اسم المفسِّر: أبو محمد عبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي، الحافظ القاضي العلّامة.
اسم الكتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
القيمة العلمية لتفسير ابن عطية:
يُعد تفسير ابن عطية من أنفس كتب التفسير، ومع علمه بالتفسير فهو متمكن من الصناعة النحوية والشعر العربي، بل هو يُعد إمامًا في العربية، فقد اعتنى عناية بالغة ببيان معاني المفردات اللغوية، كما اعتنى كذلك ببيان إعراب الكلمات وتصريف المشتقات، وكثيرًا ما يستدل بالشواهد الشعرية على ما ذهب إليه من الإعراب والتصريف مبينًا لمذاهب النحاة مرجحًا ما يراه راجحًا من أقوالهم، منتقدًا للمرجوح منها في بعض الأحايين.
كما أنه قد أعطى القراءات القرآنية اهتمامًا جليًا واضحًا في تفسيره، فتراه يذكر القراءات الصحيحة والقراءات الشاذة، ثم يعرج على ما تحتمله هذه القراءات من المعاني والمقاصد والدلالات، قاصدًا بصنيعه هذا بيان أوجه الإعجاز من جهة، ومحاولًا الوقوف على بيان أوجه دلالات المعاني وبيان معاني ما تحويه بين جنبتيها من ألفاظ من جهة أخرى، وكثيرًا ما يوجه القراءات حتى يتضح المعنى، ويكون بذلك التوجيه مبينًا وموضحًا لمعاني القراءات المختلفة والتي من أهم أهداف ومرامي سياقها بيان أوجه إعجاز القرآن وأنه كما وصفه ربنا بقوله: ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ﴾ [فصلت:42].
وتفسيره من أنفع التفاسير لطلاب العلم، فقد حوى علومًا شتى لا يستغنى عنها طالب علم، مع ما تميز به من سلاسة العبارة وسهولة الأسلوب، وتقريب المعني والبعد عن كل تعقيد في اختيار الألفاظ أو الغموض في بيان دلالات المعاني التي تتضح بها مرامي ومقاصد الآيات، فجاء تفسيره واضحًا من جهة المعاني والألفاظ والعبارات، مع ما تميز به من روعة التحرير والدقة في التفسير.
ولقد أبدع ابن عطية في تفسيره وأجاد، كما أحسن فيه وأفاد، وظهرت فيه صناعته النحوية وملكته الشعرية فتقدم غيره في هذا الجانب وساد، ولقد جاء تفسيره تفسيرًا جامعًا شاملًا متزنًا لم يطغ فيه أمرٌ على أمرٍ ولا حاد.
وقلما ينتقل عن مسألة حتى يبينها ويوضحها أوضح بيان بأسهل عبارة وأفصح لسان حتى ينظر فيها المتأمل والمتبصر فيجد نفسه أمام صرح متكامل البنيان، إضافة إلى ما تميز به من حسن النسق ودقة التنسيق وجمال العرض وسهولة السياق. وقد لاقى بذلك تفسيره الاستحسان والقبول ومُدِحَ بذلك وقيل فيه من أحسن القول المقول.
“كما أن لهذا التفسير أثر كبير في التفاسير التي جاءت بعده، في المدرسة المغربية خاصة، نجد هذا الأثر واضحًا في “الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي، كذلك في “البحر المحيط” لأبي حيان الأندلسي، وفي غيرها من كتب التفسير التي جاءت بعده”([1]).
منهجه في التفسير:
يعتبر كتاب “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” للقاضي أبي محمد عبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي من أشهر كتب التفسير بالمأثور التي كان لها شأن عظيم، ومن ثم تناقله العلماء، وانتشر في كل مكان، وطار في الغرب والشرق كل مطار.
وضع ابن عطية -منذ البداية- منهجًا كاملًا في التفسير، رسم من خلاله طريقًا واضحة المعالم، حاول الالتزام به ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، بيد أن ميزة ابن عطية لم تقف عند حد وضع منهج كامل لـتفسيره فحسب، بل سار شوطًا أبعد منذلك؛ إذ رسم للمفسرين من بعده طريقة مثلى، ومنهجية واضحة المعالم، حين جعل من التفسير علمًا يستند إلى قواعد ومبادئ قائمة على الدقة والاستقصاء والترتيب.
ولقد جمع ابن عطية مادة تفسيره من كُتب التفاسير التي تقدمته، كتفسير الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: 310هـ) والمسمى “جامع البيان عن تأويل آي القرآن”، وتفسير أبي بكر محمد بن الحسن النقاش (ت: 351هـ) والمسمى “شفاء الصدور”، وتفسير أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي القيرواني (ت: 437هـ) والمسمى “الهداية إلى بلوغ النهاية”، وأما كتب القراءات فنجد كتاب “الحجة للقراء السبعة” لأبي علي الفارسي (ت: 377هـ)، وكتاب “المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها” لأبي الفتح عثمان بن جني (ت: 392هـ)، بالإضافة إلى مؤلفات الإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت: 444هـ) مثل “كتاب التيسير”، و”كتاب جامع البيان في القراءات السبع” وغيرهما. إلى جانب هذه المصادر الكثيرة والمختلفة نجده اعتمد كذلك على كتب الحديث واللغة والفقه والتاريخ -والتي لا يتسع المقام لذكرها-. وقد تحرَّى ابن عطية أن يُودِع في تفسيره كل ما هو أقرب إلى الصحة وألصق بالسنة؛ فأحسن فيه وأجاد، وأبدع فيه وأفاد، فجاء تفسيرًا جامعًا لكل شيء دون أن يطغى فيه جانب على جانب.
إن أول ما نلاحظه عند مطالعة تفسير ابن عطية أنه جمع بين المأثور والرأي الذي يقوم على قوانين العلم والنظر السديد، وقد تجلت عناية ابن عطية بالمأثور فيما ذكره في تفسيره من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين، ولكنه لا يلتزم بتخريج الأحاديث النبوية ونسبتها إلى مصادرها -في كثير من الأحيان- فيقول مثلًا: وفي الحديث كذا، أو رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: كذا، وهو أمر يؤخذ عليه، وينتقد تفسيره بسببه، كالحديث الذي أورده عند تفسيره لآية الكرسي، روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى على المنبر قال: «وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه؟ …» وهو حديث منكر([2]). أما ما ورد عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن الكريم، فقد عني ابن عطية بنقل كثير من أقوالهم وآرائهم، وكان من أبرز الصحابة الذين نقل عنهم: عبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، رضي الله عنهم أجمعين، كما كان على رأس التابعين الذين اهتم بتلخيص أقوالهم، وتوجيه آرائهم في التفسير: الحسن بن أبي الحسن البصري، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وغيرهم، كما قلل ابن عطية من الاستشهاد بالإسرائيليات وروايتها، وتناولها بالنقد والتمحيص، فأكَّد في مقدمة تفسيره أنه لا يذكر منها إلا ما لا تنفك الآية إلا به، ولذلك نجده يختصر من ذكر الروايات الإسرائيلية([3]).
المنهج اللغوي لابن عطية في تفسيره:
أما منهجه في اللغة والنحو فكان ببيان معاني المفردات وإعراب الكلمات وتصريف المشتقات، فعني عناية كاملة بتحديد معاني المفردات معتمدًا على الشواهد الشعرية، كما أكثر من ذكر الوجوه الإعرابية في الآية، وبيان المذاهب النحوية مرجحًا بعضها أحيانًا، ومنتقدًا لبعضها أحيانًا أخرى، ولم يُعنَ ابن عطية كثيرًا بالحديث عن الأسرار البلاغية والنكات البلاغية، ووجوه الإعجاز البياني، والسّر في ذلك كما أشار الدكتور عبد الوهاب فايد (ت: 1418هـ) أن ابن عطية كغيره من الأندلسيين والمغاربة لم يشغل نفسه كثيًرا في علوم البلاغة والبيان، ولم يعكف على دراستها والتعمق في مسائلها، يضاف إلى ذلك أن ابن عطية ضيَّق دائرة المجاز في القرآن الكريم، حيث كان يرى أنه لا مجاز فيما تتأتى فيه الحقيقة، ومن المعلوم أن المجاز بأقسامه من أهم الفصول في الدراسات البلاغية، ورغم ذلك لم يخل تفسيره من صور بيانية وبلاغية ذكرها، ككلامه على التشبيه والاستعارة والمجاز والإيجاز وغيرها. يقول عند تفسيره لقوله سبحانه: ﴿ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]: “وظاهر التشبيه أنه بالمتقهقر، وهي مشية الحيوان الفازع من شيء قد قرب منه، ويحتمل أن يكون هذا التشبيه بالذي رد ظهره ومشى أدراجه”([4]).
منهج القراءات في تفسير ابن عطية:
كما نجد ابن عطية في القراءات القرآنية قد التزم بذكر القراءات الصحيحة والشاذة مبينًا ما تحتمله هذه القراءات من المعاني والدلالات قاصدًا لإظهار إعجاز القرآن من جهة، ومحاولًا الوقوف على المعاني التي تحملها الألفاظ، وموجهًا لبعضها من جهة ثانية، فمثلا يقول: عند تفسيره لقوله سبحانه:﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 40]: “قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي (يثبّت) بشد الباء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم (ويثبت) بتخفيفها. وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتلخص به مشكلها: أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في أم الكتاب وسبق بها القضاء”([5]).
منهج ابن عطية في عرض الأحكام الفقهية من خلال تفسيره:
أما منهجه في عرض الأحكام الفقهية فقد كان ابن عطية من أئمة المالكية، وفقيهًا من كبار فقهائهم، وذكر في تفسيره أقوالًا متعددة لعلماء المالكية في مسائل فقهية مختلفة، فقد اعتنى في تفسيره بالجانب الفقهي وعرض بعضًا من أقوال فقهاء المالكية كابن الماجشون، وابن القاسم، وأشهب، وسحنون، وغيرهم.
وابن عطية تراه مثنيًا في بعض الأحايين على مذهب الإمام مالك مرجحًا له ومثنيًا عليه غير متعصبٍ لمالكيته، فقد يعرض في المسألة الواحدة أقوال المذاهب الفقهية الأخرى، بل ويعرض كذلك آراء غيرهم من الفقهاء، فأحيانًا يرجح وأحيانًا أخرى يبين أن الآية تحتمل وجوهًا دون ترجيح، وبذلك يكون قد سلك سبيلًا واضحًا قد قام فيه على التحرر من المذهب وارتفع بذلك عنه التعصب المذهبي، وبذلك الاعتدال يكون قد سلك سبيلًا يدلل على أن كتابه كتاب تفسير لا كتاب فقه، لأن بعض المفسرين أحيانًا كثيرة يميل إلى أصل صناعته الأصلية، فإن كان نحويًا فكأن القارئ يطالع كتابًا في العربية لا كتابًا في التفسير، وإن كان فقيهًا فكأنك تقرأ كتاب فقه، وإن كان صاحب مذهب عقدي تراه ينشر عقيدته وينتصر لها في كل موطن وكأنك تقرأ كتابًا في العقيدة لا كتابًا في التفسير، ومن أمثلة ذلك ما ذكره السيوطي في (الإتقان) عن البلقيني قال: “استخرجتُ من الكشّاف اعتزالًا بالمناقيش”([6]).
وختامًا، نخلص إلى أن الكشف عن القيمة العلمية لأي تفسير -في الحقيقة- جانب من أهم جوانب دراسته. ولعل فيما مضى بيان شاف كاف لبيان بعض الجوانب العلمية التي ميزت هذا التفسير القيم وجعلته يحظى بمكانة مرموقة في مجال الدراسات القرآنية سواء في الغرب أو الشرق([7]).
عقيدة ابن عطية من خلال تفسيره:
ومع ما سبق بيانه من مكانة علمية مرموقة لهذا السفر من أسفار التفسير لابن عطية فإنه قد وقع (انتهج) في تأويل صفات الرب جل في علاه (أقول هذه بدعة من القول والأصل جل وعلا) على طريقة الأشاعرة، كما أنه كثيرًا ما يقرر مسائل الاعتقاد بالعقل موافقًا بذلك طريقة المعتزلة الذين يعدون العقل أصلًا، إذ الأصل عندهم تقديم العقل على النقل. أقول بل مستشهدًا على صحة الشرع الإسلامي بالعقل السليم لا جعله أصلًا للدين، وهذا من كاتب المقال الأصلي افتراء على الإمام ابن عطية رحمه الله.
وابن عطية له تأويلات لبعض صفات الرب جل في علاه واضحة في تفسيره ومن أمثلة التأويل عنده:
أولًا: تأويله لصفة العلو:
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]، قال: “والْعَلِيُّ: يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز([8]). (وهذا هو الحق على عليه جماهير الأمة بلا منازع، وخالفت الجهوية وتردّت في تخبطات التشبيه والتحيز للرب تقدس وتنزه)
ثانيًا: تأويله كذلك لصفة الغضب:
وذلك في قوله تعالى: ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الفاتحة: 7]، قال: “والغضب عليهم هو من الله تعالى، وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محنًا وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعدًا مؤكدًا مبالغًا فيه”([9]).
ثالثًا: تأويله لصفة الاستواء:
وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 29]، حيث يقول: “(ثم) هنا هي لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر في نفسه، و(استوى) قال قوم معناه: علا دون تكييف ولا تحديد، هذا الاختيار للطبري، والتقدير: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كيسان معناه قصد إلى السماء، قال الفقيه أبو محمد: أي بخلقه واختراعه، وقيل معناه كما صنعه فيها، كما تقول: استوى الأمر، وهذا قلق، وحكى الطبري عن قوم: أن المعنى: أقبل، وضعفه، وحكى عن قوم: أن المستوي هو الدخان، وهذا أيضًا يأباه رصف الكلام، وقيل المعنى استولى، كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق **** من غير سيف ودم مهراق.
وهذا إنما يجيء في قوله تعالى ﴿عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾، والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان”([10]).
وابن عطية هنا يؤول الاستواء باستواء القدرة والسلطان. وإنما كان تقريره لتأويل صفات الرب جل في علاه على طريقة الأشاعرة، بسبب تأصله وتأثره بكتب أبي المعالي الجويني، وأبي الطيب الباقلاني، وغيرهما من متكلمي الأشاعرة (رحمهم الله تعالى).
ومن الأمثلة التي يتضح فيها عيانًا بيانًا تقريره لما عليه المعتزلة من تقديم العقل على النقل (كلام لا يصدر إلا من ضاق أفق علمه وزاد حقن تعصبه) ما أورده في تفسير آية الأنعام في قوله سبحانه: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، قال: “أجمع أهل السنة على أن الله تبارك وتعالى يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون، قاله ابن وهب عن مالك بن أنس رضي الله عنه. والوجه أن يبين جواز ذلك عقلًا، ثمَّ يُستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز”([11]). (كلام سليم موافق للحق الذي عليه جماهير الأمة الإسلامية)
ومما يؤيد ما سبق ذكره آنفًا عن آية الأنعام، ما أورده أيضًا في آية القيامة عند تعرضه لتأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ٢٣﴾ [القيامة: 22-23]، قال: “حمل هذه الآية جميع أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى”، ثم هو يعقب قائلًا: “وأما المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى، فذهبوا في هذه الآية إلى أنَّ المعنى: إلى رحمة ربها ناظرة، أو إلى ثوابه وملكه، فقدَّروا مضافًا محذوفًا، وهذا وجه سائغ في العربية، كما تقول: فلان ناظر إليك في كذا؛ أي إلى صنعك في كذا، والرؤية إنما نثبتها بأدلة قطعية غير هذه الآية، فإذا ثبتت حَسُنَ تأويل أهل السنة في هذه الآية وقَوِي”([12]). (كلام رائع في تقرير مخالفته لمذهب الاعتزال ولكن لا بد من القارئ لكتب الكبار أن يكون على علم كبير ليفهم كلامهم)
وعمومًا، فإن ابن عطية الأندلسي نهج في تفسيره نهج الأشاعرة في الكثير من قضايا الاعتقاد، وقد ذكر بعضًا من عقائد المعتزلة كذلك منتقدًا لها تارة، وساكتًا عنها تارة أخرى، وكما قيل السكوت علامة الرضا. (يلصق تهمة بالإمام من مثل شعبي، وهذا دليل قصور علم كاتب النص الأصلي)
ومن أمثلة أقوال بعض أهل العلم المعتدلة في ذلك: (وضح بيت القصيد، فإن الديك على مزبلته يصيح!)
أولًا: ما ورد عن ابن تيمية في وصف تفسير ابن عطية حيث يقول:
“وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري -وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا- ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحيكه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت المعتزلة به أصولهم وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب”([13]). (يا ناطح الجبل من البعوض أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل...)
ثانيًا: ما ورد عن ابن حجر الهيتمي في الفتاوي الحديثية:
“وسئل نفع الله به: هل في تفسير ابن عطية اعتزال؟ فأجاب بقوله: نعم، فيه شيءٌ كثير، حتى قال الإمام المحقق ابن عرفة المالكي([14]): يخشى على المبتدئ منه أكثر ما يخاف عليه من كشاف الزمخشري؛ لأن الزمخشري لما علمت الناس منه أنه مبتدع تخوفوا منه واشتهر أمره بين الناس مما فيه من الاعتزال ومخالفة الصواب وأكثروا من تبديعه وتضليله وتقبيحه وتجهيله، وابن عطية سني لكن لا يزال يدخل من كلام بعض المعتزلة ما هو من اعتزاله في التفسير ثم يقره ولا ينبه عليه ويعتقد أنه من أهل السنة وأن ما ذكره من مذهبهم الجاري على أصولهم، وليس الأمر كذلك، فكان ضرر تفسير ابن عطية أشد وأعظم على الناس من ضرر الكشاف”([15]).
والمعتزلي يعتز بالانتساب للاعتزال بل يرضى بذلك تمامًا، كما قال أبو هلال العسكري المعتزلي في كتابه “الأوائل”: “والمعتزلي راضٍ باسم الاعتزال، غير نافرٍ منه ولا كارهٍ له ولا مستبدلٍ به”([16]).
لكنهم هم يفضلون أن يُسموا بـــــ”أهل التوحيد والعدل”، أو “العدلية”، أما خصومهم فيطلقون عليهم أحيانًا “القدرية”، وأخرى “المعطلة”، وتارة “الجهمية”.
ولعل في هذا البيان مع الإيجاز ما يغني عن الإطالة والانحياز.
المصدر: تعليم المتعلمين طرق ومناهج المفسرين، الدكتور/ عرفة بن طنطاوي.
([1]) عقيدة ابن عطية من خلال تفسيره المحرر الوجيز، مقال عن: ملتقى أهل التفسير، محمد البويسفي.
([2]) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1034
([6]) الإتقان في علوم القرآن: السيوطي (2/190).
([7]) وللاستزادة: يُنظر: موقع مركز الدراسات القرآنية، مقال لـ “رضوان غزالي”.
([8]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ط. قطر: (1/342).
([10]) المحرر الوجيز: (1/115).
([11]) المرجع السابق: (5/306).
([12]) المرجع السابق: (15/218-219).
([13]) مجموع الفتاوى: (13/361).
([14]) ابن عرفة الورغمي المالكي التونسي: (716-803هـ)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم