثَرَ. (وَ)التَّفْتِيرُ
(بَعْدَ) حُصُولِ (الْعَقْدِ)
بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ (فِى
مُدَّةِ الْخِيَارِ) أَىْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَيَنْتَهِى بِتَفَرُّقِ
الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ وَهُوَ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (أَشَدُّ) حُرْمَةً لِأَنَّ الإِيذَاءَ أَكْثَر. فَالْمُتَبَايِعَانِ
لَهُمَا الْخِيَارُ فِى فَسْخِ الْعَقْدِ مَا دَامَا فِى الْمَجْلِسِ وَكَذَلِكَ
إِذَا شَرَطَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ فِى
فَسْخِ الْعَقْدِ لِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ.
(وَ)يَحْرُمُ (أَنْ يَشْتَرِىَ الطَّعَامَ) أَىِ الْقُوتَ وَهُوَ مَا يَعِيشُ
بِهِ الْبَدَنُ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ (وَقْتَ الْغَلاءِ وَالْحَاجَةِ) إِلَيْهِ (لِيَحْبِسَهُ) عِنْدَهُ (وَيَبِيعَهُ
بِأَغْلَى) عِنْدَ اشْتِدَادِ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ. (وَ)يَحْرُمُ (أَنْ
يَزِيدَ فِى ثَمَنِ سِلْعَةٍ) وَلَيْسَ قَصْدُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا
إِنَّمَا (لِيَغُرَّ غَيْرَهُ) أَىْ
لِيُوهِمَهُ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ قِيمَتُهَا عَالِيَةٌ فَيَغْتَرَّ بِذَلِكَ
فَيَشْتَرِيَهَا.
(وَ)يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ
جَارِيَةٌ أَىْ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ (أَنْ يُفَرِّقَ
بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا) بِالْبَيْعِ (قَبْلَ
التَّمْيِيزِ) أَىْ قَبْلَ أَنْ يُمَيِّزَ الْوَلَدُ وَلَوْ رَضِيَتْ
بِذَلِكَ. (وَ)يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ (أَنْ يَغُشَّ) بِإِخْفِاءِ الْعَيْبِ (أَوْ يَخُونَ فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ
وَالْعَدِّ أَوْ يَكْذِبَ) فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ (وَ)يَحْرُمُ (أَنْ
يَبِيعَ الْقُطْنَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْبَضَائِعِ وَيُقْرِضَ الْمُشْتَرِىَ
فَوْقَهُ دَرَاهِمَ) أَىْ يُقْرِضَهُ الثَّمَنَ الَّذِى يَشْتَرِى بِهِ
الْبِضَاعَةَ (وَيَزِيدَ فِى ثَمَنِ تِلْكَ
الْبِضَاعَةِ لِأَجْلِ) ذَلِكَ (الْقَرْضِ)
بِحَيْثُ يَجْعَلُ ذَلِكَ شَرْطًا. (وَ)يَحْرُمُ
عَلَى الْمُسْلِمِ (أَنْ يُقْرِضَ الْحَائِكَ)
أَىِ الَّذِى يَنْسُجُ الثِّيَابَ (أَوْ غَيْرَهُ
مِنَ الأُجَرَاءِ وَيَسْتَخْدِمَهُ) بِالْعَمَلِ لَهُ (بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَجْلِ ذَلِكَ
الْقَرْضِ أَىْ إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الرَّبْطَةَ)
لِأَنَّهُ رَبَطَ الأَجِيرَ بِذَلِكَ (أَوْ يُقْرِضَ
الْحَرَّاثِينَ) مَالًا (إِلَى وَقْتِ
الْحَصَادِ وَيَشْتَرِطَ) عَلَيْهِمْ (أَنْ
يَبِيعُوا عَلَيْهِ) أَىْ أَنْ يَبِيعُوهُ (طَعَامَهُمْ
بِأَوْضَعَ) أَىْ بِأَقَلَّ (مِنَ السِّعْرِ
قَلِيلًا وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْمَقْضِىَّ) فَإِنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ
رِبَا الْقَرْضِ (وَكَذَا جُمْلَةٌ مِنْ مُعَامَلاتِ
أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ) الَّذِى كَثُرَ فِيهِ الْجَهْلُ وَقَلَّتْ فِيهِ
التَّقْوَى (وَأَكْثَرُهَا) مُحَرَّمَةٌ
لِأَنَّهَا (خَارِجَةٌ عَنْ قَانُونِ الشَّرْعِ
فَعَلَى مُرِيدِ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَسَلامَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ أَنْ
يَتَعَلَّمَ مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ) مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ
الثِّقَاتِ كَأَنْ يَتَعَلَّمَ (مِنْ عَالِمٍ وَرِعٍ)
تَقِىٍّ (نَاصِحٍ شَفِيقٍ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ
طَلَبَ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) بَالِغٍ عَاقِلٍ فَلا
يَجُوزُ تَنَاوُلُ الرِّزْقِ مِنْ طَرِيقٍ حَرَامٍ.
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ أَحْكَامِ
النَّفَقَةِ.
(يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ) أَىِ
الْمُسْتَطِيعِ (نَفَقَةُ أُصُولِهِ الْمُعْسِرِينَ
أَىِ الآبَاءِ الْفُقَرَاءِ وَالأُمَّهَاتِ) أَىِ الأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ
عَلا وَالأُمِّ وَالْجَدَّةِ وَإِنْ عَلَتْ (وَإِنْ
قَدَرُوا عَلَى الْكَسْبِ) أَىِ الْعَمَلِ (وَ)يَجِبُ
عَلَيْهِ (نَفَقَةُ فُرُوعِهِ أَىْ أَوْلادِهِ
وَأَوْلادِ أَوْلادِهِ) مِنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ (إِذَا أَعْسَرُوا) أَىْ إِنْ لَمْ يَجِدُوا مَالًا
يَكْفِيهِمْ حَاجَاتِهِمُ الأَصْلِيَّةَ (وَعَجَزُوا
عَنِ الْكَسْبِ لِصِغَرِ) سِنٍّ (أَوْ
زَمَانَةٍ أَىْ مَرَضٍ مَانِعٍ مِنَ الْكَسْبِ) كَالشَّلَلِ وَالْعَمَى
فَإِنْ قَدَرَ الْوَلَدُ عَلَى الْعَمَلِ جَازَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَحْمِلَهُ
عَلَيْهِ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ.
(وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ
الزَّوْجَةِ) مِنْ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ
كَانَتْ مُمَكِّنَةً نَفْسَهَا لَهُ (وَ)يَجِبُ
عَلَيْهِ (مَهْرُهَا وَعَلَيْهِ لَهَا مُتْعَةٌ)
أَىْ مِقْدَارٌ مِنَ الْمَالِ يُعْطَى لَهَا (إِنْ
وَقَعَ الْفِرَاقُ بَيْنَهُمَا) أَىِ انْفَسَخَ عَقْدُ النِّكَاحِ (بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهَا) أَمَّا إِنِ انْفَسَخَ
الْعَقْدُ بِسَبَبٍ مِنْهَا كَأَنِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا
وَبَقِيَتْ عَلَى الرِّدَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلا مُتْعَةَ لَهَا.
(وَ)يَجِبُ (عَلَى
مَالِكِ الْعَبِيدِ وَالْبَهَائِمِ نَفَقَتُهُمْ) مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ
وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَأَنْ لا يُكَلِّفَهُمْ مِنَ
الْعَمَلِ مَا لا يُطِيقُونَهُ وَ)أَنْ (لا
يَضْرِبَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ طَاعَتُهُ فِى نَفْسِهَا)
أَىْ طَاعَةُ زَوْجِهَا فِى الْجِمَاعِ وَالِاسْتِمْتَاعِ (إِلَّا فِى مَا لا يَحِلُّ) كَأَنْ طَلَبَ مِنْهَا
الْجِمَاعَ وَهِىَ حَائِضٌ (وَ)يَجِبُ
عَلَيْهَا (أَنْ لا تَصُومَ النَّفْلَ) وَهُوَ
حَاضِرٌ أَىْ فِى الْبَلَدِ إِلَّا بِإِذْنِهِ (وَ)أَنْ
(لا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ) لِغَيْرِ
ضَرُورَةٍ (إِلَّا بِإِذْنِهِ).
(الْوَاجِبَاتُ الْقَلْبِيَّةُ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ الْوَاجِبَاتِ
الْقَلْبِيَّةِ أَىْ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
(مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْقَلْبِيَّةِ
الإِيمَانُ بِاللَّهِ) أَىِ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ لا
كَالْمَوْجُودَاتِ لَيْسَ حَجْمًا وَلا يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الأَحْجَامِ مَوْجُودٌ
بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَأَنَّهُ أَزَلِىٌّ لا ابْتِدَاءَ
لِوُجُودِهِ وَوُجُودُهُ لَيْسَ بِإِيجَادِ مُوجِدٍ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ
شَىْءٍ (وَ)الإِيمَانُ (بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ) فِى الْقُرْءَانِ مِنَ
الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِى وَالأَخْبَارِ (وَالإِيمَانُ
بِرَسُولِ اللَّهِ) ﷺ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ
اللَّهَ أَرْسَلَهُ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ
لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا (وَ)الإِيمَانُ (بِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) مِنَ
الأَحْكَامِ وَالأَخْبَارِ. وَالإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ هُوَ أَصْلُ
الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْلا أَنَّهُ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
لَمَا صَلَّى وَصَامَ وَحَجَّ وَزَكَّى وَلَمَا صَحَّتْ مِنْهُ هَذِهِ
الْعِبَادَاتُ (وَالإِخْلاصُ وَهُوَ الْعَمَلُ
بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ) أَىْ أَنْ لا يَقْصِدَ بِعَمَلِ الطَّاعَةِ
مَدْحَ النَّاسِ لَهُ وَالنَّظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ
(وَالنَّدَمُ عَلَى الْمَعَاصِى) وَهُوَ
اسْتِشْعَارُ الْحُزْنِ بِالْقَلْبِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ كَأَنْ يَقُولَ
فِى قَلْبِهِ لَيْتَنِى مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ (وَالتَّوَكُّلُ
عَلَى اللَّهِ) وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لا ضَارَّ وَلا نَافِعَ عَلَى
الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُهُ
عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ (وَالْمُرَاقَبَةُ لِلَّهِ) وهِىَ اسْتِدَامَةُ
الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ بِأَدَاءِ مَا أَوْجَبَهُ وَاجْتِنَابِ مَا حَرَّمَهُ (وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ لَهُ
وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ) عَلَيْهِ اعْتِقَادًا أَوْ لَفْظًا فَيَجِبُ عَلَى
الْعَبْدِ أَنْ يَرْضَى بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَلا يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وَأَنْ
يَقْبَلَ مَا جَاءَ فِى الشَّرْعِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالأَحْكَامِ فَلا يَصِحُّ
الثَّبَاتُ عَلَى الإِسْلامِ إِلَّا لِمَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ
يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِ (وَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ) أَىْ عَدَمُ
الِاسْتِهَانَةِ بِهَا وَهِىَ مَعَالِمُ دِينِهِ أَىْ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ
أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالأَذَانِ وَالْمَسَاجِدِ (وَالشُّكْرُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ بِمَعْنَى عَدَمِ
اسْتِعْمَالِهَا فِى مَعْصِيَةٍ) وَهَذَا هُوَ الشُّكْرُ الْوَاجِبُ
وَأَمَّا الشُّكْرُ الْمَنْدُوبُ أَىِ الْمَسْنُونُ فَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى
اللَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِى لا نُحْصِيهَا (وَالصَّبْرُ
عَلَى أَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ وَالصَّبْرُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى)
أَىِ الصَّبْرُ عَلَى اجْتِنَابِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ (وَالصَّبْرُ
عَلَى مَا ابْتَلاكَ اللَّهُ بِهِ) مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْبَلايَا
بِمَعْنَى عَدَمِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ أَوِ الدُّخُولِ فِيمَا حَرَّمَ
اللَّهُ بِسَبَبِ الْمُصِيبَةِ (وَبُغْضُ
الشَّيْطَانِ) أَىْ كَرَاهِيَتُهُ وَهُوَ الْكَافِرُ مِنَ الْجِنِّ فَيَنْبَغِى
مُحَارَبَتُهُ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ وَعَدَمِ الِاسْتِرْسَالِ مَعَهُ (وَبُغْضُ الْمَعَاصِى) أَىْ كَرَاهِيَتُهَا لِأَنَّ
اللَّهَ يَكْرَهُهَا وَحَرَّمَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِعْلَهَا (وَمَحَبَّةُ اللَّهِ) بِتَعْظِيمِهِ أَقْصَى غَايَةِ
التَّعْظِيمِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ (وَمَحَبَّةُ
كَلامِهِ) أَىِ الْقُرْءَانِ بِتَعْظِيمِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ (وَ)مَحَبَّةُ (رَسُولِهِ)
ﷺ وَسَائِرِ إِخْوَانِهِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ (وَ)مَحَبَّةُ (الصَّحَابَةِ)
مِنْ حَيْثُ الإِجْمَالُ أَىْ تَعْظِيمُهُمْ لِأَنَّهُمْ أَنْصَارُ دِينِ اللَّهِ
(وَ)مَحَبَّةُ (الآلِ)
وَهُمْ أَزْوَاجُهُ ﷺ وَأَقْرِبَاؤُهُ الْمُؤْمِنُونَ لِمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ
الْفَضْلِ (وَ)مَحَبَّةُ (الصَّالِحِينَ) لِأَنَّهُمْ أَحْبَابُ اللَّهِ
تَعَالَى.
(مَعَاصِى الْقَلْبِ)
(فَصْلٌ) فِى بَيَانِ مَعَاصِى
الْقَلْبِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ الرِّيَاءُ
بِأَعْمَالِ الْبِرِّ أَىِ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ الْعَمَلُ) بِالطَّاعَةِ (لِأَجْلِ النَّاسِ أَىْ لِيَمْدَحُوهُ وَيُحْبِطُ
ثَوَابَهَا) أَىِ يُحْبِطُ الرِّيَاءُ ثَوَابَ الطَّاعَةِ الَّتِى
قَارَنَهَا (وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْعُجْبُ
بِطَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ شُهُودُ الْعِبَادَةِ صَادِرَةً مِنَ النَّفْسِ غَائِبًا
عَنِ الْمِنَّةِ) أَىْ أَنْ يُعْجَبَ الْعَبْدُ بِطَاعَاتِهِ بِحَيْثُ
يَرَى تَعْظِيمَ نَفْسِهِ نَاسِيًا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ
بِهَا فَأَقْدَرَهُ عَلَيْهَا وَيَرَى فِعْلَهُ لَهَا مَزِيَّةً لِنَفْسِهِ. وَيُبْطِلُ
الْعُجْبُ ثَوَابَ الطَّاعَةِ الَّتِى قَارَنَهَا (وَالشَّكُّ
فِى اللَّهِ) أَىْ فِى وُجُودِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ
وَهُوَ كُفْرٌ (وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ)
وَهُوَ أَنْ يَسْتَمِرَّ الشَّخْصُ فِى فِعْلِ الْمَعَاصِى وَيَعْتَمِدَ عَلَى
رَحْمَةِ اللَّهِ فَيَأْمَنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَ)مِنْ مَعَاصِى الْقَلْبِ (الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) وَهُوَ أَنْ
يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهُ أَلْبَتَّةَ وَأَنَّهُ لا
مَحَالَةَ يُعَذِّبُهُ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ يَخَافُ
عِقَابَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِهِ وَيَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ (وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ رَدُّ الْحَقِّ
عَلَى قَائِلِهِ) مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ فَيَسْتَعْظِمُ
أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (وَاسْتِحْقَارُ
النَّاسِ) كَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْفَقِيرِ نَظَرَ احْتِقَارٍ لِكَوْنِهِ
أَقَلَّ مِنْهُ مَالًا (وَالْحِقْدُ وَهُوَ إِضْمَارُ
الْعَدَاوَةِ) لِلْمُسْلِمِ وَيَكُونُ مَعْصِيَةً (إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَكْرَهْهُ) أَىْ إِذَا عَزَمَ
فِى قَلْبِهِ عَلَى إِيذَائِهِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ (وَالْحَسَدُ وَهُوَ كَرَاهِيَةُ النِّعْمَةِ لِلْمُسْلِمِ
وَاسْتِثْقَالُهَا) لَهُ (وَ)يَكُونُ
مَعْصِيَةً إِذَا (عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ) أَىْ
إِذَا سَعَى لِذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ وَأَمَّا إِنْ تَمَنَّى لَهُ
الْوُقُوعَ فِى مَعْصِيَةٍ أَوْ تَرْكَ وَاجِبٍ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ بِتَمَنِّيهِ
وَإِنْ لَمْ يَسْعَ. (وَ)مِنْ مَعَاصِى
الْقَلْبِ (الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ) وَهُوَ
أَنْ يُعَدِّدَ نِعْمَتَهُ عَلَى ءَاخِذِهَا لِيَكْسِرَ قَلْبَهُ (وَيُبْطِلُ ثَوَابَهَا) أَىْ يُبْطِلُ الْمَنُّ
ثَوَابَ الصَّدَقَةِ (كَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ
تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَلَمْ أُعْطِكَ كَذَا) مِنَ الْمَالِ (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) حِينَ كُنْتَ مُحْتَاجًا
لِيَكْسِرَ قَلْبَهُ (وَالإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ)
الْمَعْدُودُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَهُوَ أَنْ يُدَاوِمَ الشَّخْصُ عَلَى فِعْلِ
الصَّغَائِرِ بِحَيْثُ تَغْلِبُ عَلَى طَاعَاتِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ
بِالنِّسْبَةِ لِمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِى ذَنْبٍ
كَبِيرٍ لِذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِى اجْتِنَابِ الْمَعَاصِى
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً (وَسُوءُ الظَّنِّ
بِاللَّهِ) وَهُوَ أَنْ يَظُنَّ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ أَنَّهُ لا يَرْحَمُهُ
بَلْ يُعَذِّبُهُ (وَ)سُوءُ الظَّنِّ (بِعِبَادِ اللَّهِ) وَهُوَ أَنْ يَظُنَّ بِعِبَادِهِ
الْمُؤْمِنِينَ السُّوءَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ كَأَنْ يُسْرَقَ لَهُ
مَالٌ فَيَظُنَّ بِفُلانٍ أَنَّهُ السَّارِقُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ) فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ
شَيْئًا مِنَ الأَشْيَاءِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ كَفَرَ
وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ (وَالْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ)
الصَّادِرَةِ (مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ).
وَالْفَرَحُ بِالْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ أَمَّا الْفَرَحُ بِكُفْرِ
الْغَيْرِ فَهُوَ كُفْرٌ (وَالْغَدْرُ وَلَوْ
بِكَافِرٍ كَأَنْ يُؤَمِّنَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ) أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهِ
مَنْ يَقْتُلُهُ (وَالْمَكْرُ) وَهُوَ
إِيقَاعُ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِ بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ
(وَبُغْضُ الصَّحَابَةِ) أَىْ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبُغْضُهُمْ جُمْلَةً أَىْ كَرَاهِيَتُهُمْ كُفْرٌ (وَ)بُغْضُ (الآلِ)
أَىْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ وَأَقْرِبَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ (وَ)بُغْضُ (الصَّالِحِينَ)
أَىْ كَرَاهِيَتُهُمْ جُمْلَةً كُفْرٌ (وَالْبُخْلُ
بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَالِامْتِنَاعِ عَنْ
أَدَاءِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ (وَالشُّحُّ)
وَهُوَ الْبُخْلُ الشَّدِيدُ كَالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَنَفَقَةِ
الزَّوْجَةِ وَالأَوْلادِ (وَالْحِرْصُ)
وَهُوَ شِدَّةُ تَعَلُّقِ النَّفْسِ لِاحْتِوَاءِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ عَلَى
الْوَجِهِ الْمَذْمُومِ كَمَنْ يُرِيدُ التَّوَصُّلَ بِهِ إِلَى التَّرَفُّعِ
عَلَى النَّاسِ وَالتَّفَاخُرِ (وَ)مِنْ
مَعَاصِى الْقَلْبِ (الِاسْتِهَانَةُ بِمَا عَظَّمَ
اللَّهُ) أَىْ تَحْقِيرُ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ وَهُوَ كُفْرٌ (وَ)كَذَا (التَّصْغِيرُ)
أَىِ التَّحْقِيرُ (لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ
طَاعَةٍ) كَالَّذِى يَقُولُ لَيْسَ الشَّأْنُ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا
الشَّأْنُ فِى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ (أَوْ)
تَصْغِيرُ (مَعْصِيَةٍ) أَىِ الِاسْتِهَانَةُ
بِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ فَلا يَرَى مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ
عِبَادَهُ مِنَ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ شَيْئًا شَدِيدًا كَقَوْلِ جَمَاعَةِ
أَمِين شَيْخُو جَهَنَّمُ مُسْتَشْفًى أَىْ مَحَلُّ طِبَابَةٍ وَلَيْسَ مَحَلَّ
عِقَابٍ (أَوْ) تَصْغِيرُ مَا عَظَّمَ اللَّهُ
مِنْ (قُرْءَانٍ) كَالِاسْتِخْفَافِ بِشَىْءٍ
مِنْهُ (أَوِ عِلْمِ) دِينٍ كَقَوْلِ سَيِّد
قُطُب بِأَنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهِ مَضْيَعَةٌ لِلْعُمُرِ وَالأَجْرِ (أَوْ جَنَّةٍ) أَىِ احْتِقَارِ الْجَنَّةِ الَّتِى
عَظَّمَهَا اللَّهُ كَمَنْ يَقُولُ الْجَنَّةُ لُعْبَةُ الصِّبْيَانِ (أَوْ عَذَابِ نَارٍ) كَمَنْ يَرَى عَذَابَ جَهَنَّمَ
هَيِّنًا.
(مَعَاصِى الْجَوَارِحِ السَّبْعَةِ)
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الْبَطْنِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الْبَطْنِ أَكْلُ)
مَالِ (الرِّبَا) أَىِ الِانْتِفَاعُ بِهِ
وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَ)أَكْلُ مَالِ (الْمَكْسِ) وَالْمَكْسُ هُوَ الضَّرَائِبُ الَّتِى
تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَ)أَكْلُ
مَالِ (الْغَصْبِ) وَالْغَصْبُ هُوَ
الِاسْتِيلاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ ظُلْمًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ (وَ)أَكْلُ مَالِ (السَّرِقَةِ)
وَالسَّرِقَةُ هِىَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً بِغَيْرِ حَقٍّ (وَ)يَحْرُمُ أَكْلُ (كُلِّ)
مَالٍ (مَأْخُوذٍ بِمُعَامَلَةٍ حَرَّمَهَا الشَّرْعُ
وَشُرْبُ الْخَمْرِ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَحَدُّ
شَارِبِهَا أَرْبَعُونَ جَلْدَةً لِلْحُرِّ وَنِصْفُهَا لِلرَّقِيقِ) أَىِ
الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ (وَلِلإِمَامِ الزِّيَادَةُ)
عَنِ الْحَدِّ إِلَى الثَّمَانِينَ (تَعْزِيرًا)
أَىْ تَأْدِيبًا لَهُ لِرَدْعِهِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ (وَمِنْهَا
أَكْلُ كُلِّ مُسْكِرٍ) وَهُوَ مَا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ مَعَ النَّشْوَةِ
وَالْفَرَحِ كَالْخَمْرِ (وَكُلِّ نَجِسٍ)
كَالدَّمِ (وَمُسْتَقْذَرٍ) كَالْمَنِىِّ
وَالْمُخَاطِ (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ)
بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْيَتِيمُ هُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَلَمْ
يَكُنْ بَالِغًا (أَوْ) أَكْلُ مَالِ (الأَوْقَافِ عَلَى خِلافِ مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ)
وَالْوَقْفُ عَطِيَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ فَلا يَجُوزُ أَكْلُ مَالِ الأَوْقَافِ عَلَى
مَا يُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَإِذَا وَقَفَ مُسْلِمٌ مَاءً لِلشُّرْبِ لا
يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ (وَ)يَحْرُمُ
أَكْلُ (الْمَأْخُوذِ بِوَجْهِ الِاسْتِحْيَاءِ)
فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مُسْلِمٍ بِطَرِيقِ الْحَيَاءِ (بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) فَحَرَامٌ عَلَيْهِ
أَنْ يَأْكُلَهُ وَلا يَدْخُلُ فِى مِلْكِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ
أَمَّا إِذَا اشْتَرَاهُ اسْتِحْيَاءً فَلا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الْعَيْنِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الْعَيْنِ النَّظَرُ إِلَى
النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ بِشَهْوَةٍ) أَىْ بِتَلَذُّذٍ (إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) وَالْمُرَادُ
بِالأَجْنَبِيَّةِ غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى
الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَجَائِزٌ (وَ)يَحْرُمُ
النَّظَرُ (إِلَى غَيْرِهِمَا مُطْلَقًا) أَىْ
يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَلَوْ بِلا شَهْوَةٍ (وَكَذَا) يَحْرُمُ (نَظَرُهُنَّ
إِلَيْهِمْ) أَىْ نَظَرُ النِّسَاءِ إِلَى الرِّجَالِ الأَجَانِبِ (إِنْ كَانَ) النَّظَرُ (إِلَى
مَا بَيْنَ السُرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى مَا سِوَى
ذَلِكَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ (وَنَظَرُ الْعَوْرَاتِ)
أَىْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَاتِ وَلَوْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ
كَنَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنَ الرَّجُلِ
وَنَظَرِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ
مِنَ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَإِنْ كَانَتْ أُمَّهَا أَوْ أُخْتَهَا. وَلا
يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَكْشِفَ مِنْ جَسَدِهَا أَمَامَ غَيْرِ
الْمُسْلِمِةِ إِلَّا مَا تَكْشِفُهُ عِنْدَ الْعَمَلِ فِى نَحْوِ الْمَطْبَخِ
وَتَنْظِيفِ الْبَيْتِ كَالرَّأْسِ وَالسَّاعِدِ وَالْعُنُقِ وَنِصْفِ السَّاقِ (وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ كَشْفُ
الْعَوْرَةِ فِى الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) أَمَّا إِنْ كَانَ
لِحَاجَةٍ كَاغْتِسْالٍ فَيَجُوزُ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ فِى الْخَلْوَةِ
السَّوْأَتَانِ وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ فِى الْخَلْوَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ
وَالرُّكْبَةِ. (وَحَلَّ مَعَ الْمَحْرَمِيَّةِ)
كَالأَبِ مَعَ بِنْتِهِ الْبَالِغَةِ أَوِ الْمُرَاهِقَةِ وَهِىَ الَّتِى
قَارَبَتِ الْبُلُوغَ (أَوِ الْجِنْسِيَّةِ)
كَالأُمِّ مَعَ بِنْتِهَا الْبَالِغَةِ أَوِ الْمُرَاهِقَةِ (نَظَرُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ)
أَىْ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ (إِذَا
كَانَ) النَّظَرُ (بِغَيْرِ شَهْوَةٍ)
وَإِلَّا حَرُمَ. (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ
بِالِاسْتِحْقَارِ إِلَى الْمُسْلِمِ وَالنَّظَرُ فِى بَيْتِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ
إِذْنِهِ) مِمَّا يَكْرَهُ عَادَةً وَيَتَأَذَّى بِهِ مَنْ فِى الْبَيْتِ كالنَّظَرِ فِى نَحْوِ شَقِّ
الْبَابِ أَوْ ثُقْبٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَوْ لِوُجُودِ
زَوْجَتِهِ أَوْ مَحْرَمِهِ كَبِنْتِهِ (أَوِ) النَّظَرُ إِلَى (شَىْءٍ
أَخْفَاهُ كَذَلِكَ) مِمَّا يَتَأَذَّى بِنَظَرِ الْغَيْرِ إِلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى اللِّسَانِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ الْغِيبَةُ
وَهِىَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ) حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا صَغِيرًا
كَانَ أَوْ كَبِيرًا (بِمَا يَكْرَهُهُ) لَوْ
سَمِعَ (مِمَّا فِيهِ فِى خَلْفِهِ) كَقَوْلِ
فُلانٌ سَىّءُ الْخُلُقِ أَوْ وَلَدُهُ فُلانٌ قَلِيلُ التَّرْبِيَّةِ أَوْ فُلانٌ
تَحْكُمُهُ زَوْجَتُهُ وَأَمَّا الْبُهْتَانُ فَهُوَ أَنْ تَذْكُرَهُ بِمَا لَيْسَ
فِيهِ فِى خَلْفِهِ بِمَا يَكْرَهُ وَهُوَ أَشَدُّ فِى التَّحْرِيمِ (وَالنَّمِيمَةُ وَهِىَ نَقْلُ الْقَوْلِ لِلإِفْسَادِ)
أَىْ نَقْلُ كَلامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ لِافْسَادِ الْعَلاقَةِ
بَيْنَهُمْ وَهِىَ مِنْ الْكَبَائِرِ (وَالتَّحْرِيشُ)
بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ (مِنْ غَيْرِ نَقْلِ قَوْلٍ)
بِالْحَثِّ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ لِإِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ
مِنْ الْكَبَائِرِ وَالتَّحْرِيشُ حَرَامٌ (وَلَوْ
بَيْنَ الْبَهَائِمِ) كَالتَّحْرِيشِ بَيْنَ دِيكَيْنِ أَوْ كَبْشَيْنِ
لِيَقْتُلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ لِأَنَّهُمَا حَيَوَانَانِ مُحْتَرَمَانِ أَىْ لا
يَجُوزُ قَتْلُهُمَا إِنَّمَا يَجُوزُ ذَبْحُهُمَا لِأَكْلِهِمَا (وَالْكَذِبُ وَهُوَ الإِخْبَارُ) بِالشَّىْءِ (بِخِلافِ الْوَاقِعِ) مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ
وَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَزْحِ (وَالْيَمِينُ
الْكَاذِبَةُ) وَهِىَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَوْ صِفَةٍ
مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى شَىْءٍ كَذِبًا وَهِىَ مِنْ الْكَبَائِرِ (وَ)كَذَا (أَلْفَاظُ
الْقَذْفِ وَهِىَ كَثِيرَةٌ حَاصِلُهَا كُلُّ كَلِمَةٍ تَنْسُبُ إِنْسَانًا أَوْ
وَاحِدًا مِنْ قَرَابَتِهِ) كَأُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ (إِلَى الزِّنَى فَهِىَ قَذْفٌ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ)
وَالْقَذْفُ (إِمَّا) أَنْ يَكُونَ (صَرِيحًا مُطْلَقًا) كَقَوْلِ فُلانٌ زَانٍ (أَوْ كِنَايَةً) يَحْتَمِلُ الْقَذْفَ وَغَيْرَهُ
وَإِنَّمَا يُعَدُّ قَذْفًا إِذَا كَانَ (بِنِيَّةٍ)
كَقَوْلِ يَا خَبِيثُ أَوْ يَا فَاجِرُ بِنِيَّةِ الْقَذْفِ (وَيُحَدُّ الْقَاذِفُ الْحُرُّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
وَالرَّقِيقُ) أَىِ الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ (نِصْفَهَا وَمِنْهَا)
أَىْ وَمِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ (سَبُّ الصَّحَابَةِ)
أَىْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَبُّهُمْ جُمْلَةً كُفْرٌ لِأَنَّ
الْقُرْءَانَ وَأُمُورَ الدِّينِ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ
طَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا (وَشَهَادَةُ
الزُّورِ) وَهِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالزُّورُ هُوَ الْكَذِبُ (وَمَطْلُ الْغَنِىِّ أَىْ تَأْخِيرُ دَفْعِ الدَّيْنِ مَعَ
غِنَاهُ أَىْ مَقْدِرَتِهِ) عَلَى الدَّفْعِ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ (وَالشَّتْمُ) أَىْ شَتْمُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ
حَقٍّ أَىْ سَبُّهُ وَذَمُّهُ (وَ)كَذَلِكَ (اللَّعْنُ) أَىْ لَعْنُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَىْ
سَبُّهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ لَعَنَكَ اللَّهُ أَوْ
لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ (وَالِاسْتِهْزَاءُ
بِالْمُسْلِمِ) أَىْ تَحْقِيرُهُ (وَكُلُّ
كَلامٍ مُؤْذٍ لَهُ) بِغَيْرِ حَقٍّ (وَالْكَذِبُ
عَلَى اللَّهِ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَأَنْ يَقُولَ خَلَقَ اللَّهُ
فِى مَكَانِ كَذَا جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ
وَمِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ مَا هُوَ كُفْرٌ كَقَوْلِ الْوَهَّابِيَّةِ
أَدْعِيَاءِ السَّلَفِيَّةِ إِنَّ اللَّهَ قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنَّهُ
يَنْزِلُ حَقِيقَةً وَيَصْعَدُ (وَ)أَمَّا
الْكَذِبُ (عَلَى رَسُولِهِ) ﷺ فَمِنْهُ مَا
هُوَ كَبِيرَةٌ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى الرَّسُولِ مَا لَمْ يَقُلْهُ لِحَثِّ
النَّاسِ عَلَى النَّوَافِلِ كَالذِّكْرِ وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ
مِمَّا لا يُؤَدِّى إِلَى تَكْذِيبِ الشَّرِيعَةِ وَمِنَ الْكَذِبِ عَلَى
الرَّسُولِ مَا هُوَ كُفْرٌ كَأَنْ يَنْسُبَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ تَحْلِيلَ مَا
حَرَّمَهُ اللَّهُ فِى شَرْعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (وَالدَّعْوَى
الْبَاطِلَةُ) وَهِىَ كَأَنْ يَدَّعِىَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ لَهُ
مَالًا عَلَى شَخْصٍ وَيَعْتَمِدَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ (وَالطَّلاقُ الْبِدْعِىُّ وَهُوَ مَا كَانَ فِى حَالِ
الْحَيْضِ) أَوِ النِّفَاسِ (أَوْ فِى طُهْرٍ
جَامَعَ فِيهِ) زَوْجَتَهُ وَيَقَعُ هَذَا الطَّلاقُ وَإِنْ كَانَ
مُحَرَّمًا (وَالظِّهَارُ وَهُوَ أَنْ)
يُشَبِّهَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِأُمِّهِ فِى التَّحْرِيمِ كَأَنْ (يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى أَىْ
لا أُجَامِعُكِ) كَمَا لا أُجَامِعُ أُمِّى أَىْ أَمْنَعُ نَفْسِىَ مِنْ
جِمَاعِكِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الإِيذَاءِ لِلزَّوْجَةِ (وَفِيهِ كَفَّارَةٌ) عَلَى الزَّوْجِ (إِنْ لَمْ يُطَلِّقْ بَعْدَهُ) أَىْ بَعْدَ
الظِّهَارِ (فَوْرًا وَهِىَ عِتْقُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ) عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (سَلِيمَةٍ)
عَمَّا يُخِلُّ بِالْعَمَلِ كَالْعَمَى وَالْفَالِجِ (فَإِنْ
عَجَزَ) عَنِ الإِعْتَاقِ (صَامَ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ) وُجُوبًا (فَإِنْ عَجَزَ)
عَنِ الصِّيَامِ (أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا)
أَوْ فَقِيرًا (سِتِّينَ مُدًّا) أَىْ مَلَّكَ
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدًّا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَالْقُوتُ هُوَ مَا
يَعِيشُ عَلَيْهِ الْبَدَنُ كَالْقَمْحِ (وَمِنْهَا)
أَىْ وَمِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ (اللَّحْنُ فِى الْقُرْءَانِ
بِمَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى أَوْ بِالإِعْرَابِ وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى)
أَىْ يَحْرُمُ عَلَى قَارِئِ الْقُرْءَانِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْءَانَ وَيُخْطِئَ
فِى الْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى فَيَجِبُ تَصْحِيحُ
الْقِرَاءَةِ إِلَى الْحَدِّ الَّذِى يَسْلَمُ فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَرَكَاتِ
وَالْحُرُوفِ (وَالسُّؤَالُ لِلْغَنِىِّ بِمَالٍ أَوْ
حِرْفَةٍ) أَىْ لا يَجُوزُ لِلْغَنِىِّ بِمَالٍ أَوْ حِرْفَةٍ يَعْرِفُهَا
وَيَجِدُ بِهَا كِفَايَتَهُ أَنْ يَشْحَذَ (وَ)يَحْرُمُ
(النَّذْرُ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْوَارِثِ)
مِنَ التَّرِكَةِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ كَأَنْ يَقُولَ نَذَرْتُ مَالِىَ
لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ بِقَصْدِ أَنْ يَحْرِمَ وَارِثَهُ مِنَ
التَّرِكَةِ وَهُوَ نَذْرٌ بَاطِلٌ لا يَصِحُّ (وَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لا يَعْلَمُهُمَا غَيْرُهُ)
كَأَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلَّهِ كَزَكَاةٍ أَوْ دَيْنٌ لِآدَمِىٍّ أَوْ
كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ لِغَيْرِهِ وَخَشِىَ ضَيَاعَ الدَّيْنِ أَوِ الأَمَانَةِ
بِمَوْتِهِ وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَذَا الدَّيْنِ أَوِ الأَمَانَةِ شَخْصًا ثِقَةً
غَيْرَ وَارِثٍ (وَالِانْتِمَاءُ إِلَى غَيْرِ
أَبِيهِ) كَأَنْ يَقُولَ أَنَا ابْنُ فُلانٍ وَهُوَ لَيْسَ ابْنَهُ (أَوْ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ) كَأَنْ يَقُولَ أَنَا
أَعْتَقَنِى فُلانٌ يُسَمِّى غَيْرَ الَّذِى أَعْتَقَهُ وَهُوَ حَرَامٌ مِنَ
الْكَبَائِرِ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَضْيِيعَ حَقٍّ فَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا
أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ مَاتَ يَرِثُهُ سَيِّدُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
وَرَثَةٌ (وَالْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ)
قَبْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ وَقَبْلَ أَنْ
يُعْرِضَ الْوَلِىُّ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ وَالْقَطِيعَةِ (وَالْفَتْوَى) فِى أُمُورِ الدِّينِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وَهِىَ إِمَّا كُفْرٌ أَوْ
مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ (وَتَعْلِيمُ وَتَعَلُّمُ
عِلْمٍ مُضِرٍّ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ) كَالسِّحْرِ وَالْفَلْسَفَةِ
وَهِىَ الْمَوْرُوثَةُ عَنِ الْفَلاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ
وَأَزَلِيَّتِهِ وَهُوَ كُفْرٌ وَالتَّنْجِيمِ أَىِ الإِخْبَارِ عَنِ
الْمُسْتَقْبَلِ اعْتِمَادًا عَلَى النُّجُومِ (وَالْحُكْمُ
بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ) أَىْ بِغَيْرِ شَرْعِهِ الَّذِى أَنْـزَلَهُ
عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا أَمَّا مَنْ جَحَدَ حُكْمَ
اللَّهِ أَىْ أَنْكَرَهُ أَوْ فَضَّلَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ أَوْ سَاوَاهُ بِهِ
كَأَنْ قَالَ إِنَّ حُكْمَ اللَّهِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ بَلْ هُمَا
مُتَسَاوِيَانِ فَهُوَ كَافِرٌ (وَ)مِنْ مَعَاصِى
اللِّسَانِ (النَّدْبُ) وَهُوَ ذِكْرُ
مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ (وَالنِّيَاحَةُ) وَهِىَ الصِّيَاحُ عَلَى صُورَةِ
الْجَزَعِ لِمُصِيبَةِ الْمَوْتِ (وَكُلُّ قَوْلٍ
يَحُثُّ عَلَى) فِعْلِ (مُحَرَّمٍ أَوْ
يُفَتِّرُ عَنْ) أَدَاءِ (وَاجِبٍ). (وَكُلُّ كَلامٍ يَقْدَحُ فِى الدِّينِ) أَىْ
يَطْعَنُ فِيهِ وَيَذُمُّهُ (أَوْ فِى أَحَدٍ مِنَ
الأَنْبِيَاءِ أَوْ فِى) جَمِيعِ (الْعُلَمَاءِ
أَوِ الْقُرْءَانِ أَوْ فِى شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أَىْ مَعَالِمِ
دِينِهِ كَالصَّلاةِ وَالأَذَانِ فَهُوَ كُفْرٌ (وَمِنْهَا)
أَىْ وَمِنْ مَعَاصِى اللِّسَانِ (التَّزْمِيرُ)
وَهُوَ النَّفْخُ بِالْمِزْمَارِ (وَالسُّكُوتُ عَنِ
الأَمْرِ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ) أَىِ السُّكُوتُ
عَنِ الأَمْرِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَعَنِ النَّهْىِ عَنْ فِعْلِ
الْمُحَرَّمَاتِ (بغَيْرِ عُذْرٍ) بِأَنْ
كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ (وَكَتْمُ
الْعِلْمِ) الدِّينِىِّ (الْوَاجِبِ مَعَ
وُجُودِ الطَّالِبِ) لَهُ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَالضَّحِكُ لِخُرُوجِ الرِّيحِ) مِنْ مُسْلِمٍ (أَوِ) الضَّحِكُ (عَلَى
مُسْلِمٍ اسْتِحْقَارًا لَهُ) لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ (وَكَتْمُ الشَّهَادَةِ) بِلا عُذْرٍ بَعْدَ أَنْ
دَعَاهُ الْحَاكِمُ إِلَيْهَا وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَتَرْكُ
رَدِّ السَّلامِ الْوَاجِبِ عَلَيْكَ) رَدُّهُ كَأَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ
رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَيْرُ فَاسِقٍ وَلَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ (وَتَحْرُمُ الْقُبْلَةُ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ بِشَهْوَةٍ)
أَىْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ
بِشَهْوَةٍ (وَلِصَائِمٍ فَرْضًا) أَىْ يَحْرُمُ
عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَ فَرْضٍ تَقْبِيلُ زَوْجَتِهِ بِشَهْوَةٍ (إِنْ خَشِىَ الإِنْزَالَ) أَىْ خَشِىَ إِنْزَالَ
الْمَنِىِّ بِسَبَبِ الْقُبْلَةِ (وَمَنْ لا تَحِلُّ
قُبْلَتُهُ) أَىْ يَحْرُمُ تَقْبِيلُ الأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ بِلا شَهْوَةٍ
وَالأَجْنَبِيَّةُ هِىَ مَنْ سِوَى مَحَارِمِهِ وَزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ
الَّتِى تَحِلُّ لَهُ.
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الأُذُنِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الأُذُنِ الِاسْتِمَاعُ
إِلَى كَلامِ قَوْمٍ أَخْفَوْهُ عَنْهُ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ
لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّجَسُّسِ الْمُحَرَّمِ (وَ)الِاسْتِمَاعُ
(إِلَى) صَوْتِ (الْمِزْمَارِ
وَالطُّنْبُورِ وَهُوَ ءَالَةُ) لَهْوٍ (تُشْبِهُ
الْعُودَ وَ)إِلَى (سَائِرِ الأَصْوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَكَالِاسْتِمَاعِ
إِلَى الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهِمَا بِخِلافِ مَا إِذَا دَخَلَ
عَلَيْهِ السَّمَاعُ قَهْرًا) بِلا اسْتِمَاعٍ مِنْهُ (وَكَرِهَهُ) بِقَلْبِهِ (وَلَزِمَهُ)
لِيَسْلَمَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ (الإِنْكَارُ)
أَىْ إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ (إِنْ
قَدَرَ) وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِنْكَارُ بِقَلْبِهِ وَمُفَارَقَةُ
الْمَجْلِسِ.
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ التَّطْفِيفُ
فِى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالذَّرْعِ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ
وَالتَّطْفِيفُ هُوَ أَنْ يُنْقِصَ الْبَائِعُ مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِى عِنْدَ
الْبَيْعِ (وَالسَّرِقَةُ) وَهِىَ أَخْذُ
مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً بِغَيْرِ حَقٍّ (وَيُحَدُّ)
السَّارِقُ (إِنْ سَرَقَ مَا يُسَاوِى رُبْعَ
دِينَارٍ) مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ (مِنْ
حِرْزِهِ) أَىْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى يُحْفَظُ فِيهِ عَادَةً (بِقَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى) مِنَ الْكُوعِ (ثُمَّ إِنْ عَادَ) ثَانِيًا (فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى) أَىْ تُقْطَعُ رِجْلُهُ
الْيُسْرَى مِنَ الْكَعْبِ (ثُمَّ) إِنْ عَادَ
ثَالِثًا تُقْطَعُ (يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ)
إِنْ عَادَ رَابِعًا تُقْطَعُ (رِجْلُهُ الْيُمْنَى. وَمِنْهَا)
أَىْ وَمِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ (النَّهْبُ)
وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ جِهَارًا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَالْغَصْبُ)
وَهُوَ الِاسْتِيلاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ ظُلْمًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ
(وَالْمَكْسُ) وَهُوَ الضَّرَائِبُ الَّتِى
تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَالْغُلُولُ)
وَهُوَ الأَخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ
وَالْغَنِيمَةُ هِىَ مَا يَغْنَمُهُ الْمُسْلِمُونَ فِى الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ
الْكُفَّارِ (وَالْقَتْلُ) بِغَيْرِ حَقٍّ (وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلقًا) أَىْ فِى قَتْلِ
الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا (وَ)الْكَفَّارَةُ (هِىَ عِتْقُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (سَلِيمَةٍ)
عَمَّا يُخِلُّ بِالْعَمَلِ كَالْعَمَى وَالْفَالِجِ (فَإِنْ
عَجَزَ) عَنِ الإِعْتَاقِ (صَامَ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ، وَفِى عَمْدِهِ) أَىْ فِى قَتْلِ الْعَمْدِ (الْقِصَاصُ) أَىِ الْقَتْلُ (إِلَّا أَنْ عَفَا عَنْهُ الْوَارِثُ) لِلْقَتِيلِ (عَلَى) أَنْ يَدْفَعَ (الدِّيَةَ
أَوْ مَجَّانًا) أَىْ عَفَا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِدَفْعِ
الدِّيَةِ فَلا يُقْتَلُ حِينَئِذٍ. (وَفِى)
قَتْلِ (الْخَطَإِ) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدِ
الْقَتِيلَ بِفِعْلٍ (وَشِبْهِهِ) بِأَنْ
قَصَدَهُ بِمَا لا يَقْتُلُ غَالِبًا كَأَنْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةٍ فِى غَيْرِ
مَقْتَلٍ (الدِّيَةُ) لا الْقِصَاصُ (وَهِىَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ فِى الذَّكَرِ الْحُرِّ
الْمُسْلِمِ وَنِصْفُهَا فِى الأُنْثَى الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَتَخْتَلِفُ
صِفَاتُ الدِّيَةِ بِحَسَبِ) نَوْعِ (الْقَتْلِ،
وَمِنْهَا) أَىْ وَمِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ (الضَّرْبُ)
أَىْ ضَرْبُ الْمُسْلِمِ (بِغَيْرِ حَقٍّ)
وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَأَخْذُ الرِّشْوَةِ
وَإِعْطَاؤُهَا) وَالرِّشْوَةُ هِىَ مَا يُعْطَى لِإِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ
لِإِحْقَاقِ بَاطِلٍ أَىْ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ تَحْصِيلِ حَقِّهِ أَوْ
لِلتَّوَصُّلِ إِلَى كَسْبِ وَتَحْصِيلِ مَا لا يَسْتَحِقُّهُ وَأَمَّا مَا
يَدْفَعُهُ الْمُسْلِمُ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ لِتَحْصِيلِ
حَقِّهِ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ (وَ)مِنْ
الْمَعَاصِى الْكَبَائِرِ (إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ)
بِالنَّارِ وَهُوَ حَىٌّ (إِلَّا إِذَا ءَاذَى
وَتَعَيَّنَ) الإِحْرَاقُ (طَرِيقًا فِى
الدَّفْعِ) أَىْ فِى دَفْعِ الأَذَى وَالضَّرَرِ فَلا حُرْمَةَ حِينَئِذٍ (وَ)مِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ (الْمُثْلَةُ بِالْحَيَوَانِ) أَىْ تَقْطِيعُ
أَجْزَائهِ كَأَنْفِهِ أَوْ أُذُنِهِ وَهُوَ حَىٌّ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ تَعْذِيبًا
لَهُ (وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ) وَهُوَ
الْمَعْرُوفُ فِى بَعْضِ الْبِلادِ بِالزَّهْرِ وَاللَّعِبُ بِالأَوْرَاقِ
الْمُزَوَّقَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِى بَعْضِ الْبِلادِ بِوَرَقِ الشَّدَّةِ (وَكُلُّ مَا فِيهِ قِمَارٌ حَتَّى لَعِبُ الصِّبْيَانِ
بِالْجَوْزِ وَالْكِعَابِ) عَلَى صُورَةِ اللَّعِبِ بِالْقِمَارِ فَلا
يَجُوزُ لِأَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ تَمْكِينُ الصِّبْيَانِ مِنْهُ (وَاللَّعِبُ بِآلاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ كَالطُّنْبُورِ
وَالرَّبَابِ وَالْمِزْمَارِ وَالأَوْتَارِ) كَالْكَمَنْجَةِ (وَ)مِنْ مَعَاصِى الْيَدَيْنِ (لَمْسُ الأَجْنَبِيَّةِ) أَىْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ وَالزَّوْجَةِ
وَنَحْوِهَا (عَمْدًا بِغَيْرِ حَائِلٍ)
وَلَوْ بِلا شَهْوَةٍ (أَوْ بِهِ بِشَهْوَةٍ)،
وَاللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ (وَلَوْ مَعَ)
اتِّحَادِ (جِنْسٍ) كَلَمْسِ رَجُلٍ لِرَجُلٍ
بِشَهْوَةٍ أَوْ لَمْسِ امْرَأَةٍ لِامْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ (أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ) كَلَمْسِ رَجُلٍ مَحْرَمًا لَهُ
بِشَهْوَةٍ (وَتَصْوِيرُ ذِى رُوحٍ) وَلَوْ
بِهَيْئَةٍ لا يَعِيشُ بِهَا الْحَيَوَانُ كَصُنْعِ تِمْثَالٍ لِإِنْسَانٍ أَوْ
بَهِيمَةٍ (وَمَنْعُ الزَّكَاةِ) أَىْ تَرْكُ
دَفْعِهَا (أَوْ) إِعْطَاءُ (بَعْضِهَا) أَوْ تَأْخِيرُ دَفْعِهَا (بَعْدَ) وَقْتِ (الْوُجُوبِ
وَالتَّمَكُّنِ) لِغَيْرِ عُذْرٍ (وَإِخْرَاجُ
مَا لا يُجْزِئُ) عَنِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ (أَوْ
إِعْطَاؤُهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّهَا) كَإِعْطَائِهَا لِغَنِىٍّ أَوْ
مَنْسُوبٍ لِلرَّسُولِ ﷺ. (وَ)مِنْ مَعَاصِى
الْيَدَيْنِ (مَنْعُ الأَجِيرِ أُجْرَتَهُ) وَهُوَ
مِنَ الْكَبَائِرِ (وَمَنْعُ الْمُضْطَرِّ مَا
يَسُدُّهُ) أَىْ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ بِلا عُذْرٍ وَهُوَ مِنَ
الْكَبَائِرِ وَالْمُرَادُ بِالْمُضْطَرِّ مَنِ اضْطُرَّ لِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ
أَوْ كِسْوَةٍ يَدْفَعُ بِهَا الْهَلاكَ عَنْ نَفْسِهِ (وَعَدَمُ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِيهِمَا وَكِتَابَةُ
مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ) مِنْ غِيبَةٍ وَغَيْرِهَا وَمِثْلُ الْقَلَمِ
فِى ذَلِكَ سَائِرُ أَدَوَاتِ الْكِتَابَةِ مِنْ ءَالاتِ طِبَاعَةٍ وَحَاسُوبٍ
وَنَحْوِهَا (وَالْخِيَانَةُ وَهِىَ ضِدُّ
النَّصِيحَةِ فَتَشْمَلُ الأَفْعَالَ) كَأَكْلِ الأَمَانَةِ (وَالأَقْوَالَ) كَجَحْدِ الأَمَانَةِ (وَالأَحْوَالَ) كَمَنْ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ
مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الْفَرْجِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ الزِّنَى)
وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ أَىْ رَأْسِ الذَّكَرِ فِى فَرْجِ امْرَأَةٍ لا
تَحِلُّ لَهُ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَاللِّوَاطُ)
وَهُوَ إِدْخَالُ الْحَشَفَةِ فِى
دُبُرِ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَأَمَّا جِمَاعُ الزَّوْجَةِ فِى دُبُرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ لَكِنَّهُ
لَيْسَ إِلَى حَدِّ اللِّوَاطِ بِغَيْرِ امْرَأَتِهِ وَلا تَطْلُقُ مِنْهُ بِهَذَا
الْفِعْلِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ (وَيُحَدُّ الْحُرُّ)
الْمُكَلَّفُ (الْمُحْصَنُ) أَىِ الَّذِى
جَامَعَ فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ (ذَكَرًا كَانَ أَوْ
أُنْثَى) إِذَا زَنَى (بِالرَّجْمِ
بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَدِلَةِ حَتَّى يَمُوتَ وَ)يُحَدُّ
(غَيْرُهُ) أَىْ غَيْرُ الْمُحْصَنِ (بِمِائَةِ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبِ سَنَةٍ) إِلَى
مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنْ مَحَلِّ الزِّنَى (لِلْحُرِّ
وَيُنَصَّفُ ذَلِكَ لِلرَّقِيقِ) أَىِ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ. وَأَمَّا
حَدُّ فَاعِلِ اللِّوَاطِ فَهُوَ كَحَدِّ الزِّنَى وَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهِ
فَحَدُّهُ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ (وَمِنْهَا)
أَىْ وَمِنَ مَعَاصِى الْفَرْجِ (إِتْيَانُ
الْبَهَائِمِ) أَىْ جِمَاعُهَا (وَلَوْ)
كَانَتْ (مِلْكَهُ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ
(وَالِاسْتِمْنَاءُ) وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ
الْمَنِىِّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ بِيَدِهِ أَوْ (بِيَدِ غَيْرِ
الْحَلِيلَةِ) أَىْ غَيْرِ (الزَّوْجَةِ
وَأَمَتِهِ الَّتِى تَحِلُّ لَهُ وَالْوَطْءُ) أَىِ الْجِمَاعُ (فِى الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ) وَهُوَ مِنَ
الْكَبَائِرِ (أَوِ) الْوَطْءُ (بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا وَقَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ
الْغُسْلِ بِلا نِيَّةٍ) مُجْزِئَةٍ (مِنَ
الْمُغْتَسِلَةِ أَوْ مَعَ فَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ) وَهُوَ مَا لا
بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ (وَ)مِنْ
مَعَاصِى الْفَرْجِ (التَّكَشُّفُ عِنْدَ مَنْ
يَحْرُمُ نَظَرُهُ إِلَيْهِ) أَىْ كَشْفُ الْعَوْرَةِ عِنْدَ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إِلَيْهَا (أَوْ) كَشْفُ الْعَوْرَةِ (فِى
الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ) أَمَّا لِغَرَضٍ كَالتَّبَرُّدِ فَيَجُوزُ
وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ فِى الْخَلْوَةِ السَّوْأَتَانِ أَىِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ
وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ فِى الْخَلْوَةِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا
(وَ)مِنْ مَعَاصِى الْفَرْجِ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَوِ اسْتِدْبَارُهَا بِبَوْلٍ
أَوْ غَائِطٍ) فِى غَيْرِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ
(أَوْ) مَعَ وُجُودِ حَائِلٍ لِكِنْ (بَعُدَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ أَوْ كَانَ)
ارْتِفَاعُهُ (أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ إِلَّا
فِى الْمُعَدِّ لِذَلِكَ أَىْ إِلَّا فِى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ
الْحَاجَةِ) كَبَيْتِ الْخَلاءِ فَلا يَحْرُمُ (وَ)مِنْ
مَعَاصِى الْفَرْجِ التَّبَوُّلُ أَوِ (التَّغَوُّطُ
عَلَى الْقَبْرِ) أَىْ عَلَى قَبْرِ الْمُسْلِمِ (وَالْبَوْلُ
فِى الْمَسْجِدِ) أَىْ فِى الْمَكَانِ الْمَوْقُوفِ لِلصَّلاةِ (وَلَوْ فِى إِنَاءٍ وَعَلَى) الْمَكَانِ (الْمُعَظَّمِ) شَرْعًا كَالْجِمَارِ وَهِىَ
مَوَاضِعُ رَمْىِ الْحَصَى بِمِنًى (وَتَرْكُ
الْخِتَانِ لِلْبَالِغِ) إِنْ أَطَاقَ (وَيَجُوزُ)
تَرْكُهُ (عِنْدَ مَالِكٍ).
(فَصَلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الرِّجْلِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الْمَشْىُ فِى
مَعْصِيَةٍ كَالْمَشْىِ فِى سِعَايَةٍ بِمُسْلِمٍ) أَىْ لِلإِضْرَارِ بِهِ
بِغَيْرِ حَقٍّ كَالَّذِى يَتَجَسَّسُ عَلَى النَّاسِ فَيَأْخُذُ الأَخْبَارَ
إِلَى الْحَاكِمِ لِيَضُرَّهُمْ (أَوِ)
الْمَشْىِ (فِى قَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِبَاقُ)
أَىْ هُرُوبُ (الْعَبْدِ) الْمَمْلُوكِ مِنْ
سَيِّدِهِ (وَالزَّوْجَةِ) مِنْ زَوْجِهَا
بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِىٍّ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَ)هُرُوبُ
(مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ قِصَاصٍ)
بِأَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ (أَوْ)
مِنْ أَدَاءِ (دَيْنٍ أَوْ نَفَقَةٍ)
وَاجِبَةٍ (أَوْ بِرِّ وَالِدَيْهِ)
الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (أَوْ تَرْبِيَةِ الأَطْفَالِ). (وَ)مِنْ
مَعَاصِى الرِّجْلِ (التَّبَخْتُرُ فِى الْمَشْىِ)
وَهُوَ أَنْ يَمْشِىَ مِشْيَةَ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ (وَتَخَطِّى
الرِّقَابِ) أَىْ رَفْعُ الرِّجْلِ فَوْقَ أَكْتَافِ الْجَالِسِينَ فِى
الْمَسْجِدِ لِلْمُرُورِ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِ الإِيذَاءِ لَهُمْ أَمَّا
التَّخَطِّى مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ فَمَكْرُوهٌ (إِلَّا)
إِذَا كَانَ التَّخَطِّى (لِفُرْجَةٍ) أَىْ
لِأَجْلِ سَدِّ فُرْجَةٍ لا يَصِلُهَا بِغَيْرِ تَخَطٍّ (وَ)يَحْرُمُ
(الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى إِذَا
كَمَلَتْ شُرُوطُ السُّتْرَةِ) أَىْ يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
السُّتْرَةِ إِذَا كَانَتْ مُرْتَفِعَةً قَدْرَ ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ
وَقَرِيبَةً مِنْهُ ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلّ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَتُعَدُّ سَجَّادَةُ الصَّلاةِ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّى إِنْ لَمْ يَزِدْ طُولُهَا
عَلَى ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ وَلا يُعَدُّ الشَّخْصُ الْقَاعِدُ أَمَامَ الْمُصَلِّى
سُتْرَةً لَهُ (وَ)يَحْرُمُ (مَدُّ الرِّجْلِ إِلَى الْمُصْحَفِ إِذَا كَانَ)
قَرِيبًا وَ(غَيْرَ مُرْتَفِعٍ) لِأَنَّ فِى
ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ (وَكُلُّ مَشْىٍ إِلَى
مُحَرَّمٍ) كَالْمَشْىِ لِلزِّنَى (وَتَخَلُّفٍ
عَنْ وَاجِبٍ) كَالْمَشْىِ الَّذِى يَحْصُلُ بِهِ إِخْرَاجُ الصَّلاةِ عَنْ
وَقْتِهَا.
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ مَعَاصِى الْبَدَنِ.
(وَمِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ عُقُوقُ
الْوَالِدَيْنِ) وَهُوَ أَنْ يُؤْذِىَ الْمُسْلِمُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ أَوْ
كِلَيْهِمَا أَذًى شَدِيدًا. وَمِنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ ضَرْبُهُمَا أَوْ
شَتْمُهُمَا أَوْ تَرْكُ الإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ (وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَهُوَ أَنْ يَفِرَّ مِنْ
بَيْنِ الْمُقَاتِلِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بَعْدَ حُضُورِ مَوْضِعِ
الْمَعْرَكَةِ) فَلا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ أَرْضِ
الْمَعْرَكَةِ إِذَا كَانَ عَدَدُ الْكُفَّارِ ضِعْفَ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ
أَقَلَّ إلا لِعُذْرٍ (وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ)
بِلا عُذْرٍ وَتَحْصُلُ بِتَرْكِ زِيَارَتِهِمْ أَوْ تَرْكِ الإِحْسَانِ
إِلَيْهِمْ بِالْمَالِ فِى حَالِ الْحَاجَةِ النَّازِلَةِ بِهِمْ. وَالأَرْحَامُ
هُمْ كَالأُمِّ وَالأَبِ وَالإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ وَالأَقَارِبِ كَالْجَدَّاتِ
وَالأَجْدَادِ وَالْخَالاتِ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلادِهِنَّ وَالأَخْوَالِ
وَالأَعْمَامِ وَأَوْلادِهِمْ (وَإِيذَاءُ الْجَارِ)
حَرَامٌ (وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا لَهُ أَمَانٌ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ (أَذًى ظَاهِرًا) كَضَرْبِهِ أَوْ سَبِّهِ (وَخَضْبُ الشَّعَرِ) أَىْ صَبْغُهُ (بِالسَّوَادِ) وَهُوَ حَرَامٌ لِلرَّجُلِ
وَالْمَرْأَةِ وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِلْمَرْأَةِ بِإِذْنِ
زَوْجِهَا (وَتَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ
وَعَكْسُهُ) فِى الْكَلامِ وَالْمَشْىِ وَالْمَلْبَسِ (أَىْ بِمَا هُوَ خَاصٌّ بِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ فِى
الْمَلْبَسِ وَغَيْرِهِ وَإِسْبَالُ الثَّوْبِ لِلْخُيَلاءِ أَىْ إِنْزَالُهُ عَنِ
الْكَعْبِ لِلْفَخْرِ) وَالْكِبْرِ وَهُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ
أَمَّا لِغَيْرِ الْفَخْرِ وَالْكِبْرِ فَمَكْرُوهٌ لِلرِّجَالِ (وَ)اسْتِعْمَالُ (الْحِنَّاءِ
فِى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلرَّجُلِ بِلا حَاجَةٍ) لِمَا فِيهِ
مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ (وَقَطْعُ الْفَرْضِ)
مِنْ صَلاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ (بِلا عُذْرٍ وَقَطْعُ
نَفْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يَصِيرُ
إِتْمَامُهُ وَاجِبًا (وَمُحَاكَاةُ الْمُؤْمِنِ)
أَىْ تَقْلِيدُهُ فِى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (اسْتِهْزَاءً
بِهِ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَالتَّجَسُّسُ
عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ) أَىِ الْبَحْثُ عَنْ عُيُوبِهِمْ
وَمَسَاوِئِهِمْ (وَالْوَشْمُ) وَهُوَ غَرْزُ
الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ الْكُحْلُ
الأَسْوَدُ أَوْ شَىْءٌ أَخْضَرُ فَيَخْتَلِطُ بِالدَّمِ وَيَبْقَى لَوْنُهُ (وَهَجْرُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاثٍ) أَىْ يُكْتَبُ
عَلَيْهِ ذَنْبٌ بِتَرْكِ تَكْلِيمِهِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (إِلَّا) إِذَا كَانَ هَجْرُهُ (لِعُذْرٍ شَرْعِىٍّ) كَأَنْ كَانَ شَارِبَ خَمْرٍ
أَوْ تَارِكًا لِلصَّلاةِ فَيَجُوزُ هَجْرُهُ إِلَى أَنْ يَتُوبَ بَعْدَ
إِعْلامِهِ بِسَبَبِ الْهَجْرِ (وَمُجَالَسَةُ
الْمُبْتَدِعِ أَوِ الْفَاسِقِ لِلإِينَاسِ لَهُ عَلَى فِسْقِهِ) كَأَنْ
جَلَسَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ
الْمُبْتَدِعُ فِى الِاعْتِقَادِ وَهُوَ إِمَّا كَافِرٌ كَالْمُشَبِّهِ وَإِمَّا
مُسْلِمٌ عَاصٍ وَالْمُرَادُ بِالْفَاسِقِ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ
كَشَارِبِ الْخَمْرِ (وَلُبْسُ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْحَرِيرِ) الْخَالِصِ (أَوْ
مَا أَكْثَرُهُ وَزْنًا مِنْهُ لِلرَّجُلِ) أَىِ الذَّكَرِ (الْبَالِغِ إِلَّا خَاتَمَ الْفِضَّةِ) فَإِنَّهُ
جَائِزٌ. (وَ)تَحْرُمُ (الْخَلْوَةُ) أَىْ خَلْوَةُ الرَّجُلِ (بِالأَجْنَبِيَّةِ) الْبَالِغَةِ أَوِ
الْمُرَاهِقَةِ (بِحَيْثُ لا يَرَاهُمَا) مُسْلِمٌ
(ثَالِثٌ) بَصِيرٌ ثِقَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ
مُمَيِّزٌ (يُسْتَحَى مِنْهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى) كَابْنِ تِسْعِ سِنِينَ (وَسَفَرُ
الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ) مَحْرَمٍ كَأَخٍ أَوْ (نَحْوِ
مَحْرَمٍ) كَزَوْجٍ وَلَوْ سَفَرًا قَصِيرًا كَنَحْوِ عِشْرِينَ كِيلُو
مِتْرًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَاسْتِخْدَامُ الْحُرِّ
كُرْهًا) بِأَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى عَمَلٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ
كَالْعَمَلِ فِى الْبِنَاءِ وَحِرَاثَةِ الأَرْضِ (وَمُعَادَاةُ
الْوَلِىِّ) أَىِ اتِّخَاذُهُ عَدُوًّا وَمُحَارَبَتُهُ وَالْوَلِىُّ هُوَ
مَنْ أَدَّى جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ
وَأَكْثَرَ مِنَ نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ (وَالإِعَانَةُ
عَلَى الْمَعْصِيَةِ) كَأَنْ يَبِيعَ السِّلاحَ لِمَنْ يَعْتَدِى بِهِ
عَلَى النَّاسِ (وَتَرْوِيجُ الزَّائِفِ)
كَالَّذِى يُرَوِّجُ الْعُمْلَةَ الْوَرَقِيَّةَ الْمُزَيَّفَةَ لِمَا فِيهِ مِنَ
الْغَشِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ (وَاسْتِعْمَالُ
أَوَانِى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) فِى الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَهُوَ مِنَ
الْكَبَائِرِ (وَ)يَحْرُمُ (اتِّخَاذُهَا) أَىِ اقْتِنَاءُ أَوَانِيهِمَا بِلا
اسْتِعْمَالٍ (وَتَرْكُ) أَدَاءِ (الْفَرْضِ) كَالصَّلاةِ (أَوْ
فِعْلُهُ) صُورَةً (مَعَ تَرْكِ رُكْنٍ)
مِنْ أَرْكَانِهِ (أَوْ شَرْطٍ) مِنْ
شُرُوطِهِ (أَوْ مَعَ فِعْلِ مُبْطِلٍ لَهُ وَتَرْكُ)
صَلاةِ (الْجُمُعَةِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ
صَلَّى الظُّهْرَ) بَدَلًا عَنْهَا (وَتَرْكُ
نَحْوِ أَهْلِ قَرْيَةٍ) أَوْ مَدِينَةٍ (الْجَمَاعَاتِ
فِى) الصَّلَوَاتِ (الْمَكْتُوبَاتِ
وَتَأْخِيرُ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ) كَأَنْ أَخَّرَ
الصَّلاةَ عَمْدًا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى (وَرَمْىُ الصَّيْدِ بِالْمُثَقَّلِ الْمُذَفِّفِ)
فَلا يَجُوزُ الصَّيْدُ بِالْمُثَقَّلِ (أَىْ
بِالشَّىْءِ الَّذِى يَقْتُلُ بِثِقَلِهِ كَالْحَجَرِ) وَلا بِالْمُذَفِّفِ
وَهُوَ الْمُسْرِعُ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ كَالرَّصَاصِ الَّذِى عُرِفَ
اسْتِعْمَالُهُ لِلصَّيْدِ (وَاتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ
غَرَضًا) أَىْ هَدَفًا يُرْمَى إِلَيْهِ لِتَعَلُّمِ الرِّمَايَةِ أَوْ
لِلَّهْوِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَعَدَمُ
مُلازَمَةِ الْمُعْتَدَّةِ) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (لِلْمَسْكَنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ) أَىْ تَرْكُ
الْمَبِيتِ فِى بَيْتِهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ وَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ إِلَّا إِذَا
كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْحَمْلِ
وَيَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ كَشِرَاءِ طَعَامٍ إِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ
يَقْضِى لَهَا حَاجَتَهَا. (وَ)مِنْ مَعَاصِى
الْبَدَنِ (تَرْكُ) الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى
عَنْهَا زَوْجُهَا (الإِحْدَادَ عَلَى الزَّوْجِ)
وَالإِحْدَادُ هُوَ الْتِزَامُ تَرْكِ الزِّينَةِ
وَالطِّيبِ إِلَى انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ وَلَيْسَ مِنَ الإِحْدَادِ الْوَاجِبِ
عَدَمُ تَكْلِيمِهَا لِلرِّجَالِ الأَجَانِبِ وَعَدَمُ كَشْفِ وَجْهِهَا
أَمَامَهُمْ أَوْ عَدَمُ الْجُلُوسِ فِى شُرْفَةِ الْبَيْتِ فَإِنَّ ذَلِكَ
جَائِزٌ (وَ)يَحْرُمُ (تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ) بِنَجِسٍ كَبَوْلٍ (وَتَقْذِيرُهُ وَلَوْ بِطَاهِرٍ) مُسْتَقْذَرٍ
كَالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ (وَالتَّهَاوُنُ
بِالْحَجِّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ) أَىْ إِذَا أَخَّرَ
أَدَاءَ الْحَجِّ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ
وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. وَإِذَا حُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ سَقَطَ عَنْهُ
الْفَرْضُ فَلا يُسْأَلُ عَنْهُ (وَالِاسْتِدَانَةُ
لِمَنْ لا يَرْجُو وَفَاءً لِدَيْنِهِ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ
دَائِنُهُ بِذَلِكَ) أَمَّا إِنْ كَانَ دَائِنُهُ يَعْلَمُ بِحَالِهِ
وَمَعَ ذَلِكَ أَقْرْضَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ (وَعَدَمُ
إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ) أَىِ الْعَاجِزِ عَنْ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ
الدَّيْنِ مَعَ عِلْمِ الدَّائِنِ بِعَجْزِهِ أَىْ يَحْرُمُ أَنْ يُؤْذِيَهُ
بِحَبْسٍ أَوْ إِزْعَاجٍ (وَبَذْلُ الْمَالِ)
أَىْ صَرْفُهُ (فِى الْمَعْصِيَةِ) وَهُوَ
مِنَ الْكَبَائِرِ كَالَّذِى يَصْرِفُ الْمَالَ فِى شِرَاءِ الصُّوَرِ
الْمُجَسَّمَةِ لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ (وَالِاسْتِهَانَةُ
بِالْمُصْحَفِ) أَىِ الإِخْلالُ بِتَعْظِيمِهِ كَمَسِّهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ
أَوْ مَدِّ الرِّجْلِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ قَرِيبًا وَغَيْرَ مُرْتَفِعٍ وَأَمَّا
الِاسْتِخْفَافُ بِهِ كَدَوْسِهِ عَمْدًا أَوْ حَرْقِهِ بِنِيَّةِ الِاسْتِخْفَافِ
بِهِ فَهُوَ كُفْرٌ، (وَ)الِاسْتِهَانَةُ (بِكُلِّ عِلْمٍ شَرْعِىٍّ) كَتَوَسُّدِ كُتُبَ
الشَّرْعِ (وَتَمْكِينُ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ
مِنْهُ) أَىْ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لِغَيْرِ
حَاجَةِ الصَّبِىِّ لِلتَّعَلُّمِ فِيهِ (وَتَغْيِيرُ
مَنَارِ الأَرْضِ أَىْ تَغْيِيرُ الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ مِلْكِهِ وَمِلْكِ
غَيْرِهِ) بِأَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ جَارِهِ وَيَضُمَّهَا إِلَى
أَرْضِهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَالتَّصَرُّفُ
فِى الشَّارِعِ) وَهُوَ الطَّرِيقُ النَّافِذُ (بِمَا
لا يَجُوزُ) فِعْلُهُ فِيهِ أَىْ بِمَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ كَأَنْ
يَبْنِىَ شَيْئًا مُرْتَفِعًا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فِى الشَّارِعِ أَوْ لِيَضَعَ
عَلَيْهِ أَغْرَاضَهُ لِيَبِيعَهَا (وَاسْتِعْمَالُ)
الشَّىْءِ (الْمُعَارِ فِى غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ
فِيهِ) كَأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَنَقَلَ عَلَيْهَا
مَتَاعَ مَنْزِلِهِ (أَوْ زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ
الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا) كَأَنْ أَعَارَهُ شَخْصٌ سَيَّارَتَهُ لِأُسْبُوعٍ
فَاسْتَعْمَلَهَا أُسْبُوعَيْنِ (أَوْ أَعَارَهُ
لِغَيْرِهِ) أَىْ أَعَارَ الشَّىْءَ الْمُعَارَ لِغَيْرِهِ بِلا إِذْنٍ
مِنَ الْمَالِكِ (وَ)مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ
(تَحْجِيرُ الْمُبَاحِ) أَىْ مَنْعُ النَّاسِ
مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ لَهُمْ (كَالْمَرْعَى)
فِى أَرْضٍ لا مَالِكَ لَهَا (وَالِاحْتِطَابِ)
أَىْ أَخْذِ الْحَطَبِ (مِنَ) الأَرْضِ (الْمَوَاتِ) الَّتِى لا مَالِكَ لَهَا (وَ)مَنْعُهُمْ مِنْ أَخْذِ (الْمِلْحِ مِنْ مَعْدِنِهِ) كَالْبَحْرِ (وَالنَّقْدَيْنِ) أَىِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ مَعْدِنِهِمَا
أَىْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى خُلِقَا فِيهِ (وَغَيْرِهِمَا)
مِنَ الْمَعَادِنِ (وَ)يَحْرُمُ مَنْعُ
النَّاسِ مِنَ (الْمَاءِ لِلشُّرْبِ مِنَ
الْمُسْتَخْلَفِ وَهُوَ الَّذِى إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَىْءٌ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ)
كَمَنْعِهِمْ مِنَ الشُّرْبِ مِنَ مَاءِ الْبِئْرِ الَّتى حَفَرَهَا فِى الأَرْضِ
الْمَوَاتِ (وَاسْتِعْمَالُ اللُّقَطَةِ) وَهِىَ
مَا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ فِى شَارِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِمَا (قَبْلَ التَّعْرِيفِ) عَنْهَا (بِشُرُوطِهِ) فَإِذَا عَرَّفَهَا سَنَةً جَازَ لَهُ
أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا إِذَا ظَهَرَ (وَالْجُلُوسُ) فِى مَكَانٍ (مَعَ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرِ) أَىِ الْبَقَاءُ فِيهِ مَعَ
الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِيهِ (إِذَا لَمْ
يُعْذَرْ وَالتَّطَفُّلُ فِى الْوَلائِمِ وَهُوَ الدُّخُولُ) إِلَيْهَا (بِغَيْرِ إِذْنٍ أَوْ أَدْخَلُوهُ) إِلَيْهَا (حَيَاءً) مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ (وَعَدَمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى
النَّفَقَةِ) الْوَاجِبَةِ (وَالْمَبِيتِ)
وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَأَمَّا التَّفْضِيلُ)
أَىْ عَدَمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ (فِى
الْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْمَيْلِ) وَالْجِمَاعِ وَمَا زَادَ عَلَى
النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ (فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ).
(وَخُرُوجُ الْمَرْأَةِ) مِنْ بَيْتِهَا
حَرَامٌ (إِنْ كَانَتْ تَمُرُّ عَلَى الرِّجَالِ
الأَجَانِبِ بِقَصْدِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ) أَىِ اسْتِمَالَتِهِمْ
لِلْمَعْصِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ سَاتِرَةً لِلْعَوْرَةِ (وَالسِّحْرُ)
وَهُوَ مُزَاوَلَةُ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ خَبِيثَةٍ وَمِنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ كَالسُّجُودِ
لِصَنَمٍ أَوْ شَيْطَانٍ (وَالْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ
الإِمَامِ) أَىِ الْخَلِيفَةِ (كَالَّذِينَ
خَرَجُوا عَلَى) سَيِّدِنَا (عَلِىٍّ
فَقَاتَلُوهُ) فِى الْوَقَائِعِ الثَّلاثِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ
وَالنَّهْرَوَانِ (قَالَ) الإِمَامُ (الْبَيْهَقِىُّ) فِى كِتَابِ الِاعْتِقَادِ (كُلُّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا فَهُمْ بُغَاةٌ) أَىْ
ظَالِمُونَ (وَكَذَلِكَ قَالَ) الإِمَامُ (الشَّافِعِىُّ قَبْلَهُ) فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ
الْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُ فَالَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى سَيِّدِنَا عَلِىٍّ
ظَلَمُوهُ (وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُمْ مِنْ
خِيَارِ الصَّحَابَةِ) كَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا
(لِأَنَّ الْوَلِىَّ لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ)
الْوُقُوعُ فِى (الذَّنْبِ وَلَوْ كَانَ مِنَ
الْكَبَائِرِ) وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ تَابَا
وَرَجَعَا عَنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ. (وَ)مِنْ
مَعَاصِى الْبَدَنِ (التَّوَلِّى عَلَى يَتِيمٍ أَوِ
مَسْجِدٍ أَوْ لِقَضَاءٍ) أَىْ أَنْ يَتَوَلَّى الشَّخْصُ التَّصَرُّفَ
بِمَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فِيهِ أَوْ
يَتَوَلَّى وَظِيفَةً تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ كَأَنْ يَنْتَصِبَ إِمَامًا فِى
مَسْجِدٍ لِيُصَلِىَّ بِالنَّاسِ وَهُوَ لا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْ
يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا (أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ
الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ، وَإِيوَاءُ الظَّالِمِ وَمَنْعُهُ مِمَّنْ
يُرِيدُ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْهُ) وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ (وَتَرْوِيعُ الْمُسْلِمِينَ) أَىْ تَخْوِيفُهُمْ
وَإِرْعابُهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَقَطْعُ الطَّرِيقِ)
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَحْصُلُ بِإِخَافَةِ الْمَارَّةِ أَوْ أَخْذِ
أَمْوَالِهِمْ أَوْ قَتْلِهِمْ (وَيُحَدُّ)
أَىْ يُعَاقَبُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ (بِحَسَبِ
جِنَايَتِهِ إِمَّا بِتَعْزِيرٍ) كَحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ إِنْ كَانَتْ
جِنَايَتُهُ إِخَافَةَ الْمَارَّةِ فَقَطْ (أَوْ
بِقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلافٍ) فَتُقَطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنَ
الْكُوعِ وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنَ الْكَعْبِ (إِنْ)
أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يُسَاوِى رُبْعَ دِينَارِ ذَهَبٍ أَوْ أَكْثَرَ وَ(لَمْ يَقْتُلْ أَوْ) يُعَاقَبُ (بِقَتْلٍ وَصَلْبٍ أَىْ) يُقْتَلُ وَيُعَلَّقُ عَلَى
خَشَبَةٍ مُعْتَرِضَةٍ (إِنْ قَتَلَ) مِنْهُمْ
أَحَدًا وَأَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا أَمَّا إِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ بِلا
أَخْذِ مَالٍ فَعُقُوبَتُهُ الْقَتْلُ بِلا صَلْبٍ (وَمِنْهَا)
أَىْ وَمِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ (عَدَمُ الْوَفَاءِ
بِالنَّذْرِ) وَهُوَ مَا كَانَ فِى طَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ (وَالْوِصَالُ فِى الصَّوْمِ وَهُوَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ)
مُتَتَالِيَيْنِ (فَأَكْثَرَ بِلا تَنَاوُلِ
مُفَطِّرٍ) عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ (وَأَخْذُ
مَجْلِسِ غَيْرِهِ) فِى مَكَانٍ عَامٍّ كَمَسْجِدٍ (أَوْ زَحْمَتُهُ الْمُؤْذِيَةُ) أَىْ صَارَ
يُزَاحِمُهُ بِحَيْثُ يُؤْذِيهِ (أَوْ أَخْذُ
نَوْبَتِهِ) أَىْ أَخْذُ دَوْرِ غَيْرِهِ فِى نَحْوِ اسْتِقَاءِ الْمَاءِ
الَّذِى لا يَكْفِى لِأَهْلِ الْبَلَدِ إِلَّا بِالدَّوْرِ أَمَّا إِذَا كَانَ
الشَّخْصُ يَمْلِكُ فُرْنًا لِلْخُبْزِ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ
شَاءَ فِى الْبَيْعِ وَيُؤَخِّرَ مَنْ شَاءَ.
(التَّوْبَةُ)
(فَصْلٌ)
فِى بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ.
(تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ) جَمِيعِ (الذُّنُوبِ) كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا (فَوْرًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَ)أَرْكَانُ
التَّوْبَةِ (هِىَ النَّدَمُ) عَلَى وُقُوعِهِ
فِى الذَّنْبِ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ يَا لَيْتَنِى مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ (وَالإِقْلاعُ) عَنِ الذَّنْبِ (وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهِ).
وَمَعْرِفَةُ الْمَعَاصِى شَرْطٌ لِلتَّوْبَةِ مِنْهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا
وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَيْفَ يَتْرُكُهُ وَينْدَمُ علَى فِعْلِهِ ويَعْزِمُ علَى أَنْ
لا يَعُودَ إلَيْهِ وهُوَ لا يَعْرِفُ أَنَّهُ ذَنْبٌ. (وَإِنْ
كَانَ الذَّنْبُ تَرْكَ فَرْضٍ) كَصَلاةٍ (قَضَاهُ)
فَوْرًا (أَوْ) كَانَ فِيهِ (تَبِعَةٌ لِآدَمِىٍّ) كَأَنْ سَبَّ مُسْلِمًا أَوْ
ضَرَبَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ اسْتَسْمَحَهُ أَوْ كَانَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِىٍّ كَأَنْ سَرَقَ
لَهُ مَالَهُ (قَضَاهُ أَوِ اسْتَرْضَاهُ)
أَىْ رَدَّ لَهُ مَالَهُ أَوْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَامِحَهُ حَتَّى لا يَكُونَ
عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ وَعِقَابٌ فِى الآخِرَةِ.
ق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم