الثلاثاء، 9 مارس 2021

تآمر قوم صالح واتفاقهم على قتله عليه السلام وإنزال العذاب عليهم

 بعد أن عقر قوم صالح عليه السلام الناقة التي حذرهم نبيهم من التعرض لها واستمروا على عنادهم وتكبرهم وعبادة الأصنام، قال لهم صالح عليه السلام لقد حذّرتكم من أن تمسوها بأذى، وها أنتم اقترفتم الإثم فتمتعوا في دراكم ثلاثة أيام، يأتيكم بعدها العذاب ويحلّ عليكم العقاب ذلك وعدٌ غير مكذوب، ورغم هذا لم يتوبوا ويعودوا إلى الرشد، بل استمروا على باطلهم وظنوا وعيدهُ كذبًا وتحذيره بُهتانًا وقالوا له: تشاءمنا بك وبمن معك، قال الله تعالى: { فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } سورة الأعراف.

ثم إنهم اتفقوا على قتله وأهله، وتآمروا على ذلك وتحالفوا فيما بينهم وتبايعوا على هذه المؤامرة وأن يغتالوه ليلاً ثم يجحدوا قتله إن طالبهم أولياؤهم بدمه، ولكن الله تبارك وتعالى أنقذ نبيه من كيدهم وتآمرهم فأرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتله حجارة أهلكتهم تعجيلًا قبل قومهم وردَّ كيدهم في نحورهم، قال الله تبارك وتعالى: { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * ومَكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهُم لا يشعرونَ* فانظُر كيفَ كانَ عاقبةُ مكرِهِم أنَّا دَمَّرناهُم وقومهم أجمعينَ* فتِلكَ بُيُوتهم خاويةٌ بما ظَلَموا إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعلمونَ* وأنجينا الذينَ ءامنوا وكانوا يَتَّقونَ}سورة النمل.

وبعد إنذار سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام لقومه الذين كذبوا بالعذاب الذي يأتيهم بعد أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، أصبحوا يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام الإمهال والنظرة ووجوههم مُصفرة، فلما أمسَوا نادَوا ألا قد مضى يوم من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، فلما أمسَوا نادَوا ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث وهو يوم السبت ووجوههم مُسودة فلما أمسَوا نادَوا ألا قد مضى الأجل، فلما كان صبيحة يوم الأحد تأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا سيحل بهم من العذاب والنكال والنقمة ولا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.

فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة من تحتهم، ففاضت أرواح هؤلاء الكافرين وزهقت نفوسهم، وسكنت الحركات وهدأت الأصوات، وأصبح هؤلاء الكافرون في ديارهم جاثمين جثثًا هامدة لا أرواح فيها، قال الله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} سورة الأعراف، وقال تعالى: {ومَكروا مَكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرونَ* فانظُرْ كيفَ كانَ عاقبةُ مكرهم أنَّا دمَّرناهُم وقومهم أجمعينَ * فتلكَ بيوتهم خاويةٌ بما ظلموا إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعلمونَ} سورة النمل، وقال تعالى: {إنَّا أرسلنا عليهم صيحةً واحدةً فكانوا كهشيمِ المُحْتَظِرِ} سورة القمر، وقال الله تبارك وتعالى: {ألم ترَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بعادٍ* إرمَ ذاتِ العِمادِ* التي لم يُخلق مثلها في البلادِ* وثمودَ الذينَ جابوا الصخر بالوادِ* وفرعونَ ذي الأوتادِ* الذينَ طَغوا في البلادِ* فأكثروا فيها الفسادَ* فصَبَّ عليهم ربُّكَ سَوْطَ عذابٍ* إنَّ ربَّكَ لبالمرصادِ} سورة الفجر.

وقيل إن قوم صالح عليه السلام لما أصبحوا في اليوم الرابع وهو يوم الأحد وارتفعت الشمس ولم يأتهم العذاب، ظنوا أن الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم التي كانوا قد دخلوا فيه، وصار يدعو بعضهم بعضًا، إذ نزل جبريل فوق المدينة فسدّ ضوء الشمس، فلما دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة كالصاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وماتوا وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم.

روى الإمام أحمد والحاكم بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالحِجر قال: “لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت – أي الناقة- تَرِدُ من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفجّ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها مَنْ تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحدًا كان في حرم الله“، فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: “هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه“، ورواه أبو داود بنحوه عن ابن عمر.

ثم إن نبي الله صالحًا عليه السلام خاطبهم بعد هلاكهم قائلاً لهم: لقد جهدت في دعوتي إياكم إلى الإيمان وترك عبادة الأصنام بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بكل ما أستطيع ولكنكم أبيتم نصحي وما دعوتكم إليه لأنكم لا تحبون الناصحين، وهكذا خاطب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أهل قَليب بدر الكافرين بعد ثلاث ليال، وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من ءاخر الليل فقال: “يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا” رواه البخاري.

بعد هلاك ثمود الذين كذبوا نبيهم صالحًا عليه السلام، وقد أنجاه مما أرادوا وأنقذه والذين ءامنوا من كيد الكافرين، وأنزل بالكافرين في الدنيا العقاب الأليم، تصديقًا لوعده ونصرًا لنبيه، ولم يمنع الكفار ما شادوا من قصور شامخة، وما جمعوا من أموال وافرة، وما نحتوا من بيوت ءامنة، قال تعالى: {وأنجينا الذينَ ءامنوا وكانوا يتَّقونَ} سورة النمل، وقال الله تعالى: {ولقد كذَّبَ أصحابُ الحِجرِ المُرسلينَ* وءاتيناهم ءاياتنا فكانوا عنها مُعرضينَ* وكانوا ينحتون من الجبالِ بيوتًا ءامنينَ* فأخذتهم الصيحةُ مُصبحينَ* فما أغنى عنهُم ما كانوا يكسبونَ}سورة الحجر، وقال تعالى: {كأن لم يَغنوا فيها ألا إنَّ ثموداْ كفروا ربَّهُم ألا بُعْدًا لِثمودَ} سورة هود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم