قيل
النفل ، والتطوع ، والمندوب ، والمستحب ، والسنة المؤكدة وغير المؤكدة .
قد اختلف الفقهاء في هذه الألفاظ ، على ثلاثة أقوال :
الأول : أنها مترادفة ، وهو المشهور عند الشافعية . مع أنهم لا يختلفون في أن بعض السنن آكد من بعض .
الثاني : أن النفل أعم ، فيدخل فيه السنة والمستحب ، وهو قول الحنفية .
الثالث : أن النفل : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يداوم عليه ، أي يتركه في بعض الأحيان ويفعله في بعض الأحيان .
والسنة : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره حالة كونه في جماعة وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه ، وهذا مذهب المالكية ، وقريب منه مذهب الحنابلة ، فقد جعلوا المندوب ثلاث مراتب ، أعلاها : السنة ، ثم الفضيلة ، ثم النافلة.
كلام أئمة المذاهب الأربعة :
1- المذهب الحنفي
الحنفية قالوا: تنقسم السنة إلى قسمين:
الأول: سنة مؤكدة. وهي بمعنى الواجب عندهم. لأنهم يقولون: إن الواجب أقل من الفرض. وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة ويسمى فرضاً عملياً. بمعنى أنه يعامل معاملة الفرائض في العمل. فيأثم بتركه. ويجب فيه الترتيب والقضاء ولكن لا يجب اعتقاد أنه فرض، وذلك كالوتر، فإنه عندهم فرض عملاً لا اعتقاداً، فيأثم تاركه، ولا يكفر منكر فرضيته، بخلاف الصلوات الخمس، فإنها فرض عملاً واعتقاداً، فيأثم تاركها، ويكفر منكرها، على أن تارك الواجب عند الحنفية لا يأثم إثم تارك الفرض، فلا يعاقب بالنار، على التحقيق، بل يحرم من شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وبذلك تعلم أن الحنفية إذا قالوا: هذه سنة مؤكدة، فإنما يريدون بها الواجب الذي ذكرنا، ومن أحكامها أنها إذا تركت في الصلاة سهواً، تجبر بالسجود.
الثاني سنة غير مؤكدة، ويسمونها مندوباً ومستحباً، وهي ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.
قال إبراهيم الحلبي الحنفي : " فصل في النوافل جمع نافلة وهي في اللغة الزيادة وفي الشرع العبادة التي ليست بفرض ولا واجب ، فتعم السنة والمستحب والتطوع الغير المؤقت " انتهى من "غنية المتملي في شرح منية المصلي" ص 383 .
وينبغي التنبيه إلى أن الحنفية يرون إثم تارك السنة المؤكدة ، لكن يقولون : إثمه أقل من إثم تارك الواجب.
قال ابن نجيم : " والذي يظهر من كلام أهل المذهب أن الإثم منوط بترك الواجب أو السنة المؤكدة على الصحيح ؛ لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس قيل لا يأثم ، والصحيح أنه يأثم ، ذكره في فتح القدير ، وتصريحهم بالإثم لمن ترك الجماعة مع أنها سنة مؤكدة على الصحيح , وكذا في نظائره لمن تتبع كلامهم ، ولا شك أن الإثم مقول بالتشكيك بعضه أشد من بعض ، فالإثم لتارك السنة المؤكدة أخف من الإثم لتارك الواجب " انتهى من "البحر الرائق" (1/ 319).
2- المذهب المالكي
المالكية قالوا: السنة هي ما طلبه الشارع، وأكد أمره، وعظم قدره وأظهره في الجماعة ولم يقم دليل على وجوبه. ويثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. وهي بخلاف المندوب عندهم. فإنه ما طلبه الشارع. ولم يؤكد طلبه. وإذا فعله المكلف يثاب، وإذا تركه لا يعاقب، ويعبرون عن المندوب بالفضيلة. ويمثلون لذلك بصلاة أربع ركعات قبل الظهر. وغير ذلك.
قال الدسوقي المالكي : " النفل لغة الزيادة ... واصطلاحا : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يداوم عليه أي يتركه في بعض الأحيان ويفعله في بعض الأحيان وليس المراد أنه يتركه رأسا لأن من خصائصه أنه إذا عمل عملا من البر لا يتركه بعد ذلك رأسا ... وأما السنة فهي لغة الطريقة واصطلاحا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره حالة كونه في جماعة وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه ، والمؤكد من السنن ما كثر ثوابه كالوتر " انتهى من "حاشية الدسوقي" (1/ 312).
3- المذهب الشافعي
الشافعية قالوا: السنة، والمندوب، والمستحب، والتطوع ألفاظ مترادفة بمعنى واحد، وهو واحد.
قال الخطيب الشربيني الشافعي : " باب في صلاة النفل وهو لغة : الزيادة , واصطلاحا : ما عدا الفرائض , سمي بذلك لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى , ويرادف النفل السنة والمندوب والمستحب والمرغب فيه والحسن , هذا هو المشهور . وقال القاضي وغيره : غير الفرض ثلاثة : تطوع , وهو ما لم يرد فيه نقل بخصوصه , بل ينشئه الإنسان ابتداء , وسنة وهي ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم ، ومستحب وهو ما فعله أحيانا , أو أمر به ولم يفعله , ولم يتعرضوا للبقية لعمومها للثلاثة مع أنه لا خلاف في المعنى , فإن بعض المسنونات آكد من بعض قطعا , وإنما الخلاف في الاسم " انتهى من "مغني المحتاج" (1/ 449).
قال الماوردي : ( وقال أبو حامد الإسفراييني : هي هيئة ، والفرق بين الهيئة والسنة بأن قال : الهيئة ما تهيأ به لفعل العبادة ، والسنة ما كانت في أفعالها الراتبة فيها ) الحاوي 1 / 100.
وقال الشيرازي : ( والسنة أن يواظب على السنن مع الفرائض ) التنبيه ص 34: وذكر ابن الفراء أن النوافل ثلاثة : سنن ومستحبات وتطوعات، فالسنن ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمستحب ما فعل مرة أو مرتين وهو ما فعله أحياناً ولم يواظب عليه ، والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره . التهذيب 2 / 223 – 225.
وقال الرافعي في الشرح ( 2 / 116 ) : (( اختلف اصطلاح الاصحاب في تطوع الصلاة فمنهم من يفسره بما لم يرد فيه مخصوص نقل وينشئه الانسان باختياره وهؤلاء قالوا ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام (سنن) وهى التى واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم (ومستحبات) وهي التى فعلها أحيانا ولم يواضعب عليها (وتطوعات) وهى التي ذكرنا ومنهم من يرادف بين لفظتي النافلة والتطوع ويطلقهما على جميع ما سوى الفرائض وبهذا الاصطلاح ترجم صاحب الكتاب الباب ).
وقال الشربيني : ( ويرادف النفل السنة والمندوب والمستحب والمرغب فيه والحسن هذا هو المشهور، وقال القاضي وغيره: غير الفرض ثلاثة :
تطوع وهو ما لم يرد فيه نقل بخصوصه بل ينشئه الإنسان ابتداء .
وسنة وهي ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم .
ومستحب وهو ما فعله أحيانا أو أمر به ولم يفعله .
ولم يتعرضوا للبقية لعمومها للثلاثة مع أنه لا خلاف في المعنى فإن بعض المسنونات آكد من بعض قطعا وإنما الخلاف في الاسم ) مغني المحتاج 1 / 449.
وقال النووي في المجموع ( 4 / 2 ) : ( اختلف أصحابنا في حد التطوع والنافلة والسنة على ثلاثة أوجه :
(أحدها) أن تطوع الصلاة ما لم يرد فيه نقل بخصوصيته بل يفعله الانسان ابتداء والذاهبون إلى هذا قالوا ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام (سنن) وهي التى واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم (ومستحبات) وهى التى فعلها احيانا ولم يواظب عليها (وتطوعات) وهى التى ذكرنا أولا .
والوجه الثاني أن النفل والتطوع لفظان مترادفان معناهما واحد وهما ما سوى الفرائض .
والوجه الثالث أن السنة والنفل والتطوع والمندوب والمرغب فيه والمستحب ألفاظ مترادفة وهي ما سوى الواجبات )
وفيه أنه أضاف قيد ( ابتداءً ).
وقال قليوبي ( 1 / 240 ) في تعريف النفل : ( وشرعاً : ما طلب الشارع فعله وجوز تركه , ويرادفه المندوب والمرغب فيه والحسن اتفاقا وكذا السنة . والمستحب والتطوع على الأصح .
وقيل : السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله والمستحب ما فعله أحيانا أو أمر به , والتطوع ما ينشئه الإنسان من نفسه ) فأضاف قيد ( من نفسه ) .
وفي حاشية الجمل( 2 / 236 ) : ( قوله ويرادفه السنة الخ وقيل التطوع ما لم يرد فيه شيء بخصوصه أي لا فعله النبي ولا أمر به بل ينشئه الإنسان باختياره ، والسنة ما واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، والمستحب ما فعله أحياناً أو أمر به ولم يفعله ، وحينئذ فالمندوب والمرغب فيه والحسن يرادف كل منها الثلاثة أي التطوع والمستحب والسنة ، وعليه فالسنة أفضلها ثم المستحب ثم التطوع )
فجعل التطوع لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به ، وهذا هو اختيار القاضي حسين . وينظر : الإبهاج لابن السبكي ( 1 / 57 ).
الخلاصة :
من النقولات أعلاه يظهر أن المعتمد عند الشافعية هو عدم التفريق بين السنة والمستحب والتطوع ؛ لكن عند قراءة كتب الشافعية نجد هناك نوع احتراز عن إطلاق السنة على مالم يرد فعله عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما استحبه العلماء قياسا أو غير ذلك ، ونجدهم يطلقون عليه المستحب ، بينما قد يطلقون المستحب على السنة الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
4- المذهب الحنبلي
الحنابلة قالوا: السنة، والمندوب، والمستحب ألفاظ مترادفة بمعنى واحد، وهو ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، كما قال الشافعية، إلا أنهم يقسمون السنة إلى مؤكدة، وغير مؤكدة فالمؤكد كالوتر، وركعتي الفجر، والتراويح، وتركها عندهم مكروه، أما ترك غير المؤكدة، فليس بمكروه) .
قال ابن النجار الحنبلي : "ويسمى المندوب سنة ومستحبا وتطوعا وطاعة ونفلا وقربة ومرغبا فيه وإحسانا ... وأعلاه أي أعلا المندوب سنة , ثم فضيلة , ثم نافلة قال الشيخ أبو طالب مدرس المستنصرية من أئمة أصحابنا في حاويه الكبير : إن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام . أحدها : ما يعظم أجره , فيسمى سنة . والثاني : ما يقل أجره , فيسمى نافلة . والثالث : ما يتوسط في الأجر بين هذين , فيسمى فضيلة ورغيبة " انتهى من "شرح الكوكب المنير" ص 126 .
والحاصل : أن ما زاد على الفرض والواجب يسمى سنة ومندوبا ومستحبا ورغيبة وفضيلة ، وهي على مراتب ، وآكدها ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفعله في جماعة . ولا يضر الخلاف في التسمية .
والله أعلم .
وبهذا عرفت أن المذاهب مختلفة في بيان السُّنة، والمندوب، والمستحب، والفضيلة، وعرفت أن بعض الأئمة يعتبر السنة، والمندوب، والمستحب، والتطوع كلها ألفاظ مترادفة بمعنى ما يطلب من المكلف أن يفعله، طلباً غير جازم، فإذا فعله يثاب على فعله، وإذا تركه لا يعاقب على تركه، ثم إنهم يقسمون السنة إلى قسمين:
الأول: سنة عين، وهي ما يطلب فعله بخصوصه من المكلف. طلباً غير جازم. ولا يختص به واحد من المكلفين دون الآخر، وذلك كسنن فرائض الصلاة.
الثاني: سنة كفاية. وهي ما يخاطب بها مجموع المكلفين. بحيث إذا أتى بها بعضهم سقطت عن الباقين، وذلك كما إذا كان جماعة يأكلون، فأتى واحد منهم بالتسمية. فإنها تسقط عن الباقين. ولكن يختص هو بالثواب دونهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم