جواب قومه وكيف واجهوا دعوته
واجه قوم شعيب دعوته عليه الصلاة والسلام بعد كل هذه المحاولات والنصائح بالسخرية والاستهزاء وعدم الاستجابة لدعوته والتكبر عن اتباع الحق وقالوا له على سبيل التهكم والاستهزاء:{أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}سورة هود.
أي أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن نترك ما كان يعبد ءاباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون ونعبد الله وحده، وألا نتعامل في أموالنا كيف نشاء وكما نريد فنترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها، وهذا منتهى السفه والعمى والتكبر عن اتباع الحق الذي جاء به نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام وأمر قومه باتباعه، حتى إن قومه الخبثاء قالوا له على وجه الاستهزاء والسخرية {إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} وإزاء هذا الاستهزاء والعناد والضلال الذي واجه به قوم مدين نبيهم شعيبًا عليه السلام استمر نبي الله شعيب يدعوهم إلى الحق والهدى بأبين إشارة وبالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى:{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}سورة هود.
ثم انتقل نبي الله شعيب في دعوته لقومه إلى نوع ءاخر من الترهيب فقال لهم:{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ}سورة هود.
أي لا يحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم ومخالفتكم لما جئتكم به من الهدى والحق، فيُحل الله بكم العذاب والنكال نظير ما أحله بأمثالكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين لأنبيائهم. ثم قال لهم{وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ}سورة هود، معناه في الزمان أي لقد بلغكم ما حلّ بقوم لوط الذين كذبوا نبيهم لوطًا عليه السلام جزاءً لكفرهم وعتوهم وتكبرهم عن اتباع نبيهم لوط، ثم رغبهم بالتوبة إلى الله بالدخول في دين الإسلام فقال لهم:{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}سورة هود، أي أقلعوا عما أنتم فيه من الكفر وعبادة غير الله وادخلوا في دين الإسلام وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إلى الله تاب عليه فإنه رحيم بعباده وهو الودود الذي يحب عباده المؤمنين ويحبه عباده المؤمنون.
فائدة: إن قول شعيب لقومه{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ}سورة هود، ليس المقصود به أن يقولوا أستغفر الله لتقبل توبتهم عند الله، وإنما المعنى: ادخلوا في دين الإسلام ليغفر لكم الكفر، قال تعالى:{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}بيَّنت هذه الآية أن استغفار الكافر أن يقلع عن كفره فيؤمن بالله ورسوله لأن قول أستغفر الله لا ينفع من كفر بل يزيده كفرًا لأن معنى قوله أستغفر الله تكذيب لله لأن الله أخبر في القرءان بأنه لا يغفر للكافر ما دام على كفره لأن توبة الكافر تكون بالدخول في دين الإسلام ولا تكون بقول أستغفر الله، يقول تعالى:{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}سورة الأنفال.
استمرار قوم شعيب على ضلالهم وتجاهلهم دعوة نبي الله وتهديده بالقتل
رغم المحاولات العديدة والأساليب المختلفة التي بذلها نبي الله شعيب في دعوة قومه إلى الدين الحق وترك المنكرات والقبائح التي كانوا يفعلونها، تجاهل قومه الخبثاء دعوته واستمروا على جهلهم وضلالهم وكفرهم وردوا عليه بالسخرية والاستهزاء.
قال الله تبارك وتعالى إخبارًا عن قوم شعيب:{قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}سورة هود.
ويُشبه هذا الذي ردوا به على نبيهم ما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}سورة فصلت.
ولم يكتفوا باستكبارهم عن اتباع الحق الذي جاء به نبيهم بل واجهوه بأنهم لولا عشيرته وقبيلته لرجموه بالحجارة حتى القتل وتخلصوا منه، فقال لقومه:{أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}سورة هود، أي أتخافون من قبيلتي وعشيرتي وتراعونني بسببهم وخوفًا منهم ولا تخافون عذاب الله، وجعلتم أمر الله وراء ظهوركم لجهلكم وتكبركم، والله سبحانه عليم بما تعملونه لا يخفى عليه شيء، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم القيامة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم