*أوراق شَعبانيّة 35*
*التّوحيد أكثر ما تكرّر في القرآن*
*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*
1- إنّ الدعوة إلى أيّ مبدأ من المبادئ تقتضي التّكرير (التّكرار) لأهمّها على الإطلاق، وأحقُّها الاعتقاد بتوحيد الله عزّ وجلّ، لذا كان التّوحيد أكثر ما تكرّر في القرآن الكريم، وأفضل ما دعا إليه أنبياء الله.
2- إنّ لتكرير أمر التّوحيد في كتاب الله الأثرَ التّربويَّ الكبير في غرس عقيدة لا إلـٰه إلّا الله في النّفوس المؤمنة، وزيادة اليقين بها، وترسيخ عقيدة التّوحيد، واقتلاع جذور الشّرك بالله؛ فمنها الآيات الآمرة بتوحيد الله، ومنها المخبرة أنّ الله واحد، ومنها الّتي تنهى عن الشّرك بالله، ومنها الّتي تلفت الأنظار إلى الآيات الكونيّة، ومنها تضرب الأمثال والمقابلة *{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)}*.
3- من المسلَّم به أنّ التّكرير من أساليب العرب البليغة الّتي استعملته، وهو من وجوه الإعجاز القرآنيّ وسـماته، ومن ضروب بلاغته، ومن أعظم مظاهره الدّعويّة التّربويّة. وفي ذٰلك بطلان مزاعم الملاحدة ومن شايعهم من الطّاعنين في القرآن الكريم بسبب التّكرير. والله تعالى أعلم بما يصلح النّفوس، وقد عمل العلماء رحمهم الله على إبراز كثير من الحِكم والمعاني السّامية، بالتّوجيه وإزالة اللّبس، عن الكمّ الكبير من تكرير الآيات (عِلْم المتشابه).
4- يأتي التّكرير القرآنيّ في المناسبات الدّاعية له، ولاختلاف الغاية الّتي تكرّر الموضوع من أجلها، ولاختلاف مدارك المخاطبين به، وللتّدرّج في غرس المفاهيم القرآنيّة، وكلما كان الموضوع أكثر أهميّة كان تكراره أكثر، فتكرّرت قصّة آدم عليه السّلام مع إبليس، وقصّة موسى عليه السّلام مع فرعون.
5- جاء التّكرير في القرآن مفيدًا سبعة أشياء: التّأكيد، وزيادة التّنبيه على ما ينفي التّهمة، لإكمال تلقّي الكلام بالقبول، وتجديد العهد عند إطالة الكلام خشية تناسي الأوّل، والتّعظيم والتّهويل، والوعيد والتّهديد، والتّعجّب، وتعدُّد المُتعلَّق.
6- تتوجَّه أعظمُ غايات إثبات وحدانيّة الله نحو بيان بطلان عبادة غيره تعالى، وأنّ تلك الآلهة المزعومة عاجزةٌ عن جلب نفع لعابدها أو دفع ضرّ عنه. وتتميّز آيات إثبات وحدانيّة الله تعالى بأنّها تقدّم الأدلّة القطعيّة العقليّة على استحقاق الله وحده للعبادة، وعلى خسران من يعاند الله فينكر وجوده أو يعبد غيره أو يشرك معه؛ *{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}*، فالكفر بالله أخطر خطورة، وأجرم جريمة، وأكبر كبيرة.