قال الألوسي في تفسيره » تفسير سورة الأعراف » تفسير قوله تعالى قال إنك من المنظرين
وَقَدْ ذَكَرَ الشِّهْرِسْتَانِيُّ عَنْ شَارِحِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ صُورَةَ مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَهِيَ أَنَّ اللَّعِينَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : إِنِّي أُسَلِّمُ أَنَّ لِي إِلَهًا هُوَ خَالِقِي وَمُوجِدِي وَهُوَ خَالِقُ الْخَلْقِ لَكِنْ لِي عَلَى حُكْمِهِ أَسْئِلَةٌ الْأَوَّلُ مَا الْحِكْمَةُ فِي الْخَلْقِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ عَالِمًا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْتَوْجِبُ عِنْدَ خَلْقِهِ إِلَّا النَّارَ الثَّانِي مَا الْفَائِدَةُ فِي التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْهُ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ وَكُلُّ مَا يَعُودُ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ التَّكْلِيفِ الثَّالِثُ هَبْ أَنَّهُ كَلَّفَنِي بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ فَلِمَاذَا كَلَّفَنِي بِالسُّجُودِلِآدَمَ الرَّابِعُ لَمَّا عَصَيْتُهُ فِي تَرْكِ السُّجُودِ فَلِمَ لَعَنَنِي وَأَوْجَبَ عِقَابِي مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ فِيهِ وَلِي فِيهِ أَعْظَمُ الضَّرَرِ الْخَامِسُ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَ سَلَّطَنِي عَلَى أَوْلَادِهِ وَمَكَّنَنِي مِنْ إِغْوَائِهِمْ وَإِضْلَالِهِمُ السَّادِسُ لَمَّا اسْتَمْهَلْتُهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ فِي ذَلِكَ فَلِمَ أَمْهَلَنِي وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَالَمَ لَوْ كَانَ خَالِيًا مِنَ الشَّرِّ لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا قَالَ شَارِحُ الْأَنَاجِيلِ : فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مِنْ سُرَادِقِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ يَا إِبْلِيسُ أَنْتَ مَا عَرَفْتَنِي وَلَوْ عَرَفْتَنِي لَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِي فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ. انْتَهَى .
[ ص: 93 ] وَفِي السُّؤَالِ السَّادِسِ مَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ يَصْعُبُ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ الْجَوَابُ عَنْهَا بَلْ قَالَ الْإِمَامُ : إِنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ مِنَ الْخَلَائِقِ وَحَكَمُوا بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ لَمْ يَجِدُوا مِنْ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ مُخَلِّصًا وَكَانَ الْكُلُّ لَازِمًا وَيُعْجِبُنِي مَا يُحْكَى أَنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمَدَانَ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى جَمَاعَتِهِ فَقَالَ : قَدْ عَمِلْتُ بَيْتًا مَا أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَعْمَلُ لَهُ ثَانِيًا إِلَّا إِنْ كَانَ أَبَا فِرَاسٍ وَكَانَ أَبُو فِرَاسٍ جَالِسًا فَقِيلَ لَهُ : مَا هُوَ فَقَالَ قَوْلِي .
لَكَ جِسْمِي تُعِلُّهُ فَدَمِيَ لَمْ تَطُلْهُ
فَابْتَدَرَ أَبُو فَرَاسٍ قَائِلًا .
قَالَ إِنْ كُنْتَ مَالِكًا فَلِيَ الْأَمْرُ كُلُّهُ
وَعَلَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِجَابَتَهُ إِلَى اسْتِنْظَارِهِ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ ابْتِلَاءَ الْعِبَادِ وَفِي مُخَالَفَتِهِ أَعْظَمَ الثَّوَابِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مِنْ صُنُوفِ الزَّخَارِفِ وَأَنْوَاعِ الْمَلَاهِي وَالْمَلَاذِّ وَمَا رَكَّبَ فِي الْأَنْفُسِ مِنَ الشَّهَوَاتِ لِيَمْتَحِنَ بِهَا عِبَادَهُ وَتَعَقَّبَهُ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي كَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْلِيلِ أَفْعَالِهِ تَعَالَى بِالْأَغْرَاضِ وَعَدَمُ إِسْنَادِ خَلْقِ الْقَبَائِحِ وَالشُّرُورِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِابْتِلَاءِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَحَالٌ وَمَجَازُهُ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ وَلِأَنَّ مَا فِي مُتَابَعَتِهِ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ أَضْعَافُ مَا فِي مُخَالَفَتِهِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِنْظَارُ وَالتَّمْكِينُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعِبَادِ إِلَّا الطَّاعَاتُ وَتَرْكُ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الثَّوَابُ كَالْمَلَائِكَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ : وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَخُوضَ الْعَبْدُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ وَيُفَوِّضَ حَقِيقَتَهَا إِلَى الْحَكِيمِ الْمُخْتَارِ مِمَّا نَقُولُ بِهِ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ عَلَى أَرْبَابِ الْقَالِ وَأَهْلِ الْجِدَالِ هَذَا وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّوْقِيتَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثِقَةً بِمَا وَقَعَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ وَ ص كَمَا تَرَكَ ذِكْرَ النِّدَاءِ وَالْفَاءِ فِي الِاسْتِنْظَارِ وَالْإِنْظَارِ تَعْوِيلًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِمَا .
فَإِنْ قُلْتَ : لَا رَيْبَ فِي أَنَّ الْكَلَامَ الْمَحْكِيَّ لَهُ عِنْدَ صُدُورِهِ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ حَالَةٌ مَخْصُوصَةٌ تَقْتَضِي وُرُودَهُ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ مِنْ وُجُوهِ النَّظْمِ بِحَيْثُ لَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ الْكَلَامُ عَنْ رُتْبَةِ الْبَلَاغَةِ الْبَتَّةَ فَالْكَلَامُ الْوَاحِدُ الْمَحْكِيُّ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى إِنِ اقْتَضَى الْحَالُ وُرُودَهُ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ الْوَارِدَةِ عِنْدَ تِلْكَ الْحِكَايَةِ فَذَلِكَ الْوَجْهُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ وَالْبَالِغُ إِلَى رُتْبَةِ الْبَلَاغَةِ دُونَ مَاعَدَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ وَنَقُولُ حِينَئِذٍ : لَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِنْظَارَ اللَّعِينِ إِنَّمَا صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا غَيْرَ فَمَقَامُهُ أَنِ اقْتَضَى إِظْهَارَ الضَّرَاعَةِ وَتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظَارِ عَلَى مَا حَاقَ بِهِ مِنَ اللَّعْنِ وَالطَّرْدِ عَلَى نَهْجِ اسْتِدْعَاءِ الْجَبْرِ فِي مُقَابَلَةِ الْكَسْرِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ : ( رَبِّ أَنْظِرْنِي ) حَسْبَمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي السُّورَتَيْنِ فَمَا حُكِيَ عَنْهُ هَا هُنَا يَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الْمُطَابَقَةِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ فَضْلًا عَنِ الْعُرُوجِ إِلَى مَعَارِجِ الْإِعْجَازِ .
قُلْتُ : أَجَابَ مَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ بِأَنَّ مَقَامَ اسْتِنْظَارِهِ مُقْتَضٍ لِمَا ذُكِرَ مِنْ إِظْهَارِ الضَّرَاعَةِ وَتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظَارِ عَلَى الْحِرْمَانِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالرَّجْمِ وَكَذَا مَقَامُ الْإِنْظَارِ مُقْتَضٍ لِتَرْتِيبِ الْإِخْبَارِ بِالْإِنْظَارِ عَلَى الِاسْتِنْظَارِ وَقَدْ طُبِّقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تِينَكَ السُّورَتَيْنِ وَوُفِّيَ كُلٌّ مِنْ مَقَامَيِ الْحِكَايَةِ وَالْمَحْكِيِّ جَمِيعًا حَظُّهُ وَأَمَّا هَا هُنَا فَحَيْثُ اقْتَضَى مَقَامُ الْحِكَايَةِ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِالِاسْتِنْظَارِ وَالْإِنْظَارِ سِيقَتِ الْحِكَايَةُ عَلَى نَهْجِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُخَاطَبَةِ وَالْجَوَابِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ نَقْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا مُطَابِقًا لِمُقْتَضَى الْمَقَامِ فَالَّذِي يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي نَقْلِ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ أَصْلُ مَعْنَاهُ وَنَفْسُ مَدْلُولِهِ وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِفَادَةِ فَقَدْ تُرَاعَى وَقَدْ لَا تُرَاعَى حَسَبَ الِاقْتِضَاءِ وَلَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الْكَلَامِ تَجْرِيدُهُ عَنْهَا [ ص: 94 ] بَلْ تُرَاعَى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيَّاتٌ لَمْ يُرَاعِهَا الْمُتَكَلِّمُ أَصْلًا بَلْ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاتِهَا وَجَمِيعُ الْمَقَالَاتِ الْمَحْكِيَّةِ فِي الْآيَاتِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ الْكَثِيرُ مِنْهَا مُعْجِزًا وَمَلَاكُ الْأَمْرِ فِي الْمُطَابَقَةِ مَقَامُ الْحِكَايَةِ وَأَمَّا مَقَامُ الْمَحْكِيِّ فَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُ مُوَافِقًا لِذَلِكَ وُفِّي كُلٌّ مِنْهُمَا حَقَّهُ كَمَا فِي السُّورَتَيْنِ وَإِلَّا لَا كَمَا فِيمَا هُنَا فَلْيُفْهَمْ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم