السبت، 1 يناير 2000

الوقت المعلوم وخزي إبليس المرجوم

 قال الألوسي في تفسيره » تفسير سورة الأعراف » تفسير قوله تعالى قال إنك من المنظرين

قَالَ الْفَاضِلُ السَّفَارِينِيُّ كِتَابِهِ ( الْبُحُورُ الزَّاخِرَةُ ) أَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا يَلْبَثُونَ يَعْنِي النَّاسَ بَعْدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَتَجِفُّ الْأَقْلَامُ وَتُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدً تَوْبَةٌ وَيَخِرُّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي إِلَهِي مُرْنِي أَنْ أَسْجُدَ لِمَنْ شِئْتَ وَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الشَّيَاطِينُ فَتَقُولُ يَا سَيِّدَنَا إِلَى مَنْ تَفْزَعُ فَيَقُولُ : إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِرَنِي إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَنِي إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَهَذَا يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وَتَصِيرُ الشَّيَاطِينُ ظَاهِرَةً فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ هَذَا ص: 92 ] قَرِينِي الَّذِي كَانَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاهُ وَلَا يَزَالُ إِبْلِيسُ سَاجِدًا بَاكِيًا حَتَّى تَخْرُجَ الدَّابَّةُ فَتَقْتُلُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ . انْتَهَى .

وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ الْمَعْلُومِ مَا صَرَّحَ بِهِ اللَّعِينُ وَهُوَ قَبْلَ يَوْمِ النَّفْخَةِ الْأُولَى بِكَثِيرٍ وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرَهُ وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ هَذَا الْفَاضِلُ وَقَالَ : إِنَّ الْخَبَرَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ وَلَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَكَعْبِ الْأَحْبَارِ مِمَّنْ يَتَلَقَّى مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ .

وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ هَذَا الْخَبَرِ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْدَلَ إِلَى الْقَوْلِ بِمَا يُخَالِفُهُ وَلَكِنْ فِي صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عِنْدِي تَرَدُّدٌ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ وَقْتٌ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى انْتِهَاءَ أَجَلِهِ فِيهِ وَقَدْ أَخْفَى عَنَّا وَكَذَا عَنِ اللَّعِينِ وَأَوْجَبَ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اللَّعِينَ كَانَ مُكَلَّفًا وَالْمُكَلَّفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ أَجَلَهُ لِأَنَّهُ يُقْدِمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فَارِغٍ حَتَّى إِذَا قَرُبَ أَجَلُهُ تَابَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَهَذَا كَالْإِغْرَاءِ عَلَى الْمَعَاصِي فَيَكُونُ قَبِيحًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالْعِصْمَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَوْ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي كَإِبْلِيسَ وَأَشْيَاعِهِ فَإِنَّ إِعْلَامَهُ بِوَقْتِ أَجَلِهِ لَا يَكُونُ إِغْرَاءً عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ حَالُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ وَظَاهِرُ النَّظْمِ الْكَرِيمِ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ هَذِهِ إِجَابَةٌ لِدُعَائِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ دُعَاءَ الْكَافِرِ قَدْ يُسْتَجَابُ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الدَّبُّوسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنِ الْبَعْضِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالُ : إِنَّ دُعَاءَ الْكَافِرِ مُسْتَجَابٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى لِيَدْعُوَهُ وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ لِلظَّاهِرِ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا .

وَحَمْلُ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ لَا كُفْرَانِ الدِّينِ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِجَابَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْإِكْرَامُ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِدْرَاجِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : الْجُمْلَةُ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الْمَنْظَرِينَ فِي قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَرَتُّبٍ عَلَى دُعَائِهِ وَادُّعِيَ أَنَّ وُرُودَهَا اسْمِيَّةً مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ مَا سَأَلَهُ اللَّعِينُ الْآخَرِينَ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ السَّائِلَ تَبَعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ الْإِنْظَارَ الْمَذْكُورَ لَهُمْ أَزَلًا لَا إِنْشَاءَ لِإِنْظَارٍ خَاصٍّ بِهِ إِجَابَةً لِدُعَائِهِ وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ اسْتِنْظَارَهُ كَانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ الْمَوْتِ إِذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ لَا لِتَأْخِيرِ الْعُقُوبَةِ كَمَا قِيلَ وَلَا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وَالْحِكْمَةُ فِي إِنْظَارِهِ ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ الْإِفْسَادِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ عِلْمُهَا إِلَى خَالِقِ الْعِبَادِ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم