الاثنين، 19 أبريل 2021

نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام / ج1 : نشأته وحسد إخوته له

 نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام

قال الله تعالى:{لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ}سورة يوسف، وقال الله تعالى في حق نبيه يوسف عليه السلام:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}سورة يوسف.

نسبه عليه السلام

هو يوسف ابن نبي الله يعقوب – إسرائيل- بن إسحاق بن إبراهيم، وقد أعطي يوسف عليه السلام شطرَ الحُسن.وقد أثنى الله عليه ووصفه بالعفة والنزاهة والصبر والاستقامة قال تعالى:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}سورة يوسف.

كما أثنى عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: “إنّ الكريمَ ابنَ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم” رواه البخاري.

عدد المرات التي ذكر بها في القرءان

ذكر اسم يوسف عليه السلام في القرءان الكريم في ست وعشرين ءاية، منها أربع وعشرون ءاية في سورة يوسف، وءاية في الأنعام، وءاية في سورة المؤمن [غافر].

وهو من أشهر أنبياء بني إسرائيل، وقد ذُكرت قصة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة يوسف مُفصلة، وفيها بيانٌ لحياته ومحنته مع إخوته ومحنته مع امرأة العزيز، ودخوله السجن ودعوته فيه إلى الله تعالى، ثم خروجه من السجن وتفسيرُه الرؤيا للملك واستلامه لخزائن الأرض أي أرض مصر، ثم مجيء إخوته إلى مصر بسبب القحط، وإبقاؤه لأخيه بنيامين عنده، ثم اجتماعه بأبيه وإخوته ودخولهم عليه وسجودهم له على وجه التحية والتعظيم وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، إلى غير ذلك من إشارات دقيقة وعظات بالغة يُستفاد بها من حياة هذا النبي الكريم.

إخوته عليه السلام والأسباط

تقدم أن يعقوب عليه السلام تزوج ابنتي خاله “ليّا” و”راحيل” وأنهما ولدتا له عددًا من الأولاد.

وليعلم أن الأسباط هم ذرية إخوة يوسف عليه السلام وهم شعوب بني إسرائيل، وكان يوجد فيهم أنبياء نزل عليهم الوحي، ولم يكن من أولاد يعقوب نبي غير يوسف عليه السلام إلا أن هناك احتمالاً أن يكون بنيامين نبيًّا، وأما ما ذهب البعض إليه من القول بنبوة أخوته فمردودٌ لأنّ النبوة لا تصح لإخوة يوسف الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة وهم من سوى بنيامين، فالأسباط الذين أنزل عليهم الوحي هم من نُبّئ من ذريتهم.

رؤيا يوسف عليه السلام في المنام

رأى يوسف عليه السلام في المنام وهو صغير لم يحتلم أن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر تسجد له، قال المفسرون: كانت الكواكب في التأويل إخوته، والشمس أمه، والقمر أباه، فقصَّ يوسف عليه السلام هذه الرؤيا على أبيه قيل: كان عمره وقتئذ اثنتي عشرة سنة، فأشفق عليه أبوه يعقوب من حسد إخوته له، قال تعالى إخبارًا عن قول يعقوب: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا}(سورة يوسف) أي يدبروا حيلة لإهلاكك لأن الشيطان للإنسان عدو مبين.

قال الله تعالى:{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ*قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}سورة يوسف.

ولقد علم يعقوب عليه السلام أنه سيكون لابنه يوسف شأن عظيم وسينالُ رتبة علية ورفعة سامية في الدنيا والآخرة، لذلك أمره بكتمان ما رأى في المنام وألا يقصها على إخوته خوفًا عليه من كيدهم وحسدهم.

حسد إخوته وحقدهم عليه وعزمهم على التخلص منه

كان بقية أبناء يعقوب عليه السلام يحسدون يوسف وشقيقه بنيامين على هذه المحبة والخصوصية لهما وهم يعتبرون أنفسهم جماعة أقوياء نافعين له أحق بمحبته قال تعالى:{إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}سورة يوسف، وازداد كره إخوته وحسدهم ليوسف خاصة لمّا علموا بأمر رؤياه، ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يُفرقوا بينه وبين أبيه، وتشاوروا فيما بينهم على قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم عن شغله بيوسف، وقالوا سنتوب بعد ذلك لنكون من الصالحين، قال الله تعالى حكاية عنهم:{اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}سورة يوسف.

ولكنّ قائلًا منهم قيل هو أخوه يهوذا وقيل غيره، قال لهم: لا تقتلوا يوسف، وأمرهم أن يلقوه في قعر البئر فيلتقطه بعض المارة من المسافرين فيأخذونه وبذلك يتخلصون منه.

قال الله تبارك وتعالى:{قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}سورة يوسف، وأخذ عليهم أخوهم يهوذا العهود أنهم لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك على أن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية ليلعب معهم ويأكل، لذلك دخلوا على أبيهم وطلبوا منه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف إلى الصحراء وتعهدوا له أن يحافظوا عليه:{قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ*أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}سورة يوسف.

وكان يعقوب عليه السلام قد خطر له ما يضمره بنوه لأخيهم يوسف، وكان يعزّ عليه أن يذهبوا به لأنه كان يخشى عليه منهم، لذلك أراد أن يثنيهم عن هذا الأمر بقوله:{ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ}سورة يوسف.

وهو كان يتخوّف على يوسف من عدوانهم أكثر مما يتخوف عليه عدوان الذئب ولكنهم كانوا بارعين في الدهاء لذلك قال تعالى:{قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ}سورة يوسف، أي لئن أكله الذئب ونحن جماعة كثيرون نكون إذًا عاجزين هالكين.

تنفيذ إخوة يوسف مؤامرتهم بإلقاء يوسف في البئر لإهلاكه

أرسل يعقوب يوسف مع إخوته لئلا يشعروا أن أباهم يخشى عليه منهم فيدبوا له مكيدة في غيابه فأرسله معهم على كِره ومضض، وما إن غابوا به عن عينيه انطلقوا به إلى البئر ليطرحوه فيه فخلعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه،لِمَ نزعتم قميصي؟ رُدُّوه عليّ أستر به عورتي ويكن كفنًا لي في مماتي، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبًا تؤنسك، ثم أدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها وجعل يبكي، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرجموه بالحجارة فمنعهم أخوه يهوذا، ولما ألقوه في قعر البئر أوحى الله إليه أنه لا بُدّ من فرج ومخرج من هذه الشدة والضيق ولتُخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا في وقت يكون لك فيه العزة والسيادة عليهم وهم لا يعلمون أمرك، قال الله تعالى:{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}سورة يوسف.

تلطيخ قميص يوسف بدم مكذوب لإخفاء الجريمة

بعد أن ألقى إخوة يوسف أخاهم في البئر أرادوا أن يُخفوا جريمتهم، لذلك عمدوا إلى جّدْي من الغنم فذبحوه ثم غمسوا قميص يوسف في دمه ورجعوا إلى أبيهم يعقوب في وقت العشاء يبكون، وإنما جاءوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في وقت الظلام على الاعتذار بالكذب، فلما دنوا منه صرخوا صراخ رجل واحد ورفعوا أصواتهم بالبكاء والعويل، فلما سمع يعقوب عليه السلام صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ، هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم وأين يوسف؟ فقالوا له كاذبين: يا أبانا إنّا ذهبنا للسباق والرمي بالسهام وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وأنت لستَ بمصدقنا ولو كنا صادقين. قال تعالى:{وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}سورة يوسف.

وعندما سمع يعقوب عليه السلام كلام أبنائه وما ادعوه بكى وقال لهم: أين القميص؟ فجاءوا بالقميص عليه دم كذب وليس فيه خرقٌ، ويُروى أنّ يعقوب عليه السلام أخذ القميص وأخذ يقلبه وقال لهم متهكمًا: ما أحلم هذا الذئب الذي أكل ابني دون أن يمزق ثوبه!! وقال هذا الكلام تعريضًا بكذبهم وإيذانًا لهم بأن صنيعهم ومكرهم هذا لم يمر عليه، قال الله تعالى:{ وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}سورة يوسف، أي لقد زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون فصبر جميل وربي المعين على ما تصفون من الكذب.

إنقاذ يوسف عليه السلام من البئر

أقام يوسف عليه السلام في البئر ثلاثة أيام وكان البئر قليل الماء ومرت قافلة من القوم أمام البئر الذي أُلقيَ فيه يوسف عليه السلام فبعثوا من يستقي لهم الماء من البئر، فلمّا أدلى دلوه في البئر الذي فيه يوسف عليه السلام تعلق به، فلما نزع الدلو يحسبها قد امتلأت ماء، إذا بها غلامٌ جميل حسن الوجه مُشرق المُحيّا فاستبشر الرجل به وقال لأصحابه: يا بُشرى هذا غلام، فأقبل أصحابه يسألونه الشركة فيه واستخرجوه من البئر، فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألوكم الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعناه أهل الماء – أي وضعوه معنا بضاعة- لنبيعه لهم بمصر ولمّا استشعر إخوة يوسف عليه السلام بأخذ القافلة ليوسف عليه السلام لحقوهم وقالوا: هذا غلامنا [أي عبد لنا] أبقَ وهرب منا فصدقهم أهل القافلة فاشتروه منهم بثمن بخس وقليل من الدراهم المعدودة، قال الله تعالى:{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}سورة يوسف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم