السبت، 4 أبريل 2026

أبناء الخمسين


*أوراقٌ شَعبانيّةٌ 73*

*صِرْتُ خمسينيًّا*


*بسم الله الرّحمـٰن الرّحيم*


١- العُمْرُ مجرّد رقم، كما يقول أقوياء الوثَبات، متوقّدو العزمات، لكنّه واقع، لا يُنْكَر، ولا يُجْبَر، ولا يوجد دواء للهرَم والكِبَر، وأوراق الشّجرة تستمرّ في التّساقط إلى أن تتلاشى الثّمار، وتيبس الأغصان، وتجفّ العروق، وتفيض روح الإنسان، وتنتهي رحلة الحياة الدّنيا، وتبدأ الحياة البرزخيّة بالحقائق الّتي يعيشها وحيدًا فريدًا.


٢- ها أنا ذا أحمل على كتفيَّ خمسين عامًا، بالتّمام من الأيّام، بطفولتها ومراهقتها، بشبابها وكهولتها، بأفراحها وأتراحها، بحلوها ومرّها، بأرباحها وخسائرها، بمغانمها ومغارمها، بآمالها وآلامها، برتاباتها ومفاجآتها، بسلامها وحربها، بليلها ونهارها، بحضَرها وسفرها، بصحّتها وسقمها، بفراغها وشغلها، بفقرها وغناها، بكلّ صعودها ونزولها، وتعاريجها وتضاعيفها، وتلابيبها وتقاسيمها، ومشاكساتها ومعاكساتها. 


٣- أمشي ونَيْسانَ حبيبين، فهو حلوٌ غَرِير، في الأرض زفّة بُشرى وفي الفضاء حُبُور [أمين نخلة]، وهو أمير الرّبيع، موعد الاخضرار، بساط الزّغب الأخضر المفروش، الّذي له في كلّ عُشيبة رواية، فهو ضحكة المواسم، وباكورة النّزهات، وصديق الشّمس الضّاحكة، والمدى المجلوّ، كأنّه صورة جمال طبعتها السّماء على الأرض، وهو في العشرين منه شهرُ ولادة الحبيب محمّد عليه الصّلاة والسّلام (571م). 

الجمعة، 3 أبريل 2026

التبرك بالنبي وآثاره الشريفة

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

الإسلام دين التبرّك، وقد حرّفه الوهابية.
—————————-
لم ينتظر الصحابة رضوان الله عليهم نصًّا خاصًّا ولا أمرًا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتبرّكوا بوَضوئه ولا بشعره الشريف ولا بأي شيء منه!
لأنه كان مركوزًا في نفوسهم أن التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم مشروع في دين الإسلام.
(١)
فهذه أمُّ سليم، كانت تأخذ عرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشعره إذا نام، وتجمعه في قارورة تتبرك بها، ولما حضر أنس بن مالك رضي الله عنه الوفاة -بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ب٨٣ سنة- أوصى أن يُجعل في حنوطه من هذه القارورة.
والحديث في البخاري ومسلم.
فأين النصّ أو الأمر الخاص بهذا الفعل الذي جعل أم سليم تفعل هذا؟ وأين النص أو الأمر الخاص بهذا الفعل الذي جعل أنسًا يفعل هذا؟
(٢)
وهذه أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما تحتفظ بملابس النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أخذتها من أختها السيدة عائشة عليها السلام بعد وفاته، فإذا مرض مريض غسلت هذه الملابس بالماء ليستشفي به المريض!
والحديث في صحيح مسلم.
فأين النص أو الأمر الخاصّ بهذا الفعل؟ أين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجعلوا ملابسي في الماء واستشفوا به لمرضاكم؟!
بل كان مركوزًا في نفسها أن الإسلام دين التبرك! ولا إشكال في هذا عند الصحابة.
(٣)
وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا بعد وفاته يذهبون لرمّانة المنبر النبوي فيتمسحون بها ويدعون الله تعالى!
والحديث في ابن أبي شيبة ورجاله ثقات.
فأين النصّ أو الأمر الخاص بهذا الفعل؟ أين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته إذا أردتم الدعاء فتمسحوا برمانة منبري وتبركوا بها؟!
بل كان مركوزًا في نفوس هؤلاء الصحابة أن الإسلام دين التبرك، ولا إشكال عندهم في ذلك!
(٤)
وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه في الحديبية، لمّا تنخم كانوا يبتدرون إلى نخامته الشريفة فيدلكون بها وجوههم وأيديهم!
والحديث في صحيح البخاري!
فأين أمرهم بهذا؟! ومتى كان مثل هذا معروفًا عند العرب؟!
لا والله بل شهدوا ما فيها من نور فبادروا إليها دون نصٍّ خاصٍّ، لأن التبرك كان مركوزًا في نفوسهم!
(٥)
وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا توضّأ يبتدرون إلى وضوئه يأخذون ما انفصل عن جوارحه الشريفة من ماء ويتمسحون به متبركين.
والحديث في البخاري.
فمتى أمرهم صلى الله عليه وآله وسلم بذلك؟ وأين قال لهم تبركوا بما سقط مني من ماء عند وضوئي كلّما توضأت؟!
بل كان مركوزًا في نفوسهم أن الإسلام دين التبرك، فبادروا إليه.
(٦)
وهذا أبو الأسود الجرشي من التابعين يمسح وجهه وعينيه بيد واثلة بن الأسقع من الصحابة، ويقول لأنه بايع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!
والحديث صحيح أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه.
فأين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تمسحوا بيد من بايعني وتبركوا بها؟
بل كان مركوزًا في نفوس الصحابة والتابعين أن الإسلام دين التبرك، ففعلوا هذا!
(٧)
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقترح على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذوا من مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام مصلى -مقامه يعني المكان الذي داسه برجله الشريفة-
ثم نزل الوحي موافقًا لسيدنا عمر رضي الله عنه.
والحديث في البخاري.
فلماذا اقترح عمر -قبل الوحي- تخصيص المكان الذي داس فيه سيدنا إبراهيم بقدمه بالصلاة؟!
لأنه كان مركوزًا في نفسه أن الإسلام دين التبرك!
(٨)
وهذا أحمد بن حنبل من السلف ينصّ على تبرّكه بالصالحين فيقول:
"قد كان يحيى بن يحيى أوصى لي بجبته فجاءني بها ابنه فقال لي. فقلت: رجل صالح قد أطاع الله فيها أتبرك بها"
(٩)
وفتّش في جميع شروح البخاري وشروح مسلم، وابحث بكلمة "التبرك"
لتجد نصوصهم أجمعين على استحباب التبرك بآثار الصالحين.
———
ولو تتبعنا المواقف التي بادر فيها الصحابة إلى التبرك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو التي بادر فيها التابعون إلى التبرك بالصحابة، أو التي بادر فيها السلف إلى التبرك بالصالحين، لنفد القرطاس وانقطعت الأنفاس قبل حصرها!
فالإسلام دينُ التبرّك بالأنبياء والصالحين وآثارهم وإن تطاولت الأزمنة وبعدت، ولم يبثّ في نفوس العوام أن التبرك بالصالحين شركٌ إلا الوهابية الخوارج الخبثاء الذين هم عورة هذه الأمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلّصنا منهم.

بقلم حسن البخاري رحمه الله


الخميس، 2 أبريل 2026

مثال الذبابة الطاحن للمجسمة الذي ضربه الإمام الغزالي في كتابه الإحياء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

لو أُتيح لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله أن يجلس بيننا اليوم، ويُصغي بأذنيه إلى ما يُفرزه بعض "الوهابية" من مناهج في أبواب التوحيد والصفات، لربما وجد أن مثل الذبابة الذي ضربه في "الإحياء" لم يكن مجرد تمثيل نظري، بل كان نبوءة دقيقة لواقع سيأتي بعده بقرون، واقعٌ تحاول فيه عقولٌ مسطّحة أن تحصر الخالق المطلق في قوالب يتعارف عليها المخلوق المحدود. 

يقول رحمه الله في إحياء علوم الدين: "لو كان للذباب عقل وقيل له ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولا له طيران؛ لأنكر ذلك وقال: كيف يكون خالقي أنقص مني؟! أفيكون مقصوص الجناح؟ أو يكون زَمِناً لا يقدر على الطيران؟ أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوري؟ وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل!" 📚 إحياء علوم الدين [5/17] .

أتدري ما الذي يكشفه هذا المثل بجلاء لا يقبل المراء؟

الأربعاء، 1 أبريل 2026

التوسل بالنبي ﷺ – عرض مذاهب العلماء وتحقيق المسألة

 التوسل بالنبي ﷺ – عرض مذاهب العلماء وتحقيق المسألة

المذهب الأول: الإباحة المطلقة – وهو مذهب جمهور العلماء من المذاهب الأربعة
ذهب جمهور علماء المذاهب الأربعة إلى جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، وهو ما نُقل عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل في رواية عنهم [انظر: ابن عابدين: رد المحتار، ٣/ ٢١٢؛ النفراوي: الفواكه الدواني، ٢/ ١٦؛ الشربيني: مغني المحتاج، ٢/ ١٩٥].
١. مذهب الحنفية:
قال العلامة ابن عابدين رحمه الله: "وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه" [ابن عابدين: رد المحتار، ٣/ ٢١٢]. وهذا نص صريح في جواز التوسل عند إمام الحنفية.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن المتقدمين من الحنفية كأبي حنيفة نفسه وأبي يوسف ومحمد بن الحسن قد كرهوا صيغة "بحق الأنبياء" لأنهم رأوا أنه لا حق للمخلوق على الخالق [انظر: بدائع الصنائع، ٥/ ١٢٦]. لكنهم مع ذلك أجازوا التوسل بصيغة "أسألك بنبيك" كما صرح به ابن عابدين عن أبي حنيفة نفسه.
وقد صرح متأخرو الحنفية بجواز التوسل صراحة، قال الامام الكمال بن الهمام- رحمه الله - ": ثم يقول في موقفه: السلام عليك يا رسول الله... ويسأل الله تعالى حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام" [ابن الهمام: فتح القدير، ١٠/ ٦٤].
٢. مذهب المالكية:
قال العلامة النفراوي رحمه الله :"ويستحب التوسل بالأنبياء والأولياء في الدعاء، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، ولفعل الصحابة [الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٦].
وقد ورد عن الإمام مالك- رضي الله عنه - نفسه قصة مشهورة مع أبي جعفر المنصور العباسي:" فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم) الآيَةَ" [ الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:٢/٤١].
٣. مذهب الشافعية:
قال الإمام الشربيني رحمه الله :" ويسن التوسل بالأنبياء والأولياء في الدعاء، لقول النبي ﷺ للأعمى: 'اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد" [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ، ٢/ ١٩٥].
وقال الإمام النووي رحمه الله : "ومن أدعية الاستسقاء: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، وأرسل السماء علينا مدرارًا. ويتوسلون بالصالحين فيدعون على أيديهم، وهذا هو المشهور"[الأذكار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ، ص ١٨٤].
٤. مذهب الحنابلة:
قال ابن قدامة رحمه الله :"ولا بأس بالتوسل بالصالحين في الدعاء، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس أن يتوسل الرجل بالنبي ﷺ في دعائه" [المغني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ، ٣/ ٢٧٦].
وقال ابن مفلح رحمه الله :"ويجوز التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم، وهو مذهب أكثر العلماء"[الفروع، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢٤هـ، ٣/ ٢٤٥].