لماذا يؤول الأشاعرة؟ .. القصة ليست "عناداً" بل "تعظيماً"!
كثير من الناس يسألون: لماذا الأشاعرة (وهم جمهور علماء الأمة) يؤلون آيات الصفات؟
حين يقرأون قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ يقولون "قدرته"، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ يقولون بحفظي ورعايتي. هل ده تعطيل للنص؟
الحقيقة أن "التأويل" عند الأشاعرة هو منهج "حماية" لعظمة الخالق، وإليك الأسباب والقصة من بدايتها:
لماذا لم يكن هناك "تأويل" على عهد النبي ﷺ والصحابة؟ هذه هي النقطة الأهم؛ الصحابة رضي الله عنهم كانوا أصحاب "سليقة عربية" نقية، وكانوا يفهمون المجاز والاستعارة بغير كلفة. لما كان النبي ﷺ يقرأ عليهم آيات الصفات، كانت عقولهم تذهب فوراً إلى "المعنى الجمالي والجلالي" لا "المعنى الحسي الجسدي".
فلم يكن هناك "مشبهة" ولا "مجسمة" يزاحمونهم في فهمهم، فكانوا في غنى عن التأويل لأن "التنزيه" كان مستقراً في فطرهم كاستقرار الشمس في رابعة النهار.
متى بدأ التأويل؟ ولماذا ظهر؟ بدأ التأويل يظهر تدريجياً مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول الأعاجم والمنطق اليوناني، وظهور فرق "المجسمة" الذين أخذوا النصوص بظاهرها المادي البحت وصوروا الله في صورة إنسان، كما فى بعض معتقداتهم السابقة!
هنا تحرك العلماء: وجدوا أن السكوت (التفويض) لم يعد كافياً لحماية عقول العوام من فتنة التجسيم. فكان لا بد من "التأويل".
فالتأويل "حدث" لأن "التشبيه" قد استُحدث، وكما يقول الفقهاء: "تتجدد للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور".
اللغة العربية "واسعة" وليست "جامدة" اللغة التي نزل بها القرآن لغة بليغة. حين تقول "فلان يده بيضاء"، لا أحد يفهم أن لون يده أبيض حرفياً، بل الكل يفهم أنه "كريم". الأشاعرة لم يأتوا بمعانٍ من عندهم، بل استخدموا معاني موجودة في أصل لغة العرب ليفهموا مراد الله بما يليق به.
منع "التشبيه" (قاعدة ليس كمثله شيء) العقل البشري مبرمج حين يسمع كلمة (يد، نزول، استواء) يتخيل صوراً مادية. الأشاعرة وجدوا أن "الوقوف عند الظاهر الحرفي" أمام العوام يؤدي لتخيل الله كأنه جسم. فقالوا: نؤول اللفظ لمعناه المجازي حتى نقطع الطريق على أي خيال يصور الله في صورة بشر.
القرآن يفسر بعضه (المحكم والمتشابه) القرآن فيه آيات "محكمة" واضحة جداً مثل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فإذا جاءت آية أخرى توهم المشابهة، كان لا بد من رد "المتشابه" إلى "المحكم". التأويل هنا هو "التوفيق" بين الآيات حتى لا يحدث تضارب في العقل.
فالتأويل ليس "اختراعاً" لأجل التغيير، بل هو "ضرورة" ظهرت لصد هجمات المبتدعة والمجسمة.
السلف الصالح (التفويض): سكتوا لأن الفطرة كانت سليمة.
الأشاعرة (التأويل): تكلموا لأن الفطرة قد تلوثت بشبهات التجسيم.
وكلاهما اتفق على أصل واحد: أن الله سبحانه "لا تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار". و "كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم